تقارير وأخبار

قصص قصيرة لا يعرفها قراء نجيب محفوظ

صاحب نوبل له بدايات سردية قصيرة لم تجد اهتماما تستحقه، لكن كتاب "قصص نجيب محفوظ التي لم تنشر" للباحث محمود علي يعيد اكتشاف جزء من مسيرة الأديب العالمي.
قصص قصيرة لا يعرفها قراء نجيب محفوظ اعتبرت الأدب حياة لا مهنة 
 بدايات محفوظ في القصة القصيرة مدفونة في بطون الدوريات القديمة.
 
حازم خالد
القصة القصيرة عند أديب نوبل نجيب محفوظ كانت من بدايات إنتاجه الأدبي، وهي بدايات لم تجد اهتماماً تستحقه، لم تُضم بين دفتي كتب سوى مجموعة "همس الجنون"، وكانت غالبيتها مطمورة في بطون الدوريات القديمة.
وكتاب "قصص نجيب محفوظ التي لم تنشر" للباحث محمود علي الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يعيد اكتشاف هذه المجموعة القصصية في مجلد واحد للمرة الأولى للقارئ والناقد؛ لتوضع هذه البدايات في إطار أرحب ضمن مسيرة كاتبنا.
يقول المؤلف: لا أعتقد أن أديبا كتب عنه أو معه عن أعماله كما في حالته، ومع ذلك تظل غالبية بداياته في القصة القصيرة سراً مغلقاً، لم ينشر منه سوى ثمانٍ وعشرين قصة قصيرة في مجموعة "همس الجنون" والتي نشرت كما سنعرف بعد قليل أنه وافق عليها بعد تردد.
ويقول نجيب محفوظ في حوار منشور له: "أتعلم ما الذي جعلني أستمر ولا أيأس، لقد اعتبرت الفن حياة لا مهنة، فحينما تعتبره مهنة لا تستطيع إلا أن تشغل بالك بانتظار الثمرة، أما أنا فقد حصرت اهتمامي بالإنتاج نفسه وليس بما وراء الإنتاج. كنت أكتب لا على أمل أن ألفت النظر إلى كتاباتي ذات يوم، بل كنت أكتب معتقداً أني سأظل على هذا الحال دائماً.. أتعرف عناد الثيران، إنه خير وصف للحالة النفسية التي كنت أعمل بتأثيرها".
 
نجيب محفوظ
 
هذا الفيض من الكتابات في نظر الناقد محمود أمين العالم "لا تزيد الغامض وضوحاً بل على العكس تزيد الواضح غموضاً، ذلك لأن كل قراءة جديدة حقاً بقدر ما تفك بعض مغاليق النص وتفض بعض مستويات الالتباس في شفراته تلفت الانتباه إلى مغاليق أخرى وتومئ إلى التباسات مختلفة فتدفع إلى كتابة جديدة وعلى هذا يظل معه نجيب محفوظ، رغم كثرة ما كتب عنه في حاجة إلى المزيد من الكشف".
وليس أدل على هذا من حديثه عن مجموعة "همس الجنون" التي جمعت بين دفتيها ثماني وعشرين قصة، وتمثل جزءاً من هذه المرحلة الأولى في إنتاجه القصصي. يقول: "سألني السحار لماذا لا تصدر مجموعة قصصية، قلت له: أي مجموعة الآن لقد فات أوانها أنا لم أكتب القصة القصيرة بهدف كتابتها، أنا كنت أكتب روايات ودرت بها على الناشرين الذين رفضوا نشرها ولأنني كنت أريد أن انشر فقد كتبت القصة القصيرة، هذا هو الدافع إلى كتابتها، ولاحظ شيئاً آخر هو أنني أخذت موضوعات بعض هذه القصص من روايات، بعض الناس قالوا إن قصصي القصيرة تحولت إلى روايات، لكن العكس هو الصحيح، السحار أصر على إصدار مجموعة قصصية، أعطيته عدداً هائلاً من المجلات لا أذكر عناوينها، ولكن عندما لاحظ أنني مستاء قال: إذن تكتب تاريخ كتابة القصص الحقيقي. متى طلب منك الزيات أن يصدر لك مجموعة قصصية ؟ قلت: عام 1938، وقال: إذن اعتبر هذه المجموعة أول كتبك. ستكتب عليها 1938 ولهذا قد لا يدري القارئ أن همس الجنون نُشرت لأول مرة بعد ظهور "زقاق المدق" وليس عام 1938 كما هو مكتوب في قائمة مؤلفاتي التي تجدها في كل كتاب كنت أخشى أن يحدث نشرها صدمة كبيرة لكن السحار هو الذي أصر، وهو الذي اختار، وهو الذي طبع.
ويؤكد المؤلف أن اعتراف نجيب محفوظ  قاله لأكثر من مصدر صحفي بصورة أو بأخرى أي أنه لم يختر قصص المجموعة، بل ترك الاختيار للسحار، لأنه يخشى "صدمة" القارئ منها، خاصة بعد نشر رواية طويلة له اعترف بها، في حين أن القصة القصيرة والمقالة بالنسبة إليه مجرد وسيلة للنشر.
 
كنت أكتب لا على أمل أن ألفت النظر إلى كتاباتي ذات يوم، بل كنت أكتب معتقداً أني سأظل على هذا الحال دائماً.. أتعرف عناد الثيران، إنه خير وصف للحالة النفسية التي كنت أعمل بتأثيرها
 
وقد كان نجيب محفوظ بقصصه يقف على عتبة "هذا العصر الجديد" وهو يخطو خطواته الأولى في عالم القصة، وحتى المجلات الأدبية التي كان ينشر بها أعماله اعتبرها مجهولة وتعيش على الإعلانات..!
وكان من الغريب حقاً أن لا يعترف بفضل هذه المجلات المجهولة التي نشرت مقالاته وقصصه القصيرة.. صحيح أن توزيعها ليس جماهيرياً لتخصصها.. أما نشرها للإعلانات الفضائية فقد كانت كل الصحف خاصة المجلات تعيش على مواردها لقلة الإعلانات التجارية، لقد نشر أديبنا أعماله في "المجلة الجديدة الأسبوعية" وفي "الرواية" و"الرسالة" والساعة 12 والثقافة وغيرها، مع أنه يعترف بفضل سلامة يوسف في بداياته كأديب!
وعلينا أن نستعيد هنا افتتاحية أحمد حسن الزيات لمجلة "الرواية" في عددها الأول (أول فبراير/شباط 1937) التي يدعو فيها "إلى الذين ملكهم الجمال ولم يملكوا الإبانة عن آثاره، وإلى الذين تيمهم الحب ولم يحسنوا العزف على قيثاره، إلى الذين شاقهم الأدب ولم يستطيعوا النفوذ إلى أسراره، إلى الذين اعتقلهم ولم يجدوا الفكاك من أسراره، إلى هؤلاء جميعاً أقدم هذه المجلة، وما هي إلا نغمة الشعور الإنساني الرهيف ولغة من البيان الروحي المشرق مستغلاً الأذواق السليمة، وتتألف عليها المشاعر الكريمة وتتآلف بها عبقرية الشرق وعبقرية الغرب".
 ولا أعتقد – والكلام لمؤلف الكتاب – أن أديباً مصرياً أو عربياً تناولته الصحافة كما فعلت مع نجيب محفوظ، كل شيء عن أعماله وحياته الشخصية سجل في مجلدات يمكن للباحث أن يرجع إليها، ومع ذلك تظل المشكلة هنا "أن النقاد على حد تعبير د.حمدي السكوت لا يعترفون سوى بالمرحلة التاريخية لنشره الروايات الثلاث، في حين أنه نشر أكثر من سبعين قصة قصيرة شملت موضوعات مختلفة، لو أنها جمعت في كتب لخرجت في ثلاث أو أربع مجموعات قصصية".
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع