جرافيتى

جرافيتى السويس والمحلة الكبري

 
السويس شرارة الثورة

قبل أن نتحدث عن دور السويس في الثورة المصرية لا بد أن نتذكر دور عمال أسمنت السويس الذين كان لهم دور بارز في عمل وقفات احتجاجية وإضرابات متتالية قبل ثورة 25 يناير اعتراضا علي تصدير الأسمنت لإسرائيل لاستخدامه في بناء الجدار العازل في فلسطين.
بدأت مظاهرات ومسيرات جماهرية تطالب بالتغيير فيما أطلق عليه يوم غضب بمشاركة آلاف المصريين في القاهرة وعدد من المحافظات استجابة لدعوات نشطاء علي موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك سقط خلالها أربعة قتلي أحدهم من رجال الأمن في مصادمات بين المتظاهرين وقوات الأمن بعد تصاعد حدة الاحتجاجات التي عمت محافظات مصر.



هكذا علقت بعض مواقع النت علي أحداث اليوم الأول من الثورة المصرية ويتضح لنا الاقتضاب في الخبر وعدم التعامل معه علي أنه ثورة بكل ما تحمله الكلمة من معني ثورة شعبية في كل ربوع مصر.
 ومدينة السويس كانت شرارة هذه الثورة فمع تعود شعبها علي حرب الشوارع وما وصلت إليه السويس من إهمال وإفقار متعمد تلك القلعة الصناعية الكبرى والبلد التي تحوي أهم شريان مائي في الكرة الأرضية لم يحصل أهلها إلا علي أقل القليل وهكذا اندلعت الثورة في مدينة السويس ولم يكن من هو قادر علي إيقافها فوصل عدد شهداء الثورة في السويس إلي 25 حتي مع يوم اندلاع الثورة وبلغ عدد المصابين 1200 مصاب.



كانت الدعوة للمظاهرت عن طريق بعض الأحزاب إلا أن معظم المشاركين كان من الشباب غير المسيس بل وربات البيوت اللاتي يعانين من ارتفاع الأسعار وضيق ذات اليد وامتزجت بهتاف الشباب العاطل عن العمل امتدت المظاهرات في شارع الأربعين واندفع المتظاهرون في ميدان الإسعاف وسوق الأنصاري الذي يربط بين حي الأربعين وحي السويس ومن ثم التوجه إلي مسجد الغريب ومنه إلى مبنى المحافظة واستمرت المواجهات وانتقلت الجموع إلى ميدان الإسعاف بعد معركة شارع الشهداء وأغلقت قوات الأمن الميدان بالكامل وهنا أصيبت المدينة بالشلل التام وهكذا كانت السويس تمر بالثورة وكان شبابها هم وقودها المشتعل الذي تفاجأ به قوات الأمن وبعد مرور يومين وفي يوم 28 يناير كانت قد تحطمت 12 سيارة شرطة واحترقت جميع أقسام الشرطة وسيطر المقاومون الشباب علي مبنى المحافظة وبهذا كانت السويس سباقة في كل وقائع الثورة ومددها الذي لا يخمد. 
كان أول شاب سويسي يستشهد في ثورة يناير هو مصطفي محرم (21 عاما) الذي كان ذاهبا للعب البلياردو مع صديقه ياسر وبينما كانا يقتربان من مقر النادي استمع مصطفي لأصوات المتظاهرين وقال حينها مصطفي لصديقه ياسر مش هكمل وهنزل أتظاهر معاهم ونزل مصطفى متوجها من شارع الأربعين إلي ميدان الإسعاف.



كانت قوات تطلق الخرطوش والغاز المسيل للدموع ليتلقى مصطفي رصاصتين في صدره وقد ذهبت أسرته للمشرحة لاستلام جثته وحتى لا يتلاعب أحد بتقرير أسباب الوفاة.
مصطفي شاب مكافح فهو أخ لأربع بنات كان هو عائلهم الوحيد إلا أن دماء مصطفى كانت قد غيرت شكل مظاهرات السويس عن جميع محافظات مصر وحولت السويس لأيقونة الثورة المصرية.
وكان الجرافيتي حاضر حيث سجل المتظاهرون في ميدان الإسعاف كلمتهم المأثورة والتي أصبحت من حقائق ثورة يناير سجل يا تاريخ السويس شرارة الثورة.
وفي قسم الأربعين الذي كانت تجري فيه وقائع تعذيب رهيبة وعمليات تخويف للسيطرة على تمرد أهالي السويس قد تم تدميره وكانت هذه الصور محاولة لتخليد بطولات أهالي محافظة السويس الذين هاجموا بعض المحال التجارية لمن كانوا يمولون عمليات البلطجة ضد الثوار وضد شباب السويس.
ومع صورة محفورة  لكلمات أغنية يا بيوت السويس للمغني الرائع الراحل محمد حمام نتذكر كلماتها:
يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي
استشهد تحتك وتعيشي أنت



المحلة الكبري
خليك قاعد في البيت أو شاركنا في الميادين العامة أوعى تنزل لكن شاركنا ماتروحشي الشغل. ماتروحشي الجامعة. ماتروحشي المدرسة. ماتفتحشي المحل. عايزين مرتبات. تلك كانت الدعوة إلي إضراب والتي كان هدفها الأساسي محاربة الفساد والغلاء والتي دعا إليها شباب مصري مدونون وحركة كفاية وعمال شركة المحلة ومجموعة من المثقفين وكانت تستخدم أحدث وسائل التكنولوجيا من مواقع تواصل اجتماعي ومدونات ورسائل موبايل كان هذا الإضراب دعوة غريبة علي المجتمع المصري وبينما مر في  كل مكان في مصر بطريقة عادية وجدت صدى في المحلة حيث أضرب 30 ألف عامل وتحول الإضراب إلي أعمال شغب واشتباكات بين الشرطة والعمال المضربين بعد اعتداء الشرطة علي إحدى السيدات المشاركات في الإضراب وتم القبض علي إسراء عبد الفتاح صاحبة الصفحة الداعية للإضراب في الفيس بوك والأستاذ جورج إسحاق المنسق العام لحركة كفاية.



كانت المحلة هي أول مكان في مصر ينتج عنه اشتباكات بين العمال والشرطة وتطلق فيه القنابل المسيلة للدموع ويسقط فيه المتظاهرون بين جرحى وقتلى بل رفعت اللافتات وتم عمل الاعتصام في الخيام وكان أول مكان تنزل فيه صورة حسني مبارك ويتم إسقاطها وشارك الناس البسطاء في المحلة بدعم الاعتصام سواء بالطعام من ربات البيوت وحتى بالتبرع بالأغطية والبطاطين لقد كانت المحلة هي الصورة المصغرة للثورة الشعبية التي ستحدث في مصر كلها بعد ذلك ولأن إضراب 2008 هو استكمال لمسيرة عمال مصر في البحث عن العدالة الاجتماعية وتحديد حد أدنى وأعلى للأجور ففي عام 2006 أضرب 27 ألفا من عمال المحلة مطالبين بتطبيق قرار رئيس الوزراء بصرف مكافأة سنوية بمقدار شهرين سنويا ثم تطورت المطالب بعد ذلك تطالب تقرير حد أدنى وحد أقصى للأجور.



إن شهداء المحلة لم يسقطوا في ثورة يناير فقط بل منذ عام 2008 ونتذكر هنا قصة الشهيد أحمد على مبروك الفتى ذي الخمسة عشر عاما الذي كان يقف في شرفة منزله بينما تحركت الاشتباكات والكر والفر بين العمال والشرطة بالقرب من البيت الذي يسكن به حتى إصابته رصاصتان غادرتان أودت بحياته وظل ينزف إلي أن وصلوا به إلى المستشفى وتوفي هناك وعندما حاول والده دفنه مع والدته التي كانت تعمل بشركة النصر لصناعة النسيج لأن رئيس الوزراء في ذلك الوقت أحمد نظيف كان سيأتي في نفس اليوم للتفاوض مع العمال المضربين وكان الأمن لا يريد أن يتجمهر أناس في الجنازة وقت زيارة المسئول الكبير.



المحلة هي ركن زاوية في الثورة المصرية وأرجع الكاتب الصحفي روبريت فيسك نجاح الثورة في مصر وتونس لوجود حركة عمالية فاعلة في الدولتين وهو أساس الاختلاف الجذري بين هاتين الثورتين وثورات ليبيا واليمن وكان فن الجرافيتي في المحلة معبرا وبحق عن طبيعتها الخاصة سواء في ميدان طلعت حرب أو شارع الشون من مطالب بحد أقصى وأدنى للأجور والإفراج عن المعتقلين.




 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع