جرافيتى

ممر الموت الذي تحول إلى رمز الحرية..

جرافيتي على جدار برلين

.
 
.
.
 
.

يوافق اليوم الثالث من أكتوبر التاريخ الرسمي لوحدة المانيا عام 1990 التي رسمت وجهًا جديدًا لتاريخ القارة الأوروبية والعالم، غير أن التاريخ الحقيقي لهذه الوحدة وقع قبل ذلك بعدة أشهر وبالتحديد في التاسع من نوفمبر 1989 يوم انهيار جدار برلين. 
 
  
وفي حين يعج الحدث التاريخي بالكثير من الدلائل إلا أن الجداريات التي تركها الفنانون على جانبي حائط برلين كانت وستظل العلامة الأبرز، فرسوم الجرافيتي، سواء تلك التي رسمها الفنانون في الجانب الغربي من الجدار قبل انهياره أو تلك التي هب سكان المانيا الشرقية المحرومون من التعبير لحفرها على الجدار بعد انهيار أجزاء منه، حولت جدار برلين بلا جدال إلى أكبر رمز عالمي للحرية في التاريخ 
 
البداية: 
 
 
ففي منتصف ليل الثالث عشر من أغسطس 1961 فوجئ سكان الجانب الشرقي من مدينة برلين بأعمال لم تكن لتدور بخيال أحدهم، إذ نزلت قوات الشرطة التابعة للجزء الشيوعي من المانيا بأعداد ضخمة لتشييد الحدود التي فصلت لثلاثين عقدًا لاحقة بين الجانب الشرقي والغربي من المدينة، والبلاد. 
 
 
فتم تدمير الشوارع المؤدية إلى الجانب الغربي لتحل محلها الحواجز التي تمنع المركبات والبشر من المرور. وحل محل الهواء الطلق أسلاك شائكة على عشرات الأميال مدعومة بأسوار ضخمة، فاستيقظ السكان صباح اليوم التالي على هول المفاجأة، فالموظفين اكتشفوا انه محظور عليهم الوصول إلى أعمالهم في الجانب الغربي، واكتشفت مئات الأسر أن جيرانهم وأقاربهم صاروا ينتمون لجنسية أخرى وعالم آخر. وتم هدم مئات البيوت وإجبار سكانها على العيش في مكان آخر ولم يعد مسموحًا للأسر على جانبي الحدود بالانتقال الى الغرب والعكس صحيح، ليتحول الفصل الأيدولوجي القائم بين سكان الغرب والشرق إلى واقع ملموس يمثله الجدار الذى أطلقت عليه السلطات في الجانب الشرقي "جدار الحماية من الفاشية" أي ذلك المانع الذي يحمي سكان الشرق الألماني من شرور الغرب بحسبة 90 ميلًا بالتمام والكمال. 
 
 
ولم تكتف السلطات في المانيا الشرقية بجدار واحد، وإنما إمعانًا في المنع والتقييد والتأمين تم تشييد جدار آخر موازي له وأطلقت السلطات على المنطقة ما بين الجدارين "ممر الموت". وفي العام 1975 تم تشييد جدار مسلح بارتفاع 12 قدم وسمك 4 أقدام وشيدت العشرات من أبراج المراقبة فوق الجدار لرصد أي محاولة للتسلل إلى الجانب الآخر. 
 
 
لكن على الجانب الغربي من الجدار كانت الحياة أكثر انفتاحًا ويسرًا إذ لم يكن الوصول إلى الجدار محظورًا بل متاحًا للجميع، وهو ما دفع العشرات من الفنانين لاعتبار البياض الذي يشغله جدار الفصل القهري أشبه بلوحة ضخمة للتعبير عن وضع حد لكبت الحريات، وحظر الحركة والتنفس، ليتحول الجانب الغربي من الجدار إلى لوحة مليئة بالألوان والرسوم والعبارات الداعية للحرية والمنددة بالعزلة، فيما مثل منظر الجدار على الجانب الشرقي الذي لم يمسسه بشر رمزًا للخوف والسيطرة الحديدية، فكأنه جدار تعبيري يرمز لاختلاف السلطتين. 
 
انهيار الجدار: 
 
 
في سبتمبر 1989 بدأت الإحتجاجات في الجانب الشرقي من المانيا وانقسم السكان حول الطريقة المثلي للوصول إلى غايتهم في الحرية والرخاء الإقتصادي، وفكر بعضهم في أن النزوح إلى الجهة الغربية هو الحل،  وبعد أيام عاصفة من الإحتجاجات عبر البلاد عرفت باسم "تظاهرات الإثنين"  وبالتحديد في أكتوبر قدم إريش هونيكر رئيس المانيا الشرقية وسكرتير عام الحزب الشيوعي استقالته من منصبه، تاركًا البلاد لمزيد من عدم الاستقرار وهو ما أرعب حكومة البلاد خاصة بعد أن عمت الإحتجاجات أنحاء البلاد، وشارك فيها الملايين بحلول الرابع من نوفمبر 1989. 
 
 
ولم تمر أيام، إلا وقد أعلن السياسي الألماني غونتر شابوفسكي السياسي بحزب الوحدة الإشتراكي الألماني  في التاسع من نوفمبر في مؤتمر صحفي أنه صار مسموحًا لسكان المانيا الشرقية السفر عبر الحدود الى المانيا الغربية، لتشهد الأيام التالية على الإعلان زحف الملايين من الألمان نحو الجهة الغربية بدون حتى أن يعلم الحرس المدججين بالسلاح في أبراج المراقبة كيفية التصرف في ضغط الحشود، ولم يكن بيدهم منع جحافل المغادرين بدون تصاريح  إلى الجانب الغربي، وهو ما أدى تدريجيًا لإنهيار أجزاء من الجدار ممهدًا الطريق نحو إعلان الوحدة في الثالث من أكتوبر 1990. 
 
كعبة الجرافيتي في العالم: 
 
 
أطلقت الناقدة الفنية إيميلي ترايس على برلين تعبير "كعبة الجرافيتي في العالم" ولعل الإسم لم يأت من فراغ، والفضل في ذلك بلا شك يرجع لجدار برلين، وبالتحديد إلى الجانب الغربي من الجدار، لكن الحال لم يكن كذلك في أوائل الستينيات، أي بعد تشييد الجدار الفاصل مباشرة، فعلى الجانبي الشرقي كان الإقتراب من الجدار أمرًا محرمًا يلقي بصاحبه إلى التهلكة، أما على الجانب الغربي فقد كانت المنطقة الواقعة خلف الجدار في السنوات الأولى لا تزال تعاني من آثار الحرب العالمية الثانية لا يسكنها أهالي برلين وإنما مجموعة من المهاجرين الأتراك، والمعارضين للخدمة العسكرية، والفوضويين. واستغرق الأمر فترة من الوقت ليشعر هؤلاء برغبة عارمة في التعبير عن رأيهم على تلك المساحة الشاسعة من البياض. 
 
 
وبنهاية السبعينيات بدأت تظهر موجة جديدة من فناني الجرافيتي الذين قصدوا الجدار حاملين معهم أفكارًا وتقنيات طازجة وجديدة كأسلوب الرسم المكرر "الاستنسل" والرسم باستخدام بخاخات الطلاء. وظلت الرسوم تتطور على مدار السنوات ليصبح المشهد في أواخر الثمانينات وبالتحديد في أعقاب انهيار أجزاء كبيرة من الجدار، بياض في الشرق، وغابة من الألوان والأفكار والأحاسيس في الغرب. فكان الهدف الأول للفنانين بعد الوحدة تأكيد إنتصار إرادة الحرية على إرادة القمع والخوف وتحويل الأجزاء الباقية من الجدار في الجانب الشرقي إلى معرض مفتوح لرسوم الجرافيتي، وقد كان. 
 
معرض الجهة الشرقية 
 
 
يعتبر "معرض الجهة الشرقية" آخر بقايا جدار برلين،  التي بقيت في موقعها التاريخي حتى الآن أو بالقرب منه. ففي أعقاب إنهيار جدار برلين اجتمع 118 فنانًا من 21 دولة في مبادرة جمعت ما بين فنانين من الجانب الغربي والشرقي لرسم نحو 100 جدارية على مساحة بيضاء بطول  1.3 كيلومترًا كان محظورًا الاقتراب منها قبل أشهر قليلة. 
 
 
ورسمت جميع اللوحات على هذا الجانب عام 1990 وعبرت جميعها عما حدث قبيل وخلال وبعد انهيار الجدار. لتتحول تلك اللوحات لاحقًا إلى مزار سياحي عالمي. ولم تكن تلك هي الأجزاء الوحيدة التي قصدها فنانوا الجرافيتي من الجدار إلا أنها تبقى الأكثر شهرة. تم  افتتاح "معرض الجهة الشرقية" للجمهور في 28 سبتمبر 1990، واعتمد هذا الجزء من الجدار في نوفمبر 1991 كنصب تاريخي رسمياً. 
 
جرافيتي برلين.. في القضاء 
 
 
وعلى أهمية الأعمال الفنية على جدار برلين إلا أن السلطات لم تكن تتخذ منها موقف المحتفي بها على طول الخط، إذ عانى الفنانون في المانيا الموحدة في بعض الأحيان من تجريم أعمالهم على الجدران بدعوى أنها لا تمت للفن بصلة، أو أنها تشوه المنظر الجمالي. كما تعرض جدار برلين نفسه في المواقع التي كانت في أوائل التسعينيات تزخر بروح الأمل والمستقبل الواعد الحر، إلى عدة محاولات متعمدة وغير ذلك أدت إلى تدمير أجزاء منه، ففي يوليو 2006 قررت السلطات إزاحة المعرض قليلًا نحو الغرب بموازاة الموقع الأصلي للجدار، كما تقرر إزالة نحو 23 مترًا من الجدار عام 2013 لتحل محلها مجموعة من المباني الفارهة وهو ما قوبل باحتجاجات نتج عنها تأجيل عمليات الهدم لعدة أشهر، دون أن تلغيها تمامًا. كما تعرضت اللوحات على مساحة تشمل ثلثي الجدار للتدمير وهو ما دعى لمبادرة للترميم عام 2000، أعقبها مشروع آخر للترميم عام 2008 بدء تنفيذه في العام 2009. 
 
 
لكن تلك الأعمال التي كانت تقضي بإعادة رسم اللوحات الممحوة أو المدمرة قوبلت أيضًا باحتجاجات لبعض الفنانين الذين شاركوا في رسم تلك الجداريات أوائل التسعينيات، بدعوى مخالفة ذلك لحقوق الملكية الفكرية.  وتأسس ما يعرف بـ"مبادرة فناني معرض الجهة الشرقية" على يد ثمانية من الفنانين الذين خطت ريشاتهم وبخاخات الوانهم الخطوط الأولى في الجانب الشرقي عام 1990 بقيادة  "كاني ألافي" وانضم اليهم لاحقًا مجموعة من الفنانين الذين فوجئوا بأن رسومهم يتم نسخها دون الحصول على تصريح منهم. ولجأت المبادرة للقضاء عام 2011 بدعوى لمحكمة برلين حول ما إذا كان يحق نسخ أعمال فنية تعرضت للتدمير دون الرجوع للفنان. وسيمثل البت في تلك القضية التي لازالت متداولة في المحكمة علامة فاصلة في تاريخ قوانين الفن في أوروبا. 
 
برلين مدينة التصميم: 
 
 
يذكر أنه في العام 2005 حازت مدينة برلين على جائزة "مدينة التصميم" من قبل اليونسكو واعتبر الجرافيتي من بين أبرز الأسباب لحيازة اللقب، وخاصة ذلك الذي أسسه جدار برلين. وهو ما قلل من تردد السلطات حيال هذا الفن، بل ودعى الكثير من رجال الأعمال والمسؤولين المحليين لدفع أموال لفناني الجرافيتي لتصميم جداريات ضخمة أمام المباني والشركات وفي الشوارع، ليتحول الجرافيتي إلى مصدر دائم لجذب السائحين إلى برلين.



(35 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع