تراث

"على رأي المثل".. دستور حياتنا الشعبية...

6 - الحاكم والمحكوم فى الأمثال


اللي ما يخدوش الحاكم ياخده الموت..
 جسّدت الأمثال الشعبية الكثير من مشاعر الشعوب تجاه حُكَّامها والحكومات المتعاقبة عليها، فأفرغت الكثير من المشاعر السلبيّة صورّت من خلالها كرهها لحكامٍ جاؤوا فقط لنهب خيراتهم وقمع حريّاتهم وسلبهم الكرامة والحياة "اللي ما يخدوش الحاكم ياخده الموت"، وحذّرت الأمثال الاقتراب من السلطان ونادت بالابتعاد عن مراكز السلطة حفاظًا على الحياة وطلبًا للأمان "السلطان اللي مايعرفش سلطان!!"، "سيف السلطة طويل"، "اللي ياكل مرقة السلطان تتحرق شفته"، "اهرب من السلطان هروبك من الجربان"، "زي كرابيج الحاكم اللي يفوتك أحسن من اللي يحصلك"، كما كشفت الأمثال عن الأسباب التي تدفع الحكام للظلم والطغيان، قائلة: "يا فرعون إيش فرعنك قال مش لاقي حد يردني"، فالخوف من مواجهة الحاكم بأخطائه والجبن عن مطالبته بالحقوق من أسباب زيادة طغيانه وجبروته وفي هذه الحالة يصبح كما يقول المثل "حاميها حراميها"، ويكشف المثل حقيقة أن الحاكم فرد من أفراد الشعب لا يزيد عن غيره في شيء ولا ينبغي علينا أن نعطيه أكثر من حجمه "افتكرنا الباشا باشا أتاريه راجل!!"، ووضحت الأمثال أن هناك آليات للحكم بخلاف القوة تدفع بالإنسان إلى صدارة المشهد والتسيُّد "إذا كانت الشطارة بالقوة كان التور ياخد باشا".
 


اللي ما يرضى بحكم موسى؟! يرضى بحكم فرعون!!..
أشارت الأمثال إلى طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وما يتولد من مشاعر لدى المحكوم تجاه ظلم الحاكم ورغبته في التشفِّي منه حينما تسمح له الفرصة بذلك حتى وإن كان ذلك يأتي على حساب قيمه وأخلاقه، وكانت لا تحين له مثل هذه الفرصة إلا بموت الحاكم أو عزله، ولكن تأتي الأمثال مطالبة إياه بعدم التسرع والاندفاع حتى لا يصدم بالواقع المقبل عليه "ما تفرحوش في اللي انعزل إلّا لما تشوفوا اللي نزل"، "اللي تحسبه موسى يطلع فرعون"، "افرحوا واتهنوا بقدومه جاكم بشومه"، "اللي ما يرضى بحكم موسى؟! يرضى بحكم فرعون!!"، وفي هذه الحالة لا يجد الشعب أمامه سوى طريقٍ واحد؛ وهو الصبر على أذى الحاكم والتعاون معه حتى يقضي الله بينهما "إن كان لك عند الكلب حاجه قول له يا سيدي"، أو باستخدام سطوة المال ونفوذه من خلال تقديم الرشوة "ارشوا تشفوا"، أو من خلال تودُّدهم للحاكم "الحيا سُنّه، ومسح الجوخ فرض!"، "اسجد لقرد السوء في زمانه وداريه ما دام في سلطانه"، حتى طالبته بتغيير معتقداته الدينية إرضاءً لحاكمه "إذا دخلت بلد احلف بربَّها"، "لو رُحت بلد بتعبد عجل؟ حش وارمي له!"، ولم يقف الأمر عند ذلك وحسب بل طالبته بالطاعة العمياء للحاكم وعدم مخالفته في أي أمرٍ مهما كان "أنا أول المنطاعين وآخر العاصين!"، "حط راسك في وسط الروس وادعي عليها بالقطع"، "اربط الحمار مطرح ما يعوز صاحبه".

 وبرغم بغض الشعب للحكومة لسطوتها وظلمها له في معظم أحيانها إلّا أنه لا يترك فرصة الالتحاق بها والعمل معها للحصول على العزة والقوة ورغد الحياة "إن فاتك الميري اتمرمغ في ترابه"، "المنصب روح ولو كان في المسكة"؛ فنتج عن هذا الفكر حياة تسلقية، أو معيشة طفيلية ترعى وتنمو على موائد السلطة غير آبهةٍ بالأخلاق والقيم والمبادئ "اللي ياكل عيش الأمير يضرب بسيفه!"، "أكل الملوك شرف ما هواش علف"، ونراهم يرسمون طريقهم داخل قصور أسيادهم، قائلين: "اللي يخش بيت الإمارة؟ يخيط بقه بدبارة!"، كما أنه يرجع لسيده وولي نعمته ليحتمي به "اللي تجيله المصايب يدق الأبواب العالية"، كما قدّمت الأمثال العديد من النصائح للحُكَّام وما يجب أن يسيروا عليه من مبادئ لإرساء العدل بين الرعيّة، قائلة: "إصلاح الرعيّة أنفع من كثرة الجنود"، "إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع".
 


اللي يبص لفوق يتعب..
تحدثت الأمثال الشعبية عن الطبقات الاجتماعية واصفة الفوارق بين هذه الطبقات بشكل يتَّسم باليأس والسخرية "اللي يبص لفوق يتعب"، "اللي أمه الطين وأبوه اللياسة منين تجي له الكواسة؟!"، "رايح فين يا صعلوك بين الملوك"، "اللي يبص لفوق رقبته توجعه"، "إيش جاب التين للتنتين؟!"، "إيش جاب الترعة للبحر الكبير؟!"، "إيش جاب العبد لسيده؟!"، "إيش عرّف الحمير بأكل الجنزبيل؟!"، وبالغت الأمثال في وصف الطبقات العليا من أصحاب السلطة والأموال ونسبت لهم جميع الفضائل ونفت عنهم أي شائبة في نظرة طبقية بحتة "إذا عرفت اعرف الخيار، تبقى من الناس الكبار"، "اللي له ضهر ما ينضربش على بطنه"، "اللي ياكله الكلب وينجسه ياكله السبع ويطهره"، "اكرم ابن الإمارة وابن الهيفة لأ"، "الناس مقامات"، "اللي ما يسمع كلام كباره، ياما يجرى له"، ونجد على الطرف الآخر من يعادي هذه الطبقة في محاولةٍ منه على إلصاق كل قبيح ونقيصة بها؛ مؤكِّدًا أن الميزان الحقيقي للإنسان فعله لا حسبه ونسبه "اللي يقول أبويا وجدي يورينا فعله"، "مش كل من لبس الحرير بقى سيد"، مطالبًا أبناء طبقته بمسايرة من هم على نفس الدرجة الاجتماعية غير آبهين بهذه الطبقة "ماشي ندّك وامشي على قدك"، كما حذّر من يتعالون على غيرهم بأن دوام الحال محال، وتقلبات الزمن غير مأمونة "القوالب نامت والانصاص قامت"، "آخر الزمان تيجي أولاد الندولة تزرع الأرض المجهولة"، "لما القضا اتحكِّم خلّى للندل كلام، وجاب اللي ورا قدام، وخلّى السيد خدّام".



إذا غاب عنك أصله فتِّش على فعله..
تناولت الأمثال الحديث عن الأصول مؤكّدة أهمية دورها في تشكيل تصرفات الإنسان وسلوكه في المجتمع؛ فمن تربّي في بيئةٍ حسنةٍ وفي بيتٍ معروف فلا يصدر عنه إلا الخير، ونجد نقيض ذلك من تربّي في بيئةٍ سيئةٍ، وفي بيتٍ لا أصول له، فلا يصدر عنه إلا كل شرّ ضاربًا بالأعراف المجتمعية عرض الحائط غير آبهٍ بالعادات والتقاليد فلا يقيم للناس وزنًا ولا يعرف للخير طريقًا "الأصل يرد على صاحبه"، "الأصيل قلبك معاه مستريح"، "الأصيل يجود"، "العشرة ما تهونش إلا على قليل الأصل"، "الأصل الردي يرد على صاحبه"؛ ولذلك نرى الأمثال تجزع في حالة غياب الأصول وضياعها "الأصول ضاعت!!"، وفي هذه الحالة تطالبنا بالبحث في أفعال الناس فإنها تنبئ عن أصولها فإن كانت خيرًا فصاحبها ذو أصل وإن كانت على خلاف ذلك فصاحبها بلا أصل "إذا غاب عنك أصله فتِّش على فعله"، "الأصيل يحلف ويصدق، والخسيس يحلف ويكدب"، "أصله ينبئ عنه"، "الأصيل ما يعبش"؛ أي صاحب الأصول العريقة لا تخرج منه العيبة.
 


الفقير لا يتهادى ولا يتدادى ولا تقوم له في الشرع شهادة..
لم تغفل الأمثال الشعبية ذكر الغنى والفقر وما يتبعهما من أمور تلازم الغني والفقير واصفة لأحوالهما ناطقة بلسان حالهما، فنجدها تصف الفقير ساخرة منه ومن أحواله المعيشية ومحاولاته المستمرة لتقليد الأغنياء "بياكلوا بصاره ويقلِّدُوا الناس الكُبّاره"، "يربطوا حمارهم جنب حمار العمدة!!"، "بعد ما كان بينام على المصطبة! نجِّد له لحاف ومرتبة!!"، "فقير ويمشي مشي الأمرا"، وفي وصفها للغني تنسب له جميع الفضائل والعزة والمنعة "السعيد كل الناس خدّامه"، "الغني شكته شوكة راحت البلد في دوكه، والفقير قرصه تعبان قالوا له اسكت بلاش كلام!!"، "الفقير قال الفار قرض الخشب قالوا له كدّاب، والغني قال الفار قرض الحديد قالوا له صادق"، "الغني إذا أكل حيّة قالوا من حكمته!! وإذا أكلها الفقير قالوا من حمريته!!"، "طلب الغني شقفه كسر الفقير زيره"، "الغني غنوا له والفقير منين نروحوا له"،"غني مات جروا الخبر، فقير مات مفيش خبر"، "إذا مشيت على قبر الكبار إسرع عضم الكبير في القبر يجرح".
وهكذا نرى أن الأمثال الشعبية لم تترك صورة من صور العلاقات الإنسانية بين الحاكم وشعبه وبين الغني والفقير في حياتنا اليوميّة إلا سجَّلتها ووصفتها وفقًا لخبرات وتجارب من عايشوها، بعضها إيجابي والآخر سلبي؛ لتكون بذلك شاهدة على العصر.



(56 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع