حياة

"حَطة وعِقال بخمس قروش.. والنذل لابِس طربوش"

"الشال الفلسطينى" .. أكثر من مجرد رمز

عيون شاخِصة تزأر من خلف لِثَامها فى وجه المغتصبين.. تقاطعات سوداء مليئة بالكبرياء المُرتسِم على خلفية ناصعة مُعلِنة رفضها لواقع الانتزاع .. رمزية راسخة كما نبات الصبار الذى يقتات من قطرات الندى المغتربة، لكن الظمأ أبداً لم يفلح فى قهره.. هكذا بقى "الشال" الفلسطينى رمزاً للمقاومة والنضال فى الماضى والحاضر، حامِلاً خصوصية لا تزول، وكأن تصاميمه مستوحاة من رؤية خاصة تجردت فيها الأسلاك الشائكة من قسوتها، وتحولت إلى خارطة افتراضية تُبقِى شعب فلسطين الحبيب على نقطة تماس واشتباك مع سارقى أرضه. 


ياسر عرفات

لم يلتفِح كل مناضل فلسطينى- وعلى رأسهم الرئيس الراحل ياسر عرفات - الشال الفلسطينى من فراغ، بل لكونه يحمل دلالة تاريخية عتيقة، فمنذ أن عَرِف الاحتلال طريقه للأراضى المقدسة، والشال الفلسطينى يتشرَب ندى الحاجبين المٌقتضَبين والجبين الغاضب، كما شهد العديد من محطات النضال الوطنى الفلسطينى، ومما لا شك فيه أن الرئيس الفلسطينى الراحل "ياسر عرفات" هو صاحب الدور الأكبر فى إكساب "الشال" الفلسطينى رمزيته النضالية فى العالم بأسره، فلم يكن يظهر إلا وهو يرتديه حتى تشكل ذلك الوعى المحلى والدولى بما يحمله الشال من دلالة ثورية.
والواقع هناك العديد من الحكايا المرتبطة بـ "الشال" الفلسطينى أضفت له العديد من السمات، فصار مبعوث الانتفاضة ورسالة تحدى تتهَجى تراتيل الصمود فى وجه العدو، كى تُذكِره بأن الشعب لن ينسى "أرضه" ولن يتناسى "كفاحه"، الذى- وإن لم يُسفِر عن إنفراجة - سيظل يُثقِل كاهل المُحتَل، ومن ثَم أصبح "الشال" جزءًا لا يتجزأ من الموروث الثقافى والإنسانى لدى أشقائنا الفلسطينيين.

وبالرجوع للجذور التاريخية للشال الفلسطينى، نجده لم يكن فى بادئ الأمر أكثر من مجرد وشاح اعتاد الفلاح الفلسطينى أن يضعه على كتفيه أثناء عمله ليجفف به عرقه أثناء حراثة الأرض، أو ليحتمي به من برد الشتاء، فكان أهم ما يميزه أيضاً عن أبناء المدينة، الذين يرتدون "الطربوش"، ولكن هذه الوظيفة سرعان ما تغيرت واكتسبت بُعداً أخر، حيث اقترنت بها دلالات جديدة فى فترات لاحقة من الكفاح الوطنى، فعلى سبيل المثال عندما كانت فلسطين تحت نير الاحتلال البريطانى عام 1936 تشكل ذلك البعد الثقافى المغاير للشال الفلسطينى بعد أن استخدمه الثوار لإخفاء ملامحهم عن الجنود الإنجليز تفادياً للاعتقال والوشاية. 
وسرعان ما ارتداه أبناء المدينة وكل الفئات العمرية المختلفة بأمر من قيادات الثورة آنذاك، بغرض التشويش على الإنجليز الذين شنوا حملات اعتقال لكل من يضع الشال على رأسه ظناً منهم أنه من الثوار، فأصبحت مهمة الإنجليز أكثر صعوبة بعد أن وضعه كل شباب وشيوخ القرية والمدينة في تضامن لا يزال يُذكر إلى اليوم. 



وبخصوص هذه الواقعة يصف الشاعر الفلسطينى "أحمد دحبور" ملابساتها، وكيفية تمرير هذه الرسالة الثورية للناس دون علم الإنجليز قائلا: " كان باعة الشال أو الحَطة والعِقال يدللون عليها بقولهم "حطَة وعقال بخمسة قروش.. والنذل لابس طربوش"، وكانت هذه هى الشفرة "الإعلامية"، التى تم تداولها فى الأسواق، باعتبارها (أهم منبر إعلامي في ذلك الوقت)، ليستيقظ العساكر البريطانيون صباحاً فيجدوا أن الطرابيش قد اختفت، وأن معظم الشعب صار يرتدي العِقال والشال، اللذين نظم فيهما الشعراء الشعبيون أغانٍ ما زال الكثير منها، إلى يومنا هذا، يجري على ألسنة الفلسطينيين؛ شباباً وشيوخاً، نساء ورجالاً، بل وحتى الأطفال منهم. 

ومن بين أشهر الأغانى الفلكلورية التى تغنت بالشال والكوفية الفلسطينية أغنية "علّي الكوفية علّي.. ولولح بيها"، حيث أعادها للذاكرة المطرب الشاب "محمد عساف"، ولاقت رواجاً عربياً واسعاً، ومع انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي اقترن "الشال" بالفدائي كما سلاحه، وازداد هذا الاقتران أثناء الانتفاضة الأولى عام 1987 وصولاً إلى الانتفاضة الثانية عام 2000، كما شكل "الشال" رمزاً للتضامن مع القضية الفلسطينية، إذ قام متضامنون في شتى دول العالم بارتدائه في المسيرات الرافضة للانتهاكات الإسرائيلية.

وفى مطلع الألفية الثانية ساد "الشال الفلسطينى" أو "الكوفية العربية" بصورة واسعة الانتشار بين الشباب والفتيات فى ألمانيا، الأمر الذى أثار جدلاً واسعاً إذا ما كان إرتداؤه وسيلة للأناقة أم معاداة للسامية، ومناصرة لتيار النازيين الجدد، وهى أحد المشاهد المعاصرة الدالة على الرمزية الثورية، التى نجح الشال الفلسطينى فى الاحتفاظ بها حتى الأن والتلويح بها فى وجه الصهيونية.


دبلوماسى بوليفى يرتدى الشال الفلسطينى

والواقع لم يكن وصول الشال الفلسطينى إلى ألمانيا حديث العهد، بل أنه وصل إلى هناك فى أواخر الستينيات بواسطة اليساريين الغربيين الألمان، الذين عادوا إلى بلدهم بعد مكوثهم بمعسكرات المنظمات الفلسطينية في الأردن ولبنان، حيث مثلت حقبتا السبعينيات والثمانينيات العصر الذهبي لانتشار "الشال" الفلسطينى في ألمانيا الغربية، وبرز بلونيه الأسود والأبيض في مظاهرات اليسار الحاشدة كرمز على مناهضة السياسات الأميركية والهيمنة الاستعمارية، وتأييد حركات التحرر والمقاومة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

ومن ثَم صار الشال الفلسطينى مبعوثاً دبلوماسياً يتحدث بلسان المقاومة، ورسولاً مُلثَماً له مُريديه، بما أنه يتحدث نيابة عنهم فى إشارة ضمنية لرفض وضع ما، حيث اضطر بعض الشباب الألمان المناهضين لليهود إلى ارتداء "الشال الفلسطينى" تعبيراً عن كراهيتهم لليهود خاصة فى ظل حظر ارتداء أى شارات معادية للسامية فى المانيا، فكان الشال الفلسطينى - من وجهة نظرههم - مكافئاً جيداً لإيصال نفس المعنى، وهو الأمر ذاته الذى دلل على الفكرة، التى أحياها "الشال" فى عقول العالم، آلا وهى، أن الفلسطينيين هم أصحاب الأرض المغتصبة ولن يكفوا عن الكفاح من أجل استعادتها. 


ملك السويد وزوجته يرتديان الشال الفلسطينى

ولو لم يكن هذا "الشال" تجاوز حدود الرمز، ليصبح بمثابة سلاح ثقافى ونصل ثورى يُهيج "القيح" الصهيونى، لما وقعت ردود أفعال اتخذت صبغة سياسية محتقنة، كالتى حدثت عام 2013 فى السويد إثر إهداء بعض ممثلى الجالية الفلسطينية هناك "شال" فلسطينى لكل من ملك السويد "كارل غوستاف" وزوجته الملكة "سيلفيا" تعبيراً عن امتنان الفلسطينيين لاستقبال السويد لهم واحتضانهم، وتقديراً لمواقف المملكة الاسكندنافية حيال القضية الفلسطينية.
وبناء على طلب بعض أبناء الجالية الفلسطينية هناك، توشح كل من الملك والملكة بـ "الشال"، الذى تطَعم بعبارة "يا قدس أنا قادم.. أقصانا لا هيكلكم"، حيث أصار هذا الموقف انقسامات فى السويد من جانب وسائل الاعلام اليمينية الموالية لإسرائيل واتهمت ملك السويد بعدم الحياد السياسى، وجاء هذا مُخالِفاً لما أبداه اليسار السويدي، الذي لا يخفي دعمه العلني للقضية الفلسطينية والفلسطينيين بين الحين والآخر، بينما كشف الانتقاد اللاذع عما يعتمل فى صدور مرتعشة أبت حتى الرمز كوسيلة للنضال والتأكيد عليه، فمن الضرورى لهم أن تبقى المواقف الدولية تحت مظلة المباركة الملعونة تحسُباً لغضب السارق المتغطرس.


المذيعة الأمريكية ريتشيل راي ترتدى الشال الفلسطينى

ورغم أن "الشال"  لم يعد من الملبَس الذي يرتديه الكثيرون، في فلسطين، مقارنة بأوقات مضت، إلا أن الموالين لإسرائيل في العالم، أصبحوا يعرفون قيمته الرمزية، مما جعلهم يحتجون فور استخدام أي من المشاهير له. وقد سبق أن أُثير جدل كبير بسبب إعلان ظهرت فيه المذيعة الأمريكية "ريتشيل راي"  وهي ترتدي كوفية تشبه الشال الفلسطينى، حيث انتقدها أحد الكُتاب اليمنيين بالترويج لـ "موضة الجهاد" و"العداء للسامية ".

وفى المقابل استمات الأشقاء الفلسطينيون فى الدفاع عن "الشال" ورفض وصمه بالعنف والارهاب - كما روجت الصهيونية العالمية – بل والتأكيد على كونه  رمز للأرض والوطن، و شَارة فلسطين وقائدها الراحل "أبو عمار"، الذى ربط بينه وبينها بصورة ذهنية غير مسبوقة ظلت عالقة فى الذاكرة. فعلى الرغم من ارتداء الشال في مناطق كثيرة بالشرق الأوسط كبلاد الشام والعراق، إلا أن رمزيته انحصرت فى التضامن مع القضية الفلسطينية، الأمر الذى جاهدت إسرائيل لوأده ووصم "الشال" بالتطرف وكراهية الأخر، لكنها منذ نكبة فلسطين وحتى الأن لم تفلح فى تحقيق مأربها وتغيير هذا الموروث الثقافى، ليبقى "الشال الفلسطينى" أكثر من مجرد رمز، فهو يُحاكى فى القلوب وجعاً لا يطيب، وشغفاً لا ينطفىء، وأملاً لا يموت، وبشارة ربما تحققت.

(42 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع