حياة

الأزهريون الأوائل رواد التنوير..

الدمنهوري دكتور التشريح الذي تولي المشيخة

بالمختصر المفيد يعكس الأزهر علي مر الزمان حال مصر بكل ما تحتويه الكلمة من معني تجد منهم وفيهم النوابغ والعبقريات المدهشة بحق وهذا أمر معتاد كما ذكر مولانا الجبرتي في مقامة (المقامة القمذية) في كتابه المعروف "عجائب الآثار" ومن المعروف لدي بعض المؤرخين الذين تناولوا سيرة ومسيرة بعض علماء الأزهر العباقرة رواد التنوير في شتي العلوم والمعارف بل والموسيقي (والفنون وسوف نتعرض لها إن شاء الله في حلقة قادمة) كما أن الدراسة في الجامع الأزهر لم تقتصر على الدراسات الشرعية واللغوية والأدبية، من فقه وأصول وتفسير وحديث وبلاغة وتوحيد ونحو وصرف، بل تجاوزتها إلى دراسة الفلك الذي كان يطلق عليه علم الهيئة.
 


ومجلدات التراجم التي تحدث فيها الجبرتي عن قامات أزهرية سبقت الزمان بمائة عام وقتها منها الشعراء ( لو نشرت شعره اليوم كأنه كتبه الساعة ) قمة الفكاهة وخفة الظل ومرح الحروف ورشاقة الوصف البليغ المختصر وهو يصف تجار الدين وبعض أصحاب اللحي الكاذبة ويضحكون بها علي العامة والبسطاء لم تجد قبله شاعرا ساخرا فحلا وفذا (بمعيار عصرنا الحالي يساوي أحمد فؤاد نجم أو علي الأقل بيرم التونسي) ويوم وفاته كتب عنه مولانا الجبرتي في عجائب التراجم بالحرف الواحد يقول مات الشيخ العمدة المنتقد الفاضل الشاعر البليغ الصالح العفيف حسن البدري الحجازي الأزهري وكان عالما فصيحا مفوها متكلما منتقدا على أهل عصره وأبناء مصره.
ومن شعره الساخر في وصف تجار الدين قوله وكتب هذا النص قبل ثلاثة مائة عام بالضبط في 1718م
رب قصير في الوري لحيته 
طولها الله بلا فائدة ؟؟
كأنها بعض ليالي الشتاء 
طويلة مظلمة باردة 

مخطوطة كتاب الكلام اليسير في علاج المقعدة والبواسير. عن علاج حصوات الكلى ومشاكل الشرج والبواسير
ومن العبقريات النادرة الطبيب والكيميائي وعالم التشريح الشيخ الدمنهوري وهو بحق معجزة عصره ولو كان بيننا في هذا اليوم لصار عبقري مصر الأول ومن سيرته لا تتعجب إن وجدت بعض من تعلم من سيرته الموسوعية ( بالتحديد العقاد الذي كان جامعة وحده من دون منازع) ومصر تنتقل فيها جينات العبقرية دون ضجيج وعلي كل شبر من أرضها وهي عبقرية متواصلة لا تتوقف (سؤال هل تعرف اليوم وأنت تقرأ هذا المقال من العالم المصري الذي يتولي التخطيط العلمي لمستقبل أطفال اليابان أبحث عنه كي تعرف) مصر ليست ماضي جميلا بل أيضا حاضرا متواصلا مع تاريخ الأجداد ونعود لمولانا الفذ الشيخ الدمنهوري وقال عنه مولانا الجبرتي في التراجم والآثار بكل فخر وافتخار رغم المنافسة والمناكفة العلمية بين الجبرتي والدمنهوري وتلك قصة أخرى.
 
ويتحدث الجبرتي عن مكانة الدمنهوري بقوله: "هابته الأمراء؛ لكونه كان قوّالا للحق، أمَّارًا بالمعروف، سمحًا بما عنده من الدنيا، وقصدته الملوك من الأطراف وهادته بهدايا فاخرة، وسائر ولاة مصر كانوا يحترمونه، وكان شهير الصيت عظيم الهيبة…".
وبلغ من تقدير الأمراء له وتعظيمهم لحرمته أنه لما نشبت فتنة بين طائفة من المماليك وأتباعهم، قصده أحد أمراء الطائفتين مستنجدًا به؛ إذ لم يجد بيتًا آمنا يحتمي به غير بيت الشيخ الدمنهوري في بولاق، فلما طلب خصومه من الشيخ تسليمهم له رفض، ولم يجرؤ واحد منهم على اقتحام بيت الشيخ مراعاة لحقه ومنزلته.
ويتذكر مولانا الدمنهوري فيما كتبه في مخطوط نادر تأمل أسلوب السرد الرشيق باستخدام ضمير الغائب والمتكلم .... أنه كان يتيمًا ولا كفيلا له، وهذا لا يمكنه العيش بعيدًا عن بلده إلا فى حالة واحدة هى الالتحاق بالأزهر؛ لأنَّه هو وحدَه الذى يكفل لمن ينتسبُ إليه بالدراسة وطلب العلم، وتوفير شتَّى مطالب الحياة التى يتشوَّق إليها «الدمنهورى وأمثاله»، وذهب للأزهر الذى هو بغية كلِّ طالب علمٍ، وإذا عرفنا أنَّه قد أقام فى بلدته عشر سنوات، وتقلَّد المشيخة عشر سنوات ولقى ربَّه وهو فى الحادية والتسعين تقريبًا. تولَّى مشيخة الأزهر بعد وفاة الإمام التاسع للأزهر الشيخ «السجينى» 1182هـ، اعتلى أريكةَ الإمامة خليفته وعماد الشافعيَّة من بعده الإمام الشيخ «أحمد الدمنهورى» 1182هـ - 1768م، وقد أفاض المؤرِّخون فى الحديث عنه وتتبُّع أعماله وآثاره وقد درس في كتاب القرية وحفظ القرآن الكريم بها، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم رحل إلى القاهرة، والتحق بالأزهر صغيرًا، وتلقى فيه العلوم الشرعية واللغوية على يد عدد من درس به الفقه على المذاهب الأربعة، حتى أطلق عليه لقب المذاهبي، وأجازوه فيها ليتفوق علي الشيخ الأول الإمام الخراشي، ودرس كتب التفسير والحديث والمواريث والفقه والعلوم الحكمية وعلم الأصول والقراءات والتصوف والنحو والبلاغة، والهندسة والفلك والفلسفة والمنطق والطب.
 


وكان عالماً بمذاهب أئمة الفقه الأربعة بمعني من حقه منح إجازة العلم حتى لمن يختلف معه في الفقه الشافعي مذهبه المحدد وقد وصفه معاصروه بأنه كان عالماً فذاً، ومؤلفا عظيما وارتقى في مناصبه بالأزهر إلى أن أصبح شيخ الجامع الأزهر لمدة طويلة ليكون أول طبيب يتولي المشيخة. 
وقد كانت دراساته الطبية قد أخذها عن أحمد القرافي الحكيم بدار الشفاء فقرأ عليه كتاب "الموجز" و"اللمحة الخفيفة في أسباب الأمراض وعلاجاتها" وبعضاً من "قانون ابن سينا" وبعضاً من كامل الصناعة وبعضاً من منظومة "ابن سينا الكبرى بمنهج عملي، وقرأ على الشيخ "سلامة الفيومي، أشكال التأسيس في الهندسة، وبعضا في علم البيئة، و"رفع الأشكال عن مساحة الأشكال" في علم المساحة. 
وقرأ على الشيخ محمد الشحيمي منظومة الحكيم، ورسالة في علم المواليد، والممالك الطبيعية، وهي الحيوانات والنباتات والمعادن. وكان فقيهًا حنفيًا، عالمًا باللغة، وتصدر للإمامة والإفتاء وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وظل يتعلم ويدرس، حتى استقام له الأمر، وتمكن في علوم الهندسة والكيمياء والفلك، وصنع الآلات، ولجأ إليه مهرة الصناع يستفيدون من علمه؟؟
فهل معني ذلك أن مجلدات الدمنهوري اختفت بفعل فاعل وكيف كان يعد ورش لتدريب الحرفيين علي صناعة مواد الكيمياء وفي فنون صناعة الأحبار والطباعة المنسوخة بخط اليد، وكان الدمنهوري غزير التأليف متنوع الإنتاج الفكري، ومعظم إنتاجه لا يزال مخطوطًا حبيسا لم يرَ النور بعد، ومن أهم مؤلفاته ولا نعرف لماذا لم تنشر حتى يومنا هذا وقد تضمن كتابه "اللطائف النورية" أسماء جميع مؤلفاته التي وضعها، وكذلك ذكرها الجبرتي في تاريخه ومنها:
"حلية اللب المصون في شرح الجوهر المكنون"، في البلاغة. 
وكتاب "نهاية التعريف بأقسام الحديث الضعيف"، في مصطلح الحديث. 
و"دراسة سبيل الرشاد إلى نفع العباد"، في الأخلاق. 
ثم "رسالة عين الحياة في استنباط المياه"، في الجيولوجيا ودراسة أحوال الأراضي علي الطبيعة وكانت له جولات في نهر النيل وبالتأكيد درس الفلك والهندسة علي مهل حتى برع في كل علم تصدي له.
وفي كتابه النادر "القول الصريح في علم التشريح"، في الطب يثبت فيه نبوغه الطبي ومعرفته الدقيقة في فنون التشريح فهذا العلم الطبي النادر وقتها يحتاج لتجريب ومعرفة معملية وليس مجرد كتاب نظري في الدراسات الإنسانية ولم تذكر المصادر أين اختفى هذا الكتاب الذي يعد المرجع الأول (لفن التشريح في الطب المصري) وهي مدرسة ممتدة منذ مئات السنين.



وربما اختفي الكتاب بعد أن كتب كتابه المهم المؤسس لعلم (الإدارة السياسية) تحت عنوان "منهج السلوك في نصيحة الملوك"، ثم المفاجأة غير المتوقعة أيضا اختفاء كتاب "الدرة اليتيمة في الصنعة الكريمة"، وهو موسوعة كاملة في علوم الكيمياء. وهذا يثبت صحة من قال بوجود معمل طبي كامل لدي الشيخ الجليل الدمنهوري فمن يشتغل بالكيمياء لابد وأن يكون قد درس التشريح بالضرورة وقال مولانا الدمنهوري فيما يكمن وصفه بفن كتابة السيرة الذاتية أخذت عن أستاذنا الشيخ علي الزعتري الحساب، واستخراج المجهولات، وما توقف عليها كالفرائض والمواريث، والميقات.. وأخذت عن سيدي أحمد القرافي الحكيم بدار الشفاء بالقراءة عليه كتاب الموجز، واللمحة العفيفة في أسباب الأمراض وعلاماتها، وبعضًا من قانون ابن سينا، وبعضًا من منظومة ابن سينا الكبرى.. وقال مولانا الدمنهوري أيضا وقد قرأت على أستاذنا الشيخ سلامة الفيومي أشكال التأسيس في الهندسة.. وقرأت على الشيخ محمد الشهير بالشحيمي منظومة في علم الأعمال الرصدية (الفلك).. ورسالة في علم المواليد أعني الممالك الطبيعية وهي الحيوانات والنباتات والمعادن…".
وكان ينافس الشيخ الدمنهوري في تحصيل تلك العلوم الشيخ حسن الجبرتي والد المؤرخ المعروف عبد الرحمن الجبرتي وهذا سؤال يحتاج لبحث جديد في أروقة الوثائق بدار المحفوظات .
 
 

(5 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع