حياة

الحياة عند سور الأزبكية

ما أروع أن تعرف القيمة الحقيقية لأسواق الكتب فى حياة كل منا فكلما أخذتنى الطائرات للسفر فإن المكان المفضل الذى أقضى فيه أغلب أوقاتى هى أسواق الأشياء المستعملة خاصة الكتب, وفى هذه الأسواق فأنك سوف تجد البضاعة المضمونة أنها جيدة, وبعيدا عن أسواق الكتب فإن الفنادق الصغيرة التى كنا ننزل بها على نفقاتنا, هناك عادة اجتماعية رائعة أن النزلاء يتركون لأقرانهم فى مكان بعينه الكتب التى نالت إعجابهم كى يستمتعوا بها مثلما حدث لهم, ولذلك فإن قراءة الكتب المستعملة تعنى فى المقام الأول الحصول على كتاب له قيمته لدى إنسان آخر.


وهكذا كانت علاقتنا بأسواق الكتب فى المدن التى ذهبنا إليها, واشترينا منها، مثل سوق العطارين وشارع النبى دانيال بالإسكندرية، وسور الأزبكية والسيدة زينب بالقاهرة، وبالطبع سوق الأزبكية الذى صار الصورة الأنسب والأكثر قيمة فى معرض الكتاب, وقد كنت من أكثر الناس استفادة من المراجع وأنا أبحث فى السور عن الكتب التى رجعت إليها وأنا أقوم بإعداد كتابين عن الروايات المصرية والعالمية التى تحولت إلى أفلام مصرية التى تم اقتباسها من سلاسل الروايات القديمة مثل روايات الجيب, وسلسلة روايات عالمية، وروايات الهلال, وروائع المسرح العالمي، والحقيقة أنه كان يدهشنى أن الكتب المباعة فى حالة جيدة للغاية، ما يعنى أن من قرأوها كانوا يبجلون الكتاب تماما، وعلما بأن أصحاب هذه الكتب المباعة قد تخلص منها الورثة الأشرار فى الوقت الذى حافظ الكثيرون من أصحاب المكتبات على الكتب حتى حان رحيلهم، وقد أدركنا أن البضاعة جيدة ومضمونة، فى الوقت الذى كانت فيها الكتب الجديدة ترتفع أسعارها مع مر الزمن، فإن الكتب القديمة ظلت تحتفظ بأسعار معقولة، وفى السور تم إبراز الكنوز القديمة من مجلدات ومجلات, وقد صارت هناك تجارة جديدة ثمينة ببيع التراث القديم على أنها مجرد "كتب قديمة" وللأسف فإن سمعة الكتب لدى البعض صارت تعنى أوكارا للحشرات.


اعتقد أن الفكرة نبعت فى المقام الأول من فاروق حسني, وزير الثقافة الأسبق بتوسيع دائرة معرض الكتاب, فهو نشاط مخصص من أجل الكتاب بشكل عام, وليس معرضا للكتاب الجديد فقط، ولا أعرف لماذا لم تقم المعارض العالمية والعربية بالاستفادة من هذه الظاهرة، ربما لأنه فى بلاد الأغنياء ينظرون إلى الكتب نظرتهم إلى السيارات، ففى كل عام هناك موديلات جديدة، وبالنسبة للكتب القديمة فأنها روبابكيا, وللأسف الشديد ففى أسواق الأشياء القديمة فى مدن أوروبية عديدة فإن الباعة يتركون بقايا الكتب التى لا تباع فى نهاية النهار كى تأتى عربات البلدية لتنقلها مع المخلفات، وكم تحسرت القلوب على ما نراه، وذات يوم رحت أنقل الكثير من الكتب قبل دهسها إلى الفندق القريب كى يطالعها الآخرون، ولأننا فى ظروف مختلفة، فأننى أشعر بالإعجاب وأهمية المساندة لقيام باعة الكتب القديمة بعمل معرض مواز لمدة شهر بأكمله أى ضعف المدة المخصصة للمعرض فى عيد ميلاه الخمسين, يبيعون الكتب بنسبة خصم كبيرة، وأنا أعرف أن دور النشر وسط أزمات التسعير والتكلفة لا تفكر فى إعادة طبع الكتب القيمة من السلاسل، مثلا دور النشر الصحفية لا تطبع سلاسلها مرة أخرى, ومنها روايات الهلال, وسلسلة اقرأ, أو الروايات العالمية، خاصة أنه ليست لدينا أفكار بديلة، كما أن الكثير من هذه المؤسسات لديها مخزون كبير من الكتب, وعلى كل فإن سور الأزبكية الذى تعرض للكثير من المتاعب طوال تاريخه، صارت له الآن فروع فى أماكن كثيرة، وقامت الحكومات المتعاقبة ببناء الكثير من المواقع أو تطويرها عند الأزمات مثلما حدث فى العتبة، وأبو الريش, أما شارع رمسيس, فقد تنامى على الأرصفة فى منطقة الإسعاف وحدث الشيء نفسه فى شارع النبى دانيال بشكل تراكمى على مدار سنوات طويلة، ليست لدى معلومات إن كان باعة هذه الكتب قد أسسوا لأنفسهم رابطة تدافع عن مهنتهم، لكن التحرك السريع بعمل معرض مواز طوال شهر بدأ من الخامس عشر من يناير يحتاج إلى المزيد من الأمن ضد الحريق, والبرد, والمطر, وقد اعتاد باعة الكتب على الأماكن التى ليست لها جدران، وأنا أعرف أن بعض الباعة صاروا من كبار المليونيرات بعد أن حققوا ثروات هائلة ببيع كنوز ورقية إلى الهواة فى الخليج وهؤلاء يمكنهم تأسيس نقابة قوية, كى يساعدوا فى تطوير المهنة كثيرا إذا أرادوا. 
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع