حياة

الحلم الأمريكى فى السينما المصرية.. أوهام مهاجر

فى شهر يناير الماضى عرض فيلم "طلق صناعي" الذى يقوم فيه زوجان بالدخول إلى السفارة الأمريكية، ويرفع الزوج السلاح بهدف أن تلد المرأة ابنهما ليكون أمريكى الجنسية, وفى الرابع من سبتمبر الحالى حدث انفجار مبهم فى حقيبة شاب كان يمر أمام مبنى السفارة.. 
ماذا يحدث؟
إنه الحلم الأمريكي
الحلم الأمريكي.. يشغل الناس.. فى العالم كله..

أغلبنا مسكون بالحلم الأمريكي، الحلم أن نسافر إلى أمريكا، أو أن نعيش فيها، أو أن نستجلب ثروتها، أو جزء من تجاربها المتعددة فى صنع حضارة عصرية بكافة أشكالها، والسير على درب ما، أو ربما زيادة صب اللعنات على سياساتها الطويلة تجاه ما يدور فى الشرق الأوسط.



فى السينما، تعددت الأحلام فى الاتصال بالعوالم الأخرى، خاصة الأكثر ثراء، وتقدماَ، مهما ابتعدت هذه العوالم عنا أو اقتربت. والغريب أن السينما المصرية فى بداياتها، حلمت فى المقام الأول بالهند أكثر من أى ثقافة أخرى، ورأينا ذلك فى أفلام عديدة منها كفرى عن خطيئتك عام 1933، لكن فيلم "ليلى"، الفيلم الروائى الأول فى تاريخ السينما المصرية البطلة الثانية فيه سائحة من البرازيل، ثم ظهرت هيلدا فى فيلم " قبلة فى الصحراء" قادمة من أوروبا.

الحلم بالتواصل مع عوالم أخرى تجسد فى تجربتين بالغتى الأهمية، هما متقاربتان بشكل ملحوظ بقدر تباعدهما. التواصل الأول مع الثقافة الأوروبية، وهو تواصل مبكر، أخذ صبغة ثقافية وخاصة مع دول البحر المتوسط فى المقام الأول، وعلى رأسها فرنسا، وقد بدأ هذا التواصل مليئاً بالحذر، والتناقض، والتحذير، وذلك فى أفلام مثل "وخز الضمير" لبدر لاما، و" أولاد الذوات " لمحمد كريم عام 1932، وهما فيلمان يحذران من الزواج من الشقراء الفرنسية، الجميلة، وذلك باستلهام جريمة شهيرة حدثت بين امرأة فرنسية وشاب مصرى من أسرة راقية، وقد ذهب أبطال أفلام عديدة إلى أوروبا فى سينما الثلاثينيات، مثل فيلم " ياقوت " خراج روزييه عام 1934..

وإذا كان الحلم بالتواصل الثقافي، أو السياحي، كان هو السمة الغالبة فى الأفلام المصرية التى تناولت العلاقات الإنسانية بين المصريين والأوربيين، فإن الحلم الأمريكى له شكل مختلف تماماً إنه الحلم بالثروة فى المقام الأول، والحصول على المال، والجاه، والمكانة، وذلك من خلال عدة أوجه، والغريب أن المصريين لم يفكروا قط بتواصلهم مع الحلم الأمريكي، إن السفر إلى هناك، والحضور أيضاً، إنه جلب للثقافة، وليس فى ذهنى الآن أسماء روايات بارزة تحولت إلى أفلام عن رحلة ثقافية إلى الولايات المتحدة، مثلما رأينا بالنسبة إلى أوروبا، وإن كانت التجربة الأدبية بدت قليلة العدد عند يوسف إدريس، وعلاء الأسواني.

ورغم أن التواجد الأمريكي، عالمياً وعربياً زادت مكانته، ووصلت إلى الحد المتفرد الذى نعرفه الآن، بعد الحرب العالمية الثانية، فإن الحلم قد بدأ قبل ذلك بكثير، ولعلها المرة الأولى التى رأينا فيها مواطناً أمريكياً ينزل إلى أرض القصص السينمائية، كانت فى فيلم " شالوم الترجمان " الذى كتبه وأنتجه وأخرجه توجو مزراحى عام 1935، حيث وصلت إلى الإسكندرية سائحة أمريكية مع أبيها.
شكل هذا الفيلم الحلم الأزلى للمصريين بالسفر السهل إلى أمريكا، الوقوع فى حب أمريكية تصحبه معها إلى يوتوبيا المال والثراء، إلا أن الحلم سرعان ما ينكشف، ويفشل.



نعم، السينما صورت الحلم الأمريكى فاشلاً غالباً منذ الفيلم الأول فى هذا المضمار، وهو الحلم الذى سوف يتجسد فى أغلب الأفلام التى تتحدث عن هذا الموضوع، مثل " أمريكا شيكا بيكا "، و" هالو أمريكا "، و" أرض الأحلام "، و" تايه فى أمريكا "، و" رحلة العجائب " ولا نكاد نعرف نجاحاً فى هذا الأمر، فكل الذين حلموا فى هذه الأفلام بالذهاب إلى هناك، فرادى أو جماعات، وتمنوا الحصول على بطاقة الهوية الأمريكية فشلوا تماماً فى تحقيق رغباتهم، وإن كان هذا لا يمنع أن آلاف المصرين فى الواقع قد حققوا حلمهم، لكن السينما وقفت بالمرصاد دوماً للحديث عن التجارب الناجحة . قد يكون ذلك قد حدث فى تجربة التواصل نحو أوروبا مثل " النمر الأسود "، و" همام فى أمستردام "، والتجربة هنا اقتصادية، لكن بالنسبة للولايات المتحدة فإن الفشل أصاب هؤلاء الحالمين بالذهاب إلى هناك، كما سنرى.

لو توقفنا للحديث عن هذه التجارب، فإن الفيلم الأمثل فى هذا المضمار هو "أمريكا شيكا بيكا" إخراج خيرى بشارة عام 1993، حيث تدور الأحداث فى بلد أوروبى من الكتلة الشرقية، بعد تفكك المعسكر الشرقى تماماً، هو رومانيا، وهناك يقوم مواطن مصري، متزوج من رومانية، بعمل تأشيرات سفر مضروبة، لتسفير المصريين، عبر هذه المنطقة من العالم، إلى الولايات المتحدة، حيث يظل الحلم الأمريكى متمثلاً بقوة لدى سبعة أشخاص من أعمار مختلفة، ومستويات اجتماعية متقاربة، بعد أن دبر كل منهم ثلاثة آلاف دولار، منهم الطبيب الشاب الذى تعجز مهنته كطبيب فى توفير أدنى متطلبات حياته، ويفشل فى افتتاح عيادة خاصة لفقر والده العطار بشبرا، أما الراقصة "دوسة" فقد ضاقت بها الحياة عقب وفاة زوجها الطبال وعجزت عن تدبير تكاليف علاج وحيدتها فاطمة من الفشل الكلوي.
نحن هنا أمام نموذج أمثل لما يسمى الحلم الأمريكي، الفاشل، هو حلم جماعي، حيث اجتمع هؤلاء جميعاً على الوصول إلى أرض الأحلام هرباً من ضغوط اقتصادية فى المقام الأول فى مصر، والحلم الأمريكى هنا فاشل، فى مقابل نجاح ملحوظ حققه النصاب المصرى جابر الذى تزوج وعاش وأنجب فى رومانيا، وراح يضحك على المصريين ..



الحلم الأمريكى يتمثل فى السفر. ويبدو واضحاً فى فيلم " تايه فى أمريكا "عام 2002 أخرجه شاب حصل هناك على الجنسية هو رافى جرجس . حيث نرى طائرة مصرية متجهة إلى الولايات المتحدة، حاملة على متنها العديد من الحالمين بأمريكا، ومنهم شابان، شريف وعادل، دون أن تكون بينهما أى صلة سوى الحلم بالعيش فى أمريكا.. الفيلم هذه المرة تدور أحداثه فوق أرض الولايات المتحدة، شريف لا يعرف وجهته، أما عادل فقد جاء إلى هناك بحثاً عن ابنة عمه نور للزواج منها، يتم حجز عادل فى المطار، بسبب اللوحة التى فى حقيبته، ويلتقى شريف بابنة عم عادل فى المطار فيذهب معها على أنه الشخص الذى تنتظره، ولم تكن قد رأته من قبل، بينما عادل يتعرض لحادث عنف يفقد على إثره الذاكرة، ويدخل المستشفى.

أما "أرض الأحلام " فى الفيلم الذى أخرجه داوود عبدالسيد عام 1993، فهى بالطبع أمريكا، التى تسعى نرجس للسفر إليها، للحاق بأكبر أبنائها، نرجس هذه، سيدة مكافحة، أرملة، سافر ابنها إلى الولايات المتحدة، أما الثانى فهو طبيب، لا يفكر فى السفر مثل أخيه، وكذلك أخته المذيعة ..
تحلم نرجس أن تسافر إلى ابنها، وأن تحصل على الإقامة لخمس سنوات هناك، كى تعمل وتحقق ثروة، وتنجح بعد عدة زيارات للسفارة أن تحصل على التأشيرة، لكنها فى ليلة السفر تفقد جواز سفرها، ويصبح عليها أن تبحث عنه طويلاً ودون جدوى، إلى أن تعثر عليه، وهناك نهاية مفتوحة للفيلم، توحى أن نرجس بعدا لعثور على جواز السفر قد عدلت عن السفر، أو أنها سوف تسافر فى طائرة الفجر، لكن اليقين بالبقاء فى الوطن، يقابل الحلم الأمريكى بالسفر إلى هناك، تاركة كل الأسرة فى مصر.



وإذا كان الحلم الأمريكى يدور هنا فوق أرض مصرية، فإن أحداث فيلم " هالو أمريكا " لنادر جلال عام 2000، تدور بعد وصول كل من بخيت وعديلة إلى نيويورك، حيث تبدو أمريكا أكثر اتساعاً، وتناقضاً من فيلم " تايه فى أمريكا "، فنيويورك مدينة واسعة مليئة بالمظاهرات، والشواذ، وحوادث السيارات، والجنسيات، والعقائد، والمتطرفين، والملاحدة، كل منهم يعيش فى بلاد الثروة..
والفيلم ينتقد الحلم الأمريكي، ويتعامل مع هذه الرحلة المؤقتة الفاشلة التى قام بها كل من بخيت وعديلة بسخرية، حيث أن ابنة المرشح لرئاسة الجمهورية تصدم بخيت بسيارتها مما تدفعه أن يطلب تعويضاً ضخماً، وتدخل السياسة فى الفيلم، والمحامون، والعلاقات الاجتماعية المتشابكة كى يكتشف بخيت أن أمريكا حلم لابد من إنهائه والعودة إلى الوطن، تتزوجه زنجية مقابل نقود من أجل أن تمنحه حق الإقامة، ويتدخل بدمائه الشرقية لمنع ابنة خاله من مضاجعة صديقها فى إحدى غرف المنزل، ويكتشف بخيت أن الخمسين مليون دولار التى كسبها من القضية قد ذهبت إلى المحامين، والضرائب، وأيضاً للأطراف الأخرى التى طمعت فى الأموال.

تجسد الحلم الأمريكى فى السيرة السينمائية ليوسف شاهين فى أفلام "إسكندرية ليه" عام 1979، و"حدوتة مصرية" عام 1982، ثم "إسكندرية نيويورك" عام 2004، فى الفيلم الأول، ملأ تمثال الحرية الشاشة فى المشهد الختامى للفيلم، ورأينا وجه التمثال يضحك بشكل كاريكاتورى ساخر، وفى الفيلم الثاني، رأينا كيف دبر الأب النقود من أجل تسفير ابنه، أما فى الفيلم الثالث، فإنه وصف تفصيلى للرحلات العديدة التى قام بها يحى إلى هناك، المرة الأولى حين كانت حلماً سينمائياً، وهو يدرس فى أحد المعاهد الفنية بنيويورك.. يتعرف على فتاة أمريكية تسمى جنجر ـ زميلته فى المعهد، تصبح عشيقته، ويغادر نيويورك على حبها، كى يعود إلى المدينة نفسها بعد ربع قرن، ليجدها قد أنجبت منه طفلاً، نسبته إلى زوجها اليهودي.. وقد دارت الأحداث بين أسرة إسكندر، الابن الذى صار يهودياً، وبين يحى المصرى المسيحي، الذى صار مخرجاً عالمياً، رفض السياسة الأمريكية دوماً، وإن لم يخف إعجابه بالتجربة، السينمائية الراقية فى الولايات المتحدة.



النوع الثانى من الحضور الأمريكى فى حلم المصريين، وهو كما أشرنا حلم بالحصول على الثراء السريع، تمثل فى الحضور من الولايات المتحدة، وهو الحلم الذى تكلمنا عنه من خلال فيلم " شالوم الترجمان "، فما إن يحل خواجة أمريكى فى المجتمع المصري، حتى يسيل لعاب الكثير من الحالمين بالحصول على الثروة الأمريكية، وقد تبدى ذلك فى أفلام عديدة منها " أمريكانى من طنطا " إخراج أحمد كامل مرسى عام 1954. حيث يطمع الأهالى فى كل من هو قادم من بلاد العام سام، مثل إبراهيم الموظف الذى يقرأ خبراً عن المليونير محروس طنطاوى العائد من أمريكا، ومعه أسرته، وأن هذا المليونير يبحث عن أسرته التى ينتمى إليها، ولا يعرف طريقها . يرسل برقية إلى المهاجر محروس ويبلغه أنه من بقايا أسرته، ويدعوه لزيارته، ويقوم باستئجار شقة واسعة، من أجل استقبال المليونير، يصل محروس، ويقيم فى الشقة، ويتعرف على أسرة إبراهيم الذى يقيم مع زوجته وابنه الصحفى فيكتشف أن محروس أصابه الإفلاس، لذا فهو يطلب من إبراهيم الأموال على أن يسددها فيما بعد.



وإذا كان هذا الحلم قد تمثل فى مواطن أمريكى واحد يزور أسرة، ولا يمنحها شيئاً، فإن رئيس الولايات المتحدة نفسه قد زار مصر عام 1974، ومن خلال هذه الظاهرة، استوحى يوسف القعيد روايته " يحدث فى مصر الآن "، واتخذ من مسقط رأسه " الضاهرية " مكاناً للأحداث باعتبار أن زيارة ريتشارد نيكسون لمصر، قد جاءت معها ببعض المعونة الأمريكية العابرة التى تتمثل فى الدقيق، والمسلى، وأطعمة أخرى، ستوزع مباركة من الشعب الأمريكى إلى الأحداث تتغير بشكل واضح، فقد عرف أبناء الضاهرية أن القطار الذى يحمل الرئيس المصري، ومعه ضيفه الأمريكى سوف يتوقف عند القرية للزيارة، فيتبدل حال المعيشية للجميع، ويطمع كل مواطن فى القرية بجزر من خيرات أمريكا لتحقيق أحلامه.

وهناك تفصيلات عديدة فى الفيلم للتغيرات الحادة التى شهدتها القرية بسبب زيارة الرئيس، منها أنه لن يحصل على المعونة إلا النساء الحوامل، ومنها تلك الزينات والمهرجانات والخيول والأغانى والاستعراضات التى أعدت لاستقبال الرئيس الأمريكي، لكن هذا الشرف بالانتماء إلى الحلم الأمريكى قد ذاب تاماً حين لم يتوقف قطار الرئاسة عند رصيف القرية، وانطلق دون أن يتوقف، وبدت خيبة الأمل على سكان القرية، والمسئولين فيها.
لقد ذهب المصريون إلى الولايات المتحدة فى منتصف السبعينيات، بعد حرب أكتوبر مباشرة، يتزوجون هناك من أمريكيات، أو ليحققوا المكاسب المادية مثلما حدث فى فيلم "رحلة العجائب "لحسن الصيفى عام 1974، و"حب على شاطئ ميامي" لحلمى رفلة عام 1976 فإنه فى الفيلم الأول، فإن عباس الذى تزوج من إحدى قريباته الأمريكيات بسبب الحصول على الثروة، يفضل أن يترك أمريكا، ويعود إلى مصر مع زوجته أرواح، ابنة البلد، مفضلاً إياه على الأمريكية "لهطة القشطة" التى وقعت فى غرامة، وأعجبت بفحولته.



أما الحلم الأمريكى فى فيلم " رومانتيكا " إخراج زكى فطين عبدالوهاب، فقد تمثل فى سلوك شباب الخرتية فى مركز المدينة، حيث يتعاونون على الأجانب، خاصة النساء، ويبيعون لهن أجسادهم، ويحصلون على مقابل مادي، وفى الفيلم، هناك شاب يتردد كثيراً على السفارة الأمريكية من أجل السفر، لكن محاولاته تفشل، وينتهى الأمر بأن يقوم سيد اسكارفيس بقتل على سائح ألماني، ويدخل السجن، وينتهى الحلم الأمريكى تماماً .
 تجدد الدخول إلى مبنى السفارة الأمريكية فى فيلم " طلق صناعى لخالد دياب 2018، حيث سعى زوجان الى البقاء داخل السفارة حتى تتمكن الزوجة الحامل أن تضع وليدها القادم فى مبنى السفارة حتى وان اضطر الزوج الى استخدام السلاح للتهديد
من خلال هذه البانوراما الواسعة لصورة أمريكا فى السينما المصرية، فإنه ليس هناك استثناء واحد يؤكد أن الحلم الأمريكى قد نجح، وبذلك تكون السينما قد حذرت الحالمين دوماً من فشل التجربة، وأن عليهم عدم الاقتراب من الحلم الأمريكي، وإلا صار لكل منهم مثل مصائر أبطال هذه الأفلام.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع