حياة

منحوه لقب خليفة محمد عبده..

"عبدالعزيز جاويش" الذي ترك منصبه الكبير بوزارة المعارف لأجل عشقه للصحافة

ولد عبد العزيز جاويش في أكتوبر سنة 1876 في الإسكندرية، في أسرة تعمل بالتجارة من أصل تونسي بعد أن تعلم شيئا في الكتاب من علوم اللغة والحساب والقرآن الكريم، أصر على المضي في طريق العلم مخالفا سنة آبائه وأسرته ذات الشأن في مجال التجارة، ولما وجده والده مصرًا على المضي في طريق التعليم سمح له بالسفر إلى القاهرة مجاورًا في الأزهر الشريف، فترك عبد العزيز جاويش الإسكندرية في صحبة صديق صباه حسن منصور أحد أساتذة دار العلوم فيما بعد، فوصل القاهرة عام 1892م بادئًا حياة جديدة , مختلفة شديدة الاختلاف عن حياته وحياة أسرته .
 


ظل عبد العزيز جاويش في الأزهر لمدة عامين، عاصر فيها فترة الغليان الوطني في صدور أبنائه، ولكنه ما لبث أن انتقل إلى مدرسة دار العلوم التي تخرج فيها بعد أربع سنوات عام 1897، وقد أتيح له في تلك الفترة أن يلتقي بالشيخ محمد عبده، وكان قد قدمه إليه الشيخ رشيد رضا، فحضر مجالسه في عين شمس واتصل به عن قرب فأصابه وارتبط به ارتباطًا روحيًا، وكانت ندوة الشيخ محمد عبده بمثابة مدرسة أخرى لعبد العزيز جاويش، إذ كانت تضم عشرات من تلامذته الذين أصبحوا فيما بعد رواد نهضتنا الحديثة من أمثال : مصطفى لطفي المنفلوطي والشاعر حافظ إبراهيم والزعيم سعد زغلول ومحمد رشيد رضا وطنطاوي جوهري ومصطفى عبد الرازق .
 
على أن الانتقال من الأزهر إلى دار العلوم لم يكن بالأمر السهل، فلا ينتقل إليها إلا المتفوقون من الطلاب الذين يجتازون امتحانا قاسيا وعسيرا، وقد زاد من صعوبة الاجتياز أنه في العام الذي انتقل فيه جاويش كان عدد المتقدمين كبيرا ومع ذلك لم ينجح غير سبعة عشر طالبا منهم عبد العزيز جاويش وصديق عمره حسن منصور .
وكان طلاب دار العلوم في ذلك الوقت يعدون صفوة المثقفين، فكانوا يميزون أنفسهم، بل يميزهم المجتمع عن طلاب الأزهر لما كانوا يدرسونه من علوم حديثة، لذلك كانت تختار منهم بعثات العلم إلى إنجلترا وفرنسا وألمانيا.
 
 أظهر جاويش تفوقا ملحوظا في دار العلوم، إلى جانب أنه كان شاعر الكلية، فأحرز أعلى الدرجات في الامتحانات مما أهله للحصول على الإجازة في دار العلوم وسنه لا تتجاوز الحادية والعشرين وفي ذات الوقت أهله تفوقه في الامتحان إلى الحصول على بعثة علم إلى إنجلترا بعد أن عمل فترة في التدريس وفي إنجلترا التي كانت تحتل مصر في ذلك الوقت، أمضى عبد العزيز جاويش ثماني سنوات على فترتين لم يخلع فيها عمامته وملابسه العربية، ليصير بعد عودته النهائية من أبرز العاملين في مجال التعليم في مصر .
 أمضى جاويش السنوات الثلاث الأولى متعلما في جامعة برورود يتلقى دراسات تربوية متنوعة وبعد عام من عودته إلى مصر يعود مرة أخرى إلى بريطانيا ليس متعلما من جديد ولكن معلما وأستاذا في جامعة أكسفورد العريقة ليقضي خمس سنوات يدرس اللغة العربية وآدابها .
 وهكذا أتاحت الظروف لعبد العزيز جاويش أن يمضي في بريطانيا ثماني سنوات ما بين طالب وأستاذ، بين جامعتى برورود وأكسفورد، وأن يدرس كيف يعيش الإنجليز في بلادهم ويقارن بينهم وبين حياتهم في البلاد التي احتلوها، وقد كان لذلك أثر كبير في حياة الجاويش وتفكيره وكفاحه وكتاباته، فضلا عن الخبرة الكبيرة التي اكتسبها في مجال التربية والتعليم.
 عاد جاويش إلى مصر نهائيا عام 1906 ليعمل من جديد في وزارة المعارف ولكنه لم يستمر في هذا العمل، فقد استقال منه في أبريل سنة 1908، أي بعد أقل من عامين , رافضا السير في ركب الوظيفة والاحتلال الذي كان يتدخل في كل كبيرة وصغيرة من شئون التعليم، ليتجه إلى العمل في الصحافة، ومع ذلك يمكن القول أن السنوات من 1892 م إلى 1907م هي سنوات تكوين شخصية عبد العزيز جاويش فكريا وثقافيا، إذ جمع بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية، فالتقى الأزهر ودار العلوم بأكسفورد وبرورود وامتزجت اللغة العربية باللغة الإنجليزية.
 


 ترك عبد العزيز جاويش منصبه الوظيفي الكبير في وزارة المعارف، حيث كان يعمل مفتشا للتعليم وتولى رئاسة تحرير جريدة اللواء، لسان حال الحزب الوطني المعارض، حزب الشعب، فبدأ اسمه يلمع منذ ذلك اليوم في مجال الصحافة والسياسة والإصلاح الاجتماعي على نحو خاطف، ففي خلال سنوات أربعة هي كل سنوات عمله في الصحافة كان عبدالعزيز جاويش قد ملأ الدنيا وشغل الناس وأرق مضاجع الإنجليز وهز جدران القصر بآرائه الحزبية وأسلوبه العنيف وحملاته النارية على الاستعمار البريطاني والاستبداد الداخلي والمستوزرين، فقدم للمحاكمة من جراء ذلك ثلاث مرات وحقق معه أربع مرات وسجن مرتين، كل ذلك خلال فترة رئاسته القصيرة لجريدة اللواء.
 
والواقع أن عبد العزيز جاويش لم يكن مجرد صحفي أو رئيس تحرير جريدة، ولكنه كان مفكرا من طراز محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، بل كان يدعو بالفعل إلى أفكارهما فهو امتداد لهما ووريث لهما أيضا في مسائل الإصلاح الاجتماعي والسياسي والتربوي، بيد أنه كان أشد عنفا وأبعد نقدا وأعمق فهما لنفسية وعقلية الإنجليز الذين عاش بينهم ثماني سنوات فأوجعهم أشد الوجع .
 ويوضح لنا عبد العزيز جاويش سبب تركه وزارة المعارف والمبادئ التي سيلتزم بها في اللواء، فيقول في أول مقالته الافتتاحية الأولى بعد توليه رئاسة التحرير : " باسمك الله قد استدبرت حياة زادها الجبن وخورها العزيمة ومطيتها الدهان والتلبيس، في أسواقها النافقة تشترى نفيسات النفوس بزيوف الفلوس وتباع الذمم والسرائر بالابتسام وهز الرؤوس".



أما المبادئ الخمسة التي سيلتزم بها فقد أجملها في نهاية المقال، فقال : " سيسر "اللواء" على ما كان عليه خادما للأمة المصرية، ومدافعا عن الأريكة الخديوية ما حرصت على مصالح رعاياها، مجاهدا الإنجليز ما بقوا في بلاده، حاثا على الفضيلة والأخلاق الكريمة، داعيا إلى توحيد عناصر الأمة على اختلاف مللها ونحلها، وتباين مشاربها ولهجاتها، فاللهم أسألك لسانا ناطقا بالصواب ".
وبعد تحقيقات ومحاكمات سجن فيها مرتين عام 1909 وعام 1910 في كل مرة ثلاثة شهور، لم تهن عزيمته ولكن الإنجليز لم ييأسوا فضيقوا عليه الخناق وفرضوا عليه الهجرة في فبراير م1912 .
كان عبد العزيز جاويش صادق الإيمان بأمرين جرا إليه خصومة عنيفة مع الأحزاب والصحف الأخرى , هما :
1 ـ حق الأمة المصرية في الحرية والدستور والجلاء وحق العالم الإسلامي كله في ذلك .
2ـ وحدة العالم الإسلامي ممثلة في الدولة العثمانية والعمل على بقاء هذه الوحدة ومقاومة تمزيقها، إيمانا منه بأن في تمزيقها ضياعا للوطن كله وتمكينا للنفوذ الأجنبي من التهامه .
يمكن اعتبار السنوات من 1908 إلى 1912 سنوات التألق في حياة عبد العزيز جاويش فهو إلى جانب عمله الصحفي قام بدور كبير في الدعوة إلى بناء المدارس وإرسال البعثات الأزهرية وإنشاء مجلة الهداية وأصدر عديدا من الكتب، ولعل هذا الجانب من أهم الأسباب التي دعت الإنجليز إلى إبعاده خارج مصر .


أبعد عبد العزيز جاويش عن مصر عام 1912 , ليظل مغتربا إحدى عشر عاما، متنقلا بين تركيا وألمانيا وسويسرا، وهو في هذه الفترة أيضا الوطني المجاهد المدافع عن استقلال بلاده ونهضة المسلمين .
عاد عبد العزيز جاويش إلى مصر في 1923 ليتجه إلى العمل الصحفي من جديد، فكتب فصولا متعددة في جريدتي الأخبار واللواء المصري أهمها عن سقوط الخلافة في تركيا، إلى أن وقع اعتداء على سعد زغلول باشا في 12 يوليو سنة 1924 فقبض على جاويش واتهم بأنه مدبر هذا الاعتداء، فأدخل السجن وظل به حتى 20/8/1924، فلقي متاعب جمة ربما بسبب ضعف صحته، وقد قال وقتها " لا تخرجونا من السجن أمواتا "وكان هذا الحادث هو نهاية أحداث حياته السياسية.
غير أن جاويش لم يركن إلى الدعة والانزواء، فقد واصل كفاحه وجهاده الوطني في مجال آخر كان له فيه صولات سابقة ألا وهو مجال التربية والتعليم , فكرس السنوات الباقية من حياته لهذا المجال، وقد رأت الدولة في ذلك الوقت الانتفاع بخبرته التعليمية والتربوية , فوكلت إليه القيام بمنصب مدير التعليم الأول وذلك وفق خطة لمحو الأمية وتوسيع نطاق التعليم، فظل يعمل في ذلك المنصب من 1925 إلى وفاته في 25 يناير 1929، لتنتهي رحلة كفاح عريضة ولكنها مضطربة وقصيرة أيضا، فقد توفى عبد العزيز جاويش عن 53 عاما.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع