حياة

ابنة الجزر والسحر.. إندونيسيا غادة العلم والحضارة.. يحدثنا عنها "عاشق النص" الدكتور شريف الجيار

• التجربة المصرية فى إندونيسيا تدعو لمحاربة القوى الظلامية.. والتجربة الإندونيسية فى أوراق الجيار تدعو إلى زرع حب القراءة للأطفال وربط سوق العمل بالتعليم 
• ترحيب الإندونيسيون فى بيوتهم صورة طبق الأصل من استقبال الضيف فى ريفنا المصري
• السمعة العلمية للأستاذ المصرى فى إندونيسيا ماركة مسجلة.. ثقة فى علمه وقدرته على التواصل والتعاون الأكاديمى المثمر ويفتحون له الأبواب فى الجامعات والمعاهد والمدارس الحكومية والخاصة
• معظم الشعب الإندونيسى يقود الموتوسيكل لاسيما فى أوقات الذروة.. والجميع يلتزم بإشارات المرور دون تجاوز 
 
أكبر تجمع إسلامى من حيث عدد المسلمين.. تاريخها القديم أروع الآثار من الحضارة البشرية.. ويتعجب ويسبح كل من يرى عجائبها الممتدة من قمم الجبال وحتى قاع بحارها الشاسعة.. تحتضن ٣٠٠ لغة وأكثر من 200 مجموعة عرقية.. هى أكبر اقتصاد فى جنوب شرق آسيا، ورغم أنها ابنة العجائب والسحر والجزر.. للأسف الشديد نحن فى مصر لا نعرف عن إندونيسيا إلا القليل فقط من طلابها الدارسون بالأزهر الشريف، لكن ومن محاسن الصدف أن "عاشق النص وإندونيسيا " الدكتور شريف الجيار وكيل وزارة الثقافة الأسبق ووكيل كلية الألسن وأستاذ الأدب المقارن بجامعة بنى سويف عاد مؤخرا من هناك بعد دعوة رسمية ليحدثنا عن هذا البلد المتعدد والمتنوع الثقافات، غادة العلم والحضارة ، فهو ابن بطوطة المحافل الثقافية المحلية والدولية المحب العاشق للغة والنقد.. غواص فى بحر المعرفة.. ذهبت إليه "بوابة الحضارات" جلست واللهفة فى عيون محررتها تتأمل كلماته ومعلوماته وعجائب إندونيسيا التى لا يعرفها إلا القليل، فقال لها بعين المثقف وعين الراصد لا تحزنى.. فحديثى إليكم عن إندونيسيا هو المكتوب..
 


فكان هذا الحوار: 
*قرأنا عبر وسائل الإعلام المختلفة و"السوشيال ميديا"، عن مشاركتكم فى "المؤتمر الدولى للعولمة والدين والتنوع الثقافى والديمقراطية"، الذى أقامته إحدى الجامعات الإندونيسية المهمة، لماذا هذا المؤتمر فى هذا الوقت، ولماذا تم اختيارك فقط من الشرق الأوسط؟
ـ تعد دولة إندونيسيا الشقيقة النمر الأسيوى القادم بقوة، معتمدة فى ذلك على العلم والتعليم والإنتاج، والتعاون المشترك أكاديميًّا مع جامعات العالم، ومع الباحثين والمفكرين البارزين حول العالم. وهو ما لاحظته عبر زياراتى الأكاديمية المتعددة للجامعات والمعاهد والمدارس الإندونيسية، وآخرها المؤتمر الدولى المهم عن "العولمة والدين والتنوع الثقافى والديمقراطية"؛ الذى عُقد فى الجامعة الإسلامية الحكومية "رادين فتاح" بباليمبانج بسومطرة، ثم عقدت جلسات أخرى فى جامعتى سونان كاليجا الحكومية بيوجياكارتا، وتشيلاتشاب ماجينانج بتشاليتشاب بجاوا الوسطى، وضم المؤتمر باحثين من أمريكا ومصر وهولاندا وماليزيا وإيران وإندونيسيا وغيرها، وقد استوعبت فيه الأكاديمية الإندونيسية العديد من تجارب العالم، فى الفكر والفلسفة والعلوم والتجارب الجديدة فى التخصصات المختلفة، وقد دعيت لهذا المؤتمر من الشرق الأوسط كمتحدث رئيسي، وقدمت ورقة بحثية باللغة الإنجليزية عن التجربة المصرية بعد 2011م، فى ورقة بعنوان "العولمة والتنوع الثقافي.. التجربة المصرية نموذجًا"، وقد أوضحت الصعوبات التى مرت بها مصر فى 2011م، وما حيك ضد مصر من خطط مغرضة بيد التيارات الظلامية، بهدف تقسيم الدولة، وإشاعة الفوضى، لولا تلاحم الشعب المصرى مع جيشه واسترداد الوطن، وأبرزت ما تقوم به مصر وشعبها الآن، من تنمية شاملة ومشروعات ضخمة، وإعادة صياغة المنظومة التعليمية، وبناء الإنسان المصري، وقد حصلت على درع المؤتمر وتم تكريمى فى الجامعات الثلاث.  
 


*ما هو الهدف الاستراتيجى لمثل هذه المؤتمرات العالمية؟ 
ـ هذا النوع من المؤتمرات الدولية الجادة، يهدف-فى الأساس- إلى معرفة التجارب الثقافية والفكرية والعلمية المختلفة حول العالم، والتداخل معها، للإفادة منها فى تقدم الدولة المضيفة، التى تعطى الفرصة كاملة لاختلاف وجهات النظر الثقافية والدينية والفكرية، عبر ممارسة ديمقراطية مسئولة، تهدف فى الأساس إلى المصلحة العليا لإندونيسيا كدولة متطلعة نحو مستقبل متقدم، يقف جنبًا إلى جنب، مع النمور الأسيوية الكبرى فى 2030م، وهو ما يعنى أن المؤتمرات لا تقام للثرثرة، وحفلات الشاي، والتعارف الشخصى فحسب، لكنها تقام لمساندة مصلحة الدولة الأم، والمشاركة فى بناء المستقبل والتطور لشعبها، من خلال إقامة مجموعة من المؤتمرات التى تستهدف فى الأساس، استيعاب الخبرات المغايرة حول العالم، سياسيًّا وفكريًّا وثقافيًّا وعلميًّا وتعليميًّا، حتى نرتقى ببلادنا وشعوبها. ونتبادل الخبرات معها، تأثيرًا وتأثرًا.
 
*وما الاستفادة التى يمكن أن تعود علينا فى مصر من المشاركة فى هذه المؤتمرات؟ 
ـ الجميل فى هذه التجربة هو المشاهدة والاحتكاك المباشر مع مدارس فكرية وأكاديمية وتعليمية وعلمية وحياتية مغايرة، نعرف من خلالها ما لنا وما علينا، ما قمنا به، وما يجب علينا أن نفعله فى الفترة القادمة، لبناء وطن بحجم مصر، التى يقدرها العالم ويحترم تاريخها، لاسيما فى هذه الدول الأسيوية الشقيقة، التى أثرت فيها الثقافة المصرية، ولاسيما مؤسسة الأزهر الشريف، التى لها اليد الطولى فى التأثير، عبر استيعابه للمئات من طلاب هذه البلاد، فضلًا عن التبادل التعليمى والعلمي، عبر الزيارات العلمية للأساتذة المصريين، كأساتذة زائرين، ينشرون الثقافة العربية، من خلال لغة قوية وتنوع ثقافي، يجسد القوى الناعمة الحقيقية لمصر. 
 


*ما هى ميزات التجارب الآسيوية التى يمكن الإفادة منها هنا فى مصر؟ 
ـ أعتقد أن التجربة الآسيوية، لاسيما الإندونيسية، بها العديد من المحطات التى ينبغى أن نفيد منها، أولًا الانتماء القوى للوطن، وبثه فى نفوس المواطن منذ الصغر، ثانيًا الاحترام الشديد للعلم والعلماء، والتطوير المستمر للمنظومة العلمية والتعليمية التى تتطور من خلالها الدول، وربط منظومة التعليم باحتياجات سوق العمل، فضلًا عن العمل والإنتاج المستمر، فالجميع فى هذه الدول يعمل بشكل جاد، مهما كان التخصص كبيرًا أو صغيرًا، فالهدف كيان الوطن وصورته أمام الزائر، ولم أجد فلسفة الشكوى، التى يرتكن إليها كثير من الناس، دون عمل حقيقي، وإنتاج مؤثر. 
وجدير بالذكر أنه فى إندونيسيا، حينما يأتى أستاذ من مصر أو من أى بلد آخر، يثقون فى علمه وقدرته على التواصل والتعاون الأكاديمى المثمر، ويفتحون له الأبواب فى الجامعات والمعاهد والمدارس الحكومية والخاصة لمحاضرة الطالبات والطلاب، وإقامة حوار فعال معهم، تتلاقح فيه الثقافات، ففى إحدى الزيارات لكلية العلوم الإنسانية بجامعة جادا مادا، أعرق جامعة حكومية إندونيسية، وبعد أن انتهيت من المحاضرة لقسم الدراسات الأمريكية، عن الأدب المقارن حول العالم، دعيت لزيارة بعض الجامعات والمدارس للقاء الطالبات والطلاب، وبعد هذا اللقاء، سألت مسئول التعليم فى هذا المكان، هل لديكم فصول للمتفوقين؟، فتعجب من السؤال، ورد قائلًا: كل الطلاب عندنا متميزون. فكل طالب لديه تميز فى شيء، نحاول أن ننميه. 
وفى زيارة أخرى لإحدى المدارس، التى تشمل المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، شاهدت المكتبة زجاجية، وموقعها بجانب منطقة ألعاب الأطفال، فسألت لماذا هذا الشكل للمكتبة، وهذا الموقع؟، فقيل لى حتى يرى الأطفال الكتاب وهم يلعبون، فيتشجعون على القراءة منذ الصغر. ويراها باقى الطلاب من كل الأدوار، فيقدمون على القراءة. 
وهناك مشهد آخر أعجبنى فى مطار جاكارتا، وأنا فى طريقى للعودة إلى مصر الحبيبة، حيث جلست فى هذا المطار أربع ساعات لانتظار الطائرة التى ستقلنى إلى أبى ظبي، ومنها إلى القاهرة، فشاهدت النظافة الدقيقة فى كل مكان، ورأيت عمال النظافة ساعة تسليم الوردية، يتسلم من عليه الدور، ويلتقط له زميله صورة بالموبايل، ويرسلها عبر الواتس آب إلى المدير، حتى يوثق لحظة تسليم العمل وتسلمه، هكذا يكون الانضباط والمسئولية، فالجميع داخل المنظومة. 
 


*ألا يحب الإندونيسيون زيارة مصر؟
ـ هناك آلاف من الإندونيسيين يزورون الأراضى المقدسة (المملكة العربية السعودية) سنويًّا، وهم يحبون أن يزوروا مصر أيضا، بدلًا من أى بلد آخر، وهم فى طريق عودتهم لبلادهم، وقد تناقشت مع الملحق الثقافى والتعليمى لإندونيسيا فى القاهرة، فى هذا الشأن، وقال لى لماذا لا نقيم لهم فى مصر ما يعرف بالسياحة الأثرية؟، فهم شغوفون بزيارة الآثار الإسلامية فى مصر، ومن ثم نفيد السياحة المصرية، ونفيد الدخل القومى المصري، بشرط أن نهتم بهذه الأماكن، ونظافة محيطها، ودورات مياهها، ونرفع من كفاءة الوعى السياحى لدى من يقومون عليها من العمال الذين يتعاملون مع السائح بشكل مباشر، وهو ما يُحبب السائح الإندونيسى وغيره فى المكان، فيعاود الزيارة، أو ينشر مدى الترحيب الذى لقاه فى المكان، فيأتى آخرون. 
 
*ما رؤيتكم لمستقبل العلاقات المصرية الإندونيسية الآسيوية؟ 
ـ أرى أنه من المهم زيادة تدعيم التواصل مع هذه الدول الأسيوية، لا سيما إندونيسيا، وتطوير آليات الشراكة معها، وتبادل الخبرات، فهى دول تمتلك الكثير من العلم والتصنيع والتكنولوجيا، وقبل كل هذا فهى دول تكن كل التقدير والاحترام لمصر وشعبها. 
 


*لقد كنت وكيلًا لوزارة الثقافة المصرية لمدة عامين كاملين، ومسئولًا عن قطاع النشر فى الهيئة المصرية العامة للكتاب، فما الدور الذى يمكن أن تلعبه وزارة الثقافة فى دعم العلاقات المصرية الإندونيسية فى الفترة المقبلة؟ 
ـ بالتأكيد، وبدون أدنى شك، تستطيع وزارة الثقافة المصرية، بما لديها من مؤسسات متنوعة، وخبرات متعددة، أن تقيم العديد من أوجه التعاون مع الجانب الإندونيسى الشقيق، وتستثمر قدم العلاقات بين الشعبين؛ فمصر هى من أولى الدول التى اعترفت باستقلال إندونيسيا منذ الخمسينيات، وكانت العلاقة قوية بين الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والرئيس الإندونيسى سوهارتو، لذا فالطريق ممهدة لزيادة حجم الفعاليات الثقافية والسياحية بين الجانبين، والإفادة من الخبرات لدى البلدين الشقيقين، فإندونيسيا دولة كبيرة، 250 مليون نسمة، لديها تنوع ثقافى كبير مثل مصر؛ يتمثل فى تعدد اللغات واللهجات والديانات والفنون، ونهضة تعليمية ملفتة، ومجالات سياحية متنوعة، وهو ما يدعونا إلى تنشيط الحراك الثقافى مع هذه الدولة الشقيقة، ونستثمره على صعيد السياحة والصناعة والتعليم، ومن ثم الدخل القومى المصري.
فضلًا عن ذلك، فالتواجد المصرى مرحب به جدًا فى إندونيسيا، وهو ما يدعو إلى إقامة فعاليات ثقافية متبادلة وبشكل مكثف، وإقامة معرض للكتاب فى إندونيسيا، وتأسيس فرع للهيئة المصرية العامة للكتاب فى جاكارتا، يخدم العدد الكبير من الطلاب الإندونيسيين الذين يدرسون الثقافة العربية فى المدارس والجامعات، ويوفر لهم إصدارات وزارة الثقافة المصرية، وإصدارات دور النشر الخاصة.
 
*من زياراتكم المتتالية لإندونيسيا، ما هى طبيعة هذا الشعب الشقيق؟
تتسم إندونيسيا بشعب مضياف كريم منظم، مبتسم دائمًا، لاسيما للأجانب، فحينما يتم دعوتك للبيت الإندونيسى تقوم الأسرة بالترحيب الشديد بك، مثل استقبال الضيف فى ريفنا المصري، الجميع مستعد للمساعدة والعطاء، وجميل أن تنتهى من الزيارة لمنزل أحد الأصدقاء الإندونيسيين، وحينما تعود إلى الفندق للراحة، تفاجأ بهدايا الأصدقاء التذكارية فى حجرتك، دون ضجيج، وعليها كارت هذا الصديق أو ذاك، يرحب بك فى بلده المضياف. وفى اليوم التالى يفاجئك آخر بعد الانتهاء من العمل، بأنك معزوم على عشاء جماعى تحية لهذا الضيف المصري، والجميع يتسابق لكرمك، والاهتمام بك، والحوار معك. 
ومن اللافت للنظر فى الشارع الإندونيسي، أن معظم الشعب يقود الموتوسيكل، لاسيما فى أوقات الذروة، والجميع يلتزم بإشارات المرور، دون تجاوز. ومن اللافت أيضًا فى الشارع الإندونيسي، أن الدولة تصرح للباعة الجائلين، بتأجير رصيف الشارع من الساعة الخامسة مساء، حتى الحادية عشرة مساء، لاسيما باعة الأطعمة، بشرط أن يتركوا أماكنهم غاية فى النظافة، وهو ما يحدث بالفعل.
 
 

(3 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع