تقارير وأخبار

من صحافة العرب والعالم..

فى ذكرى مرور 200 عام على مولده.. "إيفان تورجينيف" أفضل من تغنَّى بالطبيعة

يُعتبر إيفان تورجينيف (1818 - 1893 م) واحدًا من أهم كُتَّاب العالم فى القرن التاسع عشر، و أحد كبار الكُتاب الروس فى العصر الذهبى للأدب الروسي، استطاع هذا الكاتب، الذى نحتفل - هذا العام- بمرور 200 عام على ميلاده، تأسيس منظومة فنية جديدة، كان لها عظيم الأثر فى إحداث ثورة فى بنية الرواية فى روسيا و العالم. تعرَّضت كتاباته فى حياته مرات للمديح، و مرات أكثر للانتقاد، فيما قضى هذا الأديب سنوات حياته بحثاً عن الطريق الذى يجب أن تسلكه روسيا نحو الازدهار و الرخاء. ويُعد- بحق- أستاذًا و رائدًا فى التحليل النفسي، و كان له أثر عظيم فى تطور الأدب و الثقافة الروسية. 
 
تعود أسرة تورجينيف إلى أصول أرستقراطية، حيث كان أبوه سيرجى تورجينيف من قادة سلاح الفرسان، و أمه فارفارا لوتوفينوفا من المُلاَّك و أصحاب الأراضى الأثرياء. وُلد تورجينيف فى مدينة أريول الصغيرة فى عام 1818 م ، و فى سن التاسعة، انتقلت الأسرة إلى موسكو، و بعد وفاة أبيه، سافر الشاب تورجينيف إلى بطرسبورج، حيث التحق هناك بكلية الفلسفة، و فى عام 1836م عرض تورجينيف أولى أشعاره على الأديب بيتر بليتنيف، الذى قام بدعوة الشاعر الشاب إلى أمسية شعرية و أدبية، و هناك التقي- للمرة الأولي- الشاعر الروسى العظيم الكسندر بوشكين، و فى أثناء دراسته الجامعية، كتب أكثر من مائة قصيدة شعرية، و فى عام 1838 م نشر تورجينيف أولى قصائده الشعرية فى مجلة »سوفريمينيك»‬ (المعاصر). و فى العام نفسه توجَّه إلى ألمانيا. كانت الرغبة فى استكمال دراسته تمتزج مع رفضه للواقع الروسى و كراهيته للقانون الإقطاعى القائم. وعاش تورجينيف فى برلين لمدة عام تردد فيها على محاضرات بالجامعة، و درس اللغات الكلاسيكية، و كتب الشعر، و عاد إلى روسيا لفترة قصيرة، ثم سافر مرة أخرى إلى إيطاليا و ألمانيا. 
وبعد إنهاء دراسته الجامعية، سافر تورجينيف إلى أوروبا لمواصلة دراسته، وتوصل إلى نتيجة مفادها: أنه على روسيا التخلص من الجهل الذى تعانى منه، وأن تتبع النموذج الأوروبي. 
وفى الأربعينيات من القرن التاسع عشر، عاد إلى وطنه روسيا، وتعرَّف على كبار الكُتاب الروس حينها، أمثال: جوجول، و أكساكوف، و خومياكوف، ودوستويفسكي، وغيرهم. 
وفى نهاية الأربعينيات، كتب العديد من المسرحيات، منها: مسرحية »‬الأعزب» و»‬شهر فى قرية» و »‬فتاة القرية»، التى نالت شهرة و نجاحًا كبيرًا بين الجمهور والنقاد. وبعدها بسنوات قليلة صدرت مجموعة القصص القصيرة »‬مذكرات صياد»، وتعكس المجموعة كراهية الكاتب لنظام الإقطاع السائد فى روسيا حينها. ونلحظ من خلال هذه المجموعة القصصية، موهبة الكاتب الكبيرة، و فهمه العميق وإحساسه بالطبيعة. ويُعد هذا الكتاب من بين أوائل المؤلَّفات التى تتحدث عن مآسى نظام الإقطاع. وقد حُكم على الرقيب الذى سمح بنشر المجموعة بالإحالة إلى التقاعد، وحرمانه من مستحقاته المالية، فيما تم منع إعادة نشر الكتاب مرة أخري. واُتهم تورجينيف بأنه يقوم بعملية تسييس للأمر، ومبالغة فى تصوير معاناة الشعب من سطوة مُلاَّك الأراضى الزراعية.
وفى عام 1856 م ، صدرت أولى روايات الكاتب ،التى تحمل عنوان »‬رودين»، وقد استغرقت كتابة الرواية سبعة أسابيع فقط، وأصبح اسم البطل رمزًا للإنسان الذى لا تتفق أقواله مع أفعاله، وكانت هذه الرواية بمثابة انطلاقة لسلسلة من أعمال تورجينيف الكبيرة، التى تتمحور حول شخصية البطل المفكر، صاحب الأيديولوجية، الذى يرصد »‬الواقع السياسي» والاجتماعي. ويطرح المؤلف قضية الأهمية الإجتماعية لهؤلاء الناس من أمثال رودين ، ودورهم فى تاريخ الفكر الإجتماعى الروسي. وبعد ثلاث سنوات صدرت روايته الجديدة »‬بيت النبلاء» ، حيث لاقت نجاحًا منقطع النظير فى روسيا، حتى إنه يمكن القول: إنه لا يوجد شخص متعلم فى روسيا إلا وقد قرأ هذه الرواية. تمحور الرواية حول قصة حب عميق فى مأساويته. وهى فى الوقت ذاته رواية عن الواجب الأخلاقي، والإيثار، ومعنى الحياة. 
وفى بداية الستينيات من القرن التاسع عشر، صدرت مقتطفات من روايته الأشهر »‬آباء و أبناء». و تتناول الرواية المزاج الشعبى فى تلك الفترة، وخاصة الرؤى العدمية التى سيطرت على شباب روسيا. وقد وصفه الكاتب والفيلسوف الروسى نيقولاى ستراخوف قائلا: »‬أظهر تورجينيف مقدرة كبيرة على الحفاظ على روعة الأدب، و فى الوقت نفسه على توظيفه فى خدمة المجتمع».
ونالت الرواية استحسان النقاد، غير أنها هُوجمت من قِبل الليبراليين، وساءت علاقة تورجينيف بالكثير من أصدقائه فى تلك الفترة، و منهم على سبيل المثال: الكاتب الكسندر جيرتسين ، الذى كان يرى أن مستقبل روسيا الحقيقى فى تحقيق الاشتراكية الزراعية، معتبرًا أن أوروبا البرجوازية قد انتهت، فيما كان تورجينيف يدافع عن فكرة دعم روابط الثقافة بين روسيا والغرب. 


ناصر تورجينيف هذه الفكرة بقوة حتى أطلق البعض عليه لقب »‬الكاتب الأوربي» فى الأدب الروسي. و تعرَّض تورجينيف لانتقادات لاذعة مع صدور روايته الجديدة »‬الدخان»؛ لأن تلك الرواية كانت تسخر بشدة من الطبقة الأرستقراطية المحافظة فى روسيا، و من طبقة الليبراليين الداعين للثورة فى الوقت نفسه. 
وفى سبعينيات القرن التاسع عشر، عاش تورجينيف فى باريس، وكان نادرًا ما يزور وطنه روسيا، و شارك الكاتب بشكل نشط فى الحياة الثقافية فى أوروبا الغربية، ودعا الأوربيين لقراءة الأدب الروسى والثقافة الروسية. وكانت هناك اتصالات ورسائل بينه وبين تشارلز ديكينز، وجورج ساند ، وفيكتور هوجو، وجان دى موباسان، وجوساتف فلوبير، وغيرهم. 
وفى النصف الثانى من السبعينيات، نشر تورجينيف روايته الكبرى »‬الأرض العذراء» تعرض فيها بالانتقاد الشديد لأعضاء الحركة الثورية فى سبعينيات القرن التاسع عشر.
وقد كشفت أعماله الأخيرة عن اغترابه الشديد عن روسيا. وبالطبع لم تلق الرواية الأخيرة قبولاً من رفقائه، حتى إن الكاتب الكبير سالتيكوف شيدرين، وصف الرواية بأنها قدَّمت خدمة عظيمة للحُكم المطلق فى روسيا، غير أن أعمال تورجينيف السابقة ظلت تحظى بشهرة و انتشار واسعين.
 ونال الكاتب فى سنواته الأخيرة شهرة كبيرة، سواء فى روسيا أو فى خارجها. وكان كتابه الأخير بعنوان »‬أشعار نثرية» ، التى بدأها بقصيدة بعنوان: »‬القرية»، وختمها بأخرى بعنوان »‬: اللغة الروسية». وكانت هذه المجموعة الشعرية بمثابة وداع للأديب مع الحياة و الفن عمومًا. 
وفى تلك الفترة أيضًا، التقى تورجينيف مع حبه الأخير الفنانة ماريا سافينا، وكانت تبلغ من العمر 25 عامًا فقط. و رغم اعترافه بحبه لها فإنها كانت تعتبره صديقًا يعتمد عليه، و لم تكلل العلاقة بالزواج. 
ومرض تورجينيف مرضًا شديدًا فى نهاية حياته، وتُوفى فى الثالث من سبتمبر عام 1883م فى باريس. و نظمت مراسم جنازة ضخمة للأديب الكبير فى باريس، ثم تم نقله إلى بطرسبورج الروسية، حيث دُفن هناك، وكانت وفاته بمثابة صدمة عنيفة لمحبيه واحتشد الجماهير بعشرات الآلاف فى وداعه. 
تغنَّى تورجينيف بالطبيعة فى كل أعماله تقريبًا. الطبيعة لديه لا تنفصل عن حياة البطل، و مزاجه و عالمه الداخلى ومعاناته. وصْف الطبيعة لديه ليس فقط مسهبًا وباستخدام ألفاظ جميلة و عبارات مبهرة، بل و تحمل فى طياتها زخمًا شعوريًّا ونفسيًّا قويًّا، يترك تأثيره على القارئ. استخدم تورجينيف وصف الطبيعة للكشف عن العالم الداخلى لأبطاله، و فى كثير من المرات عن معاناته الشخصية، و كثيرًا ما يبدو مهمومًا بكشف ألغاز الطبيعة و العالم المحيط. و قد استفاد الكاتب من إتقانه للغة الروسية، و مفرداته فى التعبير عن جمال الطبيعة.
بقى تورجينيف من أكبر أدباء روسيا، وبقيت أعماله حتى يومنا هذا، وستبقى لكون القضايا التى تناولها تتسم بالخلود. ويُعد- بحق- أقدر أدباء روسيا على الكتابة بحِرفية وإتقان و فهم لبناء النص، حتى إن القارئ العادى يجد صعوبة بعض الشيء فى فهم كتاباته و تذوقها. وسيظل اسمه لعقود و قرون أخرى عديدة لكونه خاض طيلة حياته نضالاً حقيقيًّا من أجل القارئ، و قدم للعالم مثالاً فريدًا لكيفية ربط النص الأدبى بالأيديولوجيا.
 
د. محمد نصر الدين الجبالي
أخبار الأدب

(837 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع