حياة

إنه فى يوم

 كانت الساعة السادسة من صباح اليوم الأول من أكتوبر عندما استيقظت على رائحة قهوة نفاذة تنبعث من فنجان وضعته زوجتى على طاولة بجوار سريرى فسألتها: ما هذا ومنذ متى كنت أستيقظ وأشرب القهوة فى هذا الوقت المبكر من الصباح، ابتسمت وقالت: يبدو أن ذاكرتك أصابها الوهن ونسيت أن اليوم عيدها؟ 

قلت: كنت أتوقع أن توقظينى على طبق عاشوراء قمح ولبن وسكر بدلا من هذا الفنجان الأسود.. فاليوم أيضا هو يوم عاشوراء. 
ردت زوجتى وبحسم: بصراحة لم أعد ارغب فى عمل طبق عاشوراء وأشعر بتأنيب ضمير وحزن عميق ونحن نأكل هذا الطبق فى ذكرى غدر بالإمام الشهيد الحسين.. منتهى التناقض والغرابة، وأما القهوة فهى حليب المفكرين ورحلة من تطرف رجال الدين وجنون بعض من السلاطين.
 



فنظرت إليها ووافقتها على أنه لا يمكن طبعا ألا نشارك ونحتفل مع كل بلاد الدنيا باليوم العالمى للقهوة، وأما احتفالى بعاشوراء فقررت أن يكون بينى وبين نفسى، بأن أذهب خلسة إلى أقرب محل ألبان بجوار مسجد الإمام الحسين أصلى ركعتين فى المسجد وأدعو الله أن يرحم موتانا وإمام الشهداء وكل آل البيت ثم أواصل عادتى التى أحبها وأواظب عليها فى يوم ذكراها من كل عام وهى التهام طبق عاشوراء. 
 
وأعود إلى القهوة ويومها العالمى والذى تصادف أن يتوافق موعده هذا العام الأول من أكتوبر 2017 بموعد الاحتفال بذكرى عاشوراء الموافق10 من المحرم 1439 هـ.. ولأن بين تاريخ القهوة وشهر محرم رابطا وهو التحريم، فالإشارة ضرورة إلى أن الخمرة كان هو الاسم القديم للقهوة، ويقال إنها سميت بذلك لكونها تقهى شاربها عن الطعام أى تشبعه وتذهب بشهيته عن تناول الطعام، إنما وبحسب كتاب "هذه الأمريكا" للكاتب الأمريكى جوناثان كورييل والذى يرصد فيه تتبع نشاط القهوة وتاريخها وكيف غزت العالم ستكتشف أنها كانت محرمة على المسيحيين والمسلمين، فلم يبارك بابا الفاتيكان للمسيحيين بشربها إلا فى أوائل القرن السابع عشر متجاهلاً رغم احتجاجات القساوسة الذين قالوا إن هذا الشراب المليء بالكافيين إنما هو منتج لـ"شياطين الإسلام"، وبالنسبة للمسلمين كانت مكة هى المكان الأول في العالم الذي تم فيه تحريم المقاهي وتناول القهوة بفتوى دينية عام، 1511 وبينما اعتمد الصوفيون القهوة كمنشط طبيعي، رأي بعض القادة المسلمين إن الإقبال عليها منافٍ للإسلام لأن القهوة تؤثر على الوعي البشري، وأن المقاهي تبعد الناس عن المساجد، وتقترب بهم من مجالات اجتماعية تحض على الرذيلة.
 



لكن هناك من يعتقد أن لفظ القهوة مأخوذ من قرية فى الحبشة تسمى "كافا" كانت تنمو فيها أشجار البن التى نقلها بعض الرحالة من اليمن إليها، ومن "كافا" أستوحى الفرنسيون لفظ " caffe" لقبا لها فيما أطلق عليها الإنجليز لقب " coffe" وبالمناسبة وبعد أن كان الأوربيون يخافون منها ويعتقدون أنها سامة، فشلت حكومة إنجلترا بمنعها ومقاومتها بشرب الشاى وتجرأ الشعب الإنجليزى وكان أول شعب شربها فى أوروبا وفتح أماكن لشربها فى أوروبا عام 1552ومن الطرائف التى تروى عن حروب الدول الأوربية ضد القهوة ومحاولة منعها يحكى أن ملك السويد "غوستاف أدولف" لم يصدق رأى الأطباء الذى قال إنها سامة، ففكر أن يضع اثنين من المعتقلين محكوم عليهما بالإعدام تحت تجربة لإثبات صحة أو خطا ما يعتقده الأطباء، فوضع كل منهما فى غرفة منفصلة عن الآخر وأمر بأن يشرب أحدهما شاى والآخر قهوة بإفراط ويراقبهما الأطباء، وظل السجينان اللذان كانا فى عمر الشباب تحت مراقبة طبيبان يشربان الشاى والقهوة حتى مات الطبيبان وعاشا الشابان، فكان لهذه التجربة أثر كبير جعل السويديون يقبلون على شرابها ويعتقدون أنها تطيل العمر.
 


ومن خلال المغامر جون سميث الإنجليزي الذى كان عميلا سياسياً "بحسب كتاب كوربيل" ويقاتل ضد العثمانيين في المجر، ثم وقعت كتيبته العسكرية تحت سيطرة الجنود العثمانيين الذين قطعوا رؤوس معظم جنود الكتيبة، وجرحوا الباقين، وحين جاء عدد من اللصوص لسرقة المكان، وجدوا سميث الجريح وسط كومة من الجثث، فقاموا ببيعه كعبد إلى باشا تركي، وخلال فترة حبسه، لاحظ سميث الإقبال على ارتشاف شراب يسمى "كوفا"، وبعد أن تمكن من الهرب والعودة إلى إنجلترا، كتب عن الأتراك "إن أفضل مشروباتهم هي الكوفا المصنوعة من حبوب يسمونها كوافا"، ومن خلاله انتقلت القهوة إلى أميركا شراباً كهذا، وصارت سلعة غالية الثمن.
 


ومع حلول العقد الثالث من القرن 17، صارت القهوة تباع في الحانات والفنادق وأصدرت بوسطن رخصة المقهى الأول العام 1670، وفي نيويورك افتتح المقهى الأول العام 1696.
ومع نهاية القرن حلت القهوة مكان البيرة كشراب للإفطار، وبعد ذلك بقرن واحد كانت أميركا قد صارت أمة يقبل جميع أهلها على شرب القهوة.
 
 وفى أوائل القرن السادس عشر عرفت مصر القهوة ويقال إنها كانت مع دخول الاحتلال العثمانى، ومعروف أن تركيا لم تعرفها وتشربها إلا بعد أن قام السلطان سليمان العثمانى بالتشجيع لانتشارها اعتقادا منه أنها تسهل خاصية النوم، ومن شدة اقتناعه بذلك أصدر قانونا أن امتناع الزوج عن تقديم القهوة لزوجته سببا كافيا لطلاقها منه ومثلما كان للقهوة أعداء فقد أصبح لها مغرمين الغالبية منهم كانت من العلماء والمفكرين، فأطلقوا عليها "مدرسة العلماء وحليب المفكرين" فمازال غرام الروائى الفرنسى الشهير بلزاك للقهوة يضرب به المثل، وكذلك كان فولتير، وعظيم الموسيقى بيتهوفن.
 
على أي حال، فكل الأوراق التاريخية تثبت وتؤكد أن أصل القهوة يعود إلى شبه الجزيرة العربية في القرن 15 الميلادي، حيث وجدت طريقها من هناك إلى أوروبا بعد مائتي سنة.
 

(72 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع