حياة

أساطير "رع" وآلهة هليوبوليس

الإله رع "هو الاسم الذى أطلقه المصريون خلال عصر الأسرات على إلههم الشمسى الذى اعتقدوا أنه صانع كل ما نشأ حولنا فى العالم المرئي.. وخالق السماء وآلهتها والتوات ـ أو العالم السفلى ـ والكائنات التى تعيش فيه، هذا الاسم غير معروف أصلاً منشأه وإن كان يبدو أن كلمة "رع" كانت تعنى لديهم ـ خلال فترة من فترات تاريخهم ـ ..(القدرة المبدعة).
 
الإله "رع " كان أكبر الآلهة لدى المصريين، وسبقت صفاته والأساطير التى حيكت حوله تلك التى لحورس، بحيث اعتبروه (والد الآلهة) الإله، "رع" كان يمثل دائما ًبجسد رجل ورأس صقر ولكنه فى بعض الأحيان كان يمثل فى صورة صقر يضع على رأس رمز بمعنى قرص الشمس المحاط بالثعبان "خون" وكان مقر إله الشمس مدينة هليوبوليس وهى تقع فى شمال شرق القاهرة الحالية".
 
وكان يعبد هناك "كرع وآتوم" وكان "رع آتوم" طبقاً للأساطير خالق نفسه بنفسه وهو الذى خلق أولاً الآلهة بأن بصق من فمه الإله شو والإله تفنوت وهما تجسيداً للهواء والرطوبة على التوالى ثم رزق هذا الإله بطفلين هما "جب" إله الأرض "ونوت" إله السماء وحين تعانق الاثنان فصلهما "شو" ورفع "نوت" عالياً تاركاً "جب" مستلقيا إلى أسفل وهكذا استقرت السماء والأرض كل فى مكانها ثم رزقت "نوت" من "جب" بأربعة هم (أوزوريس، إيزيس، ست، ونفتيس) ويكون هؤلاء الآلهة التسعة التاسوع الأكبر لمدينة هليوبوليس.
 
وكان إله الشمس يبحر كل اليوم فى قاربه عبر السماء من الشرق إلى الغرب وكان الآلهة هم بحارته الذين يقومون على خدمته، وكان هو طفلاً صغيراً حديث الولادة عند الفجر ولكنه كان يسارع فى النمو كلما تقدمت الساعات حتى لتراه فى وسط النهار رجلاً مكتمل القوة ثم يبدأ يتقدم فى السن بعد الظهر حتى تأتى ساعة الغروب فيتحول إلى شيخ أحنى الضعف ظهره.
 
وكان يسعد المصرى أن يشهد الشمس، ساعة شروقها وكانت قصارى آماله أن يحيا بعد الموت، وعلى ذلك فإن الشخص كان يأمل سواء أكان رجلاً أم امرأة أن يحمل فى قارب الشمس وأن يبحر عبر السماء فى حضرة رع ذى البهاء".
 
" تنقسم أساطير "رع" إجمالاً إلى نوعين من الأساطير، الأول يتحدث عن رع وهو فى عز قوته عندما كان شاباً، وهى الأساطير الدورية له، لأنها تتحدث عن الدورة اليومية لرع ومقاتلته للثعبان أبيب، والدورة السماوية لرع فى زورقه السماوي، والدورة السفلى لرع وهو يجتاز البوابات الاثنى عشر للدوات، وتمثل هذه الأساطير العصر الذهبى لرع والعالم.


الإله حورس معبد ادفو

أما النوع الثانى من أساطير رع فتتحدث عن رع وهو فى شيخوخته وضعفه عندما يتمرد عليه البشر وكيف تنقذه الآلهة (حتحور، نوت، حورس، خنوم، ... الخ) وتمثل هذه الأساطير نهاية العصر الذهبى لرع ".
 
‌أ. أساطير الشباب (رع القوي) الأساطير الدورية لرع:
1. أسطورة الدورة الأبدية (زورق السماء): تحكى هذه الأسطورة الرحلة الأبدية للشمس وهى تشرق وتغيب، يتحول الإله "رع" فى السماء على ظهر الآلهة السماوية التى كان  تسمى حسب العصور (نوت، حتحور، إيزيس)، ربما على هيئة بقرة أو امرأة منحنية
" وكان الإله رع يركب قارباً لأن فى السماء نيلاً سماوياً، وكان هناك قاربان: الأول للرحلة  النهارية على النيل السماوي، والثانى للرحلة الليلية على النيل السفلي.
 
وفى السماء يصادف الإله رع الحقول السماوية ويصادف الثعابين السماوية وعندما يصل للغروب يتم الانتقال إلى الزورق السفلى حيث يهلل الموتى ويرفعون له التماساتهم، ويمسكون حبل قارب رع فى أفق مانوا ليبدأ رحلته إلى العالم الآخر (دوات) فى الليل السفلي، ويبدو أن الفكر لم يكن بعد قد وصل إلى ابتكار بوابات الدورات الاثنى عشر فى هذه الأسطورة ".
2. أسطورة الدورة النهارية (الهزيمة اليومية للثعبان أبيب) أو (كتاب الموتى):
" كان المصريون يتصورون أن مسرى رع فى قبة السماء، كان عبارة عن مجموعة انتصارات متتالية له على ثعبان كونى ضخم اسمه (أبيب) والذى سموه اليونان (أبو فيس)، وقد ترك لنا كهنة هليوبوليس (أون) هذه الأسطورة على شكل كتاب يمكن أن تسميه (كتاب الموتى) تلخيصه كما يلي:
القسم الأول: التعاويذ:
ويشتمل على ثلاث تعاويذ الأولى للبصق على أبيب، والثانية لسحق أبيب بالقدم اليسرى، والثالثة للاستيلاء على الحربة لضرب أبيب.
القسم الثاني: الأسفار:
ويشتمل على سفرين مكرسين للإجهاز على أبيب بعد أن هيأت التعاويذ ذلك سحرياً الأول يقوم بقتل أبيب وتقطيع جسه وفصل (با) له عن ظله وفناء اسمه وتدمير مملكته السحرية والثانى يقول مقتل جماعته (أبناء الضعف).


الاله حاتحور

القسم الثالث: (الخطاب والأوامر):
ويشتمل على الخطاب الموجه للإله رع يصف فيه عمله كإله خالق، والأوامر الموجهة لأبيب حيث يتولى سحر الكلمات احتواء أبيب والمتضررين وهى خاتمة طقسية بوجه عام.
 
3.أسطورة الدورة الليلية: (رع فى عالم الدوات)
تصف هذه الأسطورة هبوط الإله رع إلى العالم السفلى مساء كل يوم وخروجه منه صباح اليوم التالي.. وهى (أسطورة هبوط آلية سيصادف فيها الإله رع اثنتا عشرة مملكة من ممالك عالم الدوات (عالم الآخرة أى العالم السفلي).
 
ب. أساطير الشيخوخة (رع الضعيف) أساطير نهاية العصر الذهبي:
لا يعنى ظهور أساطير الشيخوخة لرع أن أساطير الشباب التى تعبر عنه التاسوع الدروع لرع، قد انتهت، ولكن مؤثراً جديداً طرأ على حياة رع عندما أصبح شيخاً، وأصبحت قواه واهنة، وبدأت مؤثرات نهاية العصر الذهبى (حيث الآلهة والبشر فى وئام) قد أزفت.
وهكذا يطمع الناس وأبناء الضعف بل وحتى الآلهة (مثل إيزيس) بالإله رع ويحاولون النيل منه أو سرقة قوته الدفينة.
 
النصوص المصرية التى كتبت بهدف سحرى حفظت لنا الكثير من الأساطير الهامة والمثيرة عن (رع) من بينها يمكن أن نقتبس القصة المكتوبة عنه وعن الربة إيزيس.


إيزيس حانية على جسد أوزير

تبدأ القصة:
"الآن كانت الآلهة إيزيس امرأة تمتلك القدرة.. قلبها كان متمرداً على ملايين الرجال اختارت هى ملايين الآلهة ولكنها سمت عالياً بملايين الأرواح، عندما تأملت فى قلبها قالت (ألا أستطيع بواسطة الاسم المقدس لله أن أجعل من نفسى سيدة الأرض وأصبح ربه على نفسى على نفس درجة وقدرة رع فى السماء وفوق الأرض؟ ثم هى ظلت تراقب دخول رع على رأس بحارته كل يوم عندما يستقر بنفسه على عرض الأفقين) ".
 
"انظر ظهر رع كل يوم فى مقدمة ملاحية استوى فوق العرش الخاص بالأفقين أصبح شيخ الواحد القدس، سال لعابة فى فمه أفرز هو ريالته فوق الأرض ولعابه سقط فوق الأرض عجنته إيزيس فى يدها مع أرض التى كان فوقها وشكلته على هيئة ثعبان مقدس وصنعت منه فى الشكل سهم لم تزحزحه عن مكانه. بقى حى أمامها وهى تركته راقد على المسار الذى يسافر الإله العظيم عليه طبقاً لرغبته خلال أرضة المزدوجة. الإله القدسى انتفع أمام الآلهة فى البيت الكبير المزدوج، حياة، قوة، صحة، تتبعه وهو قد سار كما يفعل كل يوم عندما فقد الثعبان المقدس النار الخاصة بالحياة كانت تخرج من نفسه هى تدمر الساكن فى سيدار أعلاه.
 



الإله خنوم معبد إسنا
 
وهناك أسطورة أخرى عن رع لها أهمية ذات وزن خاص، تلك التى وصف فناء الجنس البشرى وتقص كيف أن البشر أزداروا إله الشمس العظيم لأنه شاخ".
وعلى أساس تلك التصورات أنتج خيال الكهنة كتاب "الذين فى العالم السفلى أو ما فى العالم السفلي" وهذا الكتاب يصف لنا السياحة التى تقوم بها الشمس السفلية خلال الليل حينما تخترق الممرات ذات الكهوف الاثنى عشر التى فى أسفل الأرض وكل منها تمثل مسيرة ساعة. والاثنى عشر كهفاً تنتهى الشمس منها فى آخر مطافها إلى النقطة التى تطلع منها إلى الشرق صباحاً، أما الكتاب الثانى فيسمى عادة باسم "كتاب البوابات" وهو يمثل كلاً من الاثنى عشر كهفاً على حسب الدخول إلى كل كهف من بوابته وهو خاص باجتياز تلك البوابات ومع أن تلك التصانيف لم تنتشر الانتشار الذى حظى به كتاب الموتى فإنها كانت تعد ـ مع ذلك كتب إرشاد سحرية ألفها الكهنة أيضاً للكسب منها، مثل معظم الفصول التى يتألف منها كتاب الموتى ".

الإله آمون

"اتبع المصرى منذ بدء الأسرة الأولى حوالى 3300 ق. م طريقة منتظمة للكتابة ظلت تستعمل مدى 350 سنة وهى الكتابة الهيروغليفية التى تغطى جدران المعابد والمقابر فى مصر وآلاف القطع المحفوظة اليوم فى المتاحف وهذه الكتابة هى المعروفة بكتابة الصور والواقع أن كل علامة استخدمت كانت صورة لمخلوق ما أو شيء ما.. لكن مثل هذا الاصطلاح قد يؤدى إلى التضليل لأنه يفهم منه أن المصريين لم يكتبوا كلمات بل عبروا عن أفكارهم بالرسم والتراث الذى يتصل بمختلف الآلهة وتاريخهم، فقد احتفظ به فى الأدب الدينى الذى جمعه الكهنة.. ويكاد كل (قول) من متون الأهرام القديمة وكل فصل من كتاب الموتى يحمل إشارة أسطورية لا تكاد اليوم تفقه لها معنى. فمن ناحية لم يكن علينا ألا نفترض أن هذا الأدب الدينى الرسمى كان يقرؤه عامة الشعب، ومن ناحية لم يكن يعرف القراءة والكتابة سوى القليلين وحتى هذه القلة لم يكن ليسمع لها غالباً بمطالعة كتب المعابد التى كانت قراءتها مقصورة على الكهنة وحدهم. أما المتون الجنائزية التى تغطى جدران المقابر والتى كتبت على البردى والأدوات الجنائزية فكان ينسخها كتاب معينون" .


الإله نوت

ويقول " اريك هورنونج" "اعتبرت الكتب الدينية سلسلة متصلة لعقائد دينية موغلة فى القدم، حيث لم تكن مؤرخه بعصور مصر التاريخية، لكنها كانت أسبق من ذلك بكثير، لذلك جاءت بها عقائد خاصة بتلك الفترات القديمة، والكتب الدينية هى تطور لمتون الأهرام ونصوص التوابيت حتى انتهت بما يطلق عليه كتاب الموتى، فقد اعتبرت تلك العقائد واحدة فيما خلا بعض الاختلافات البسيطة وقد جرت العادة منذ بداية الدولة الحديثة أن تسجل المناظر والطقوس والنصوص الدينية على جدران مقابر الملوك والملكات فى طيبة، كما سجلت أيضاً على لفائف البردى لتوضع بجانب المتوفى، أو توضع بين طيات أربطة المومياء، وهو ما أطلق عليه الكتب الدينية أو كتب العالم الآخر".

 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع