تراث

من "مختصر السيرة للواسطي"..

5- نزول الوحي ومبعث النبي في رمضان

قام الشيخ عماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطى (657 هـ- 711هـ) بتهذيب كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ووضع "مختصر السيرة النبوية" الذى التزم فيه بما ذكره فى مقدمة كتابه من حيث تسهيل السيرة النبوية على قارئها، حيث حذف منها الحشو الزائد فى الكلام والروايات المتكررة، حتى أصبح النص رشيقًا سهلاً على قارئه، ولم يتدخل الواسطى فى النص الأصلى إلا فى حدود وجيزة جدًا، وقد أشرنا إلى ذلك فى أثناء تحقيقنا للمخطوطة، ونعرض هنا لمختارات أخرى من "مختصر السيرة النبوية للواسطي" بعدما عرضنا ترجمة الواسطى فى المقال الأول، ومولد النبى  صلى الله عليه وسلم وطفولته وزواجه فى المقال الثاني، وبناء قريش الكعبة والحج فى الجاهلية فى المقال الثالث، والحنفاء الأربعة فى الجاهلية فى المقال الرابع.
مبعث النبى صلى الله عليه وسلم (1)

قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله  صلى الله عليه وسلم أربعين سنة، بعثه الله رحمة للعالمين، وكافّة للناس أجمعين، وكان الله تعالى قد أخذ له الميثاق على كل نبى بعثه قبله بالإيمان به، والتصديق له، والنصر له على مَنْ خالفه، وأخذ عليهم أن يؤدّوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدّقهم، فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق فيه. 
يقول الله عز وجل لمحمد  صلى الله عليه وسلم: "وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه".(آل عمران 81).
فأخذ الله ميثاق النبيين جميعًا بالتصديق له، والنصر له ممن خالفه، وأدّوا ذلك إلى من آمن بهم وصدّقهم من أهل هذين الكتابـين.
 


ما ابتدئ به رسول الله  صلى الله عليه وسلم من أمر النبوة
قال ابن إسحاق: فذكر الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضى الله عنها أنها حدّثته: أن أول ما ابتدئ به رسول الله عز وجل من النُّبوة، حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به، الرؤيا الصادقة، لا يرى رسول الله  صلى الله عليه وسلم رؤيا فى نومه إلا جاءت كفلق الصبح.
قالت: وحبّب الله إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحبّ إليه من أن يخلو وحده.
قال ابن إسحاق: وحدّثنى عبد الملك بن عبيد الله بن أبى سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي، وكان واعية(2)، عن بعض أهل العلم:أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم حين أراده الله بكرامته، وابتدأه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر(3) عنه البيوت، ويفضى إلى شِعاب(4) مكة وبطون أوديتها، فلا يمر رسول الله عز وجل بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، قال: فيلتفت رسول الله  صلى الله عليه وسلم حوله عن يمينه وشماله وخلفه، فلا يرى إلا الشجر والحجارة. فمكث كذلك رسول الله  صلى الله عليه وسلم يرى ويسمع، ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل بما جاءه من كرامة الله بحِرَاء (5)فى شهر رمضان.
ما أخبرت (6) به خديجة ابن عمها ورقة بن نوفل عما بدئ به  صلى الله عليه وسلم من الوحي وشهادته له بالنبوة.
قال ابن إسحاق: وحدّثنى وهب بن كَيْسان، مولى آل الزبير، قال: سمعت عبدالله ابن الزبير وهو يقول لعبيد بن عُمَير بن قَتادة الليثي: حدّثنا يا عبيد، كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله  صلى الله عليه وسلم من النبوة، حين جاءه جبريل؟ فقال عبيد - وأنا حاضر يُحدّث عبدالله بن الزبير ومَنْ عنده من الناس: كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم يجاور(7)فى حِرَاء من كل سنة شهرًا، وكان ذلك مما تحنث(8) به قريش فى الجاهلية. والتحنث: التبرّر.

قال عبيد: فكان رسول الله  صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يُطْعم مَنْ جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله  صلى الله عليه وسلم جواره(9)من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به - إذا انصرف من جواره - الكعبة، قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعًا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله فيه ما أراد من كرامته من السنة التى بعثه الله فيها، وذلك الشهر رمضان، خرج رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى حراء، كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته، ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله.
قال رسول الله عز وجل : فجاءنى وأنا نائم، بنَمَط(10) من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتَّني(11) به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتَّنى به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: قلت: ماذا أقرأ؟ قال: فغتَّنى به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: فقلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لى بمثل ما صنع بي، فقال:"اقرأ باسم ربك الذى خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم* الذى علم بالقلم* علم الإنسان ما لم يعلم".(سورة العلق 1-5).

قال: فقرأتها ثم انتهى، فانصرف عنى وهببت من نومي(12)، فكأنما كتبت فى قلبى كتابًا، قال: فخرجت حتى إذا كنت فى وسط من الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، قال: فرفعت رأسى إلى السماء أنظر، فإذا جبريل فى صورة رجل صاف قدميه فى أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. 
فوقفت أنظر إليه فما أتقدّم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهى عنه فى آفاق السماء، فلا أنظر فى ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفًا ما أتقدّم أمامى وما أرجع ورائى حتى بعثت خديجة رُسلها فى طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف فى مكانى ذلك، ثم انصرف عني.

فانصرفت راجعًا إلى أهلى حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مُضيفًا(13) إليها، فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلى فى طلبك حتى بلغوا أعلى(14) مكة ورجعوا لي، ثم حدّثتها بالذى رأيت، فقالت : أبشر يابن عمّ واثبت،فوالذى نفس خديجة بيده إنى لأرجو أن تكون نبى هذه الأمة.
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعُزّى بن قُصي، وهوابن عمها، وكان ورقة قد تنصّر وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله  صلى الله عليه وسلم أنه رأى وسمع.

فقال ورقة: قدوس قدوس(15)، والذى نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتينى يا خديجة لقد جاءه الناموس(16) الأكبر الذى كان يأتى موسى، وإنه لنبى هذه الأمة، فقولى له: فليثبت.
فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة ، فلما قضى رسول الله  صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال: يابن أخي، أخبرنى بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ورقة: والذى نفسى بيده، إنك لنبى هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذى جاء موسى، ولتُكذَّبنّه ولتُؤْذَينّه ولتُخْرجنّه ولتقاتلنّه(17)، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرًا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه، فقبّل يافوخه(18)، ثم انصرف رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى منـزله.
 


امتحان خديجة برهان الوحى من النبى صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق: وحدّثنى إسماعيل بن أبى حكيم مولى آل الزبير: أنه حُدّث عن خديجة رضى الله عنها أنها قالت لرسول الله عز وجل: أى ابن عم، أتستطيع أن تُخبرنى بصاحبك هذا الذى يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرنى به.
فجاءه جبريل كما كان يصنع، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم لخديجة: يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني، قالت: قم يابن عم فاجلس على فخذى اليسرى.
قال: فقام رسول الله  صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم؛ قالت: فتحوّل فاقعد(19) على فخذى اليمنى، قال: فتحوّل رسول الله  صلى الله عليه وسلم فقعد(20) على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟قال: نعم. قالت: فتحوّل فاجلس فى حجري، قالت: فتحوّل رسول الله  صلى الله عليه وسلم فجلس فى حجرها،فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قال: فتحسّرت(21) وألقت خمارها ورسول الله  صلى الله عليه وسلم جالس فى حجرها، ثم قالت له : هل تراه؟ قال: لا، قالت: يابن عمّ، اثبت وأبشر، فوالله إنه لمَلَك وما هذا بشيطان.
قال ابن إسحاق: وقد حدّثت عبدالله بن حسن هذا الحديث، فقال: قد سمعت أمى فاطمة ابنة حسين تحدّث بهذا الحديث عن خديجة، إلا أنى سمعتها تقول:أدخلت رسول الله  صلى الله عليه وسلم بينها وبين دِرْعها، فذهب عند ذلك جبريل، فقالت لرسول الله  صلى الله عليه وسلم: إن هذا لمَلَك وما هو بشيطان.
 


ابتداء التنـزيل على رسول الله  صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق: فابتدئ رسول الله  صلى الله عليه وسلم بالتنـزيل فى رمضان.
يقول الله تبارك وتعالى: "شهر رمضان الذى أُنزل فيه القرآن". "سورة البقرة 185"
وقال تعالى: "إنا أنزلناه فى ليلة القدر". "سورة القدر 1" إلى آخر السورة. 
وقال تعالى:"حم* والكتاب المبين* إنا أنزلناه فى ليلة مباركة إنا كنا منذرين". "سورة الدخان 1-3"الآيات. 
ثم تتام(22)الوحى إلى رسول الله وهو مؤمن بالله مُصَدّق بما جاءه منه، قد قبله بقبوله، وتحمّل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم، والنبوة أثقال ومؤنة، لا يحملها ولا يستطيع(23) بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله وتوفيقه،لما يلقون من الناس وما يُرّد عليهم مما جاءوا به عن الله سبحانه، فمضى رسول الله  صلى الله عليه وسلم على أمر الله، على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى.



الهوامش 
1- العنوان فى النسخة "أ" فقط من المخطوطة.
2- أي: حافظًا، من وعى العلم يعيه إذا حفظه، وأُدخلت التاء فى واعية للمبالغة. (شرح السيرة النبوية ص 75).
3- على هامش النسخة"ب" : تبعد.
4- الشِّعاب: المواضع الخفيّة بين الجبال. (شرح السيرة النبوية ص 75).
5- حراء : يعرف اليوم بجبل النور . (معجم المعالم الجغرافية ص 95).
6- فى "ب" : ذكر إخبار .
7- المجاورة : الاعتكاف فى المسجد. ( مختار الصحاح ص 117).
وقال السهيلي: "لا فرق بين الجوار والاعتكاف إلا من وجه واحد، وهو أن الاعتكاف لا يكون إلا داخل  المسجد، والجوار قد يكون خارج المسجد، كذلك قال ابن عبد البر ". (الروض الأنف 1/400).
8- على هامش النسخة "ب" : أى تعبّد. 
9- على هامش "ب" : جواره : اعتكافه.
10- على هامش "ب": إزار  يغطى جميع البدن. 
11- يقال: غَتّنى بالتاء، وغطّنى بالطاء أيضًا، ومعناه شدّني. (شرح السيرة النبوية ص 75-76). 
12- قال السهيلي: "قال فى الحديث: فأتانى وأنا نائم، وقال فى آخره: فهببت من نومي، وليس ذكر النوم فى حديث عائشة ولا غيرها، بل فى حديث عروة عن عائشة ما يدل ظاهره على أن نزول جبريل حين نزل بسورة اقرأ، كان فى اليقظة، لأنها قالت فى أول الحديث: أول ما بُدئ به رسول الله  صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة، كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، إلى قولها: حتى جاءه الحق، وهو بغار حراء، فجاءه جبريل. فذكرت فى هذا الحديث أن الرؤيا كانت قبل نزول جبريل على النبى بالقرآن، وقد يمكن الجمع بين الحديثين بأن النبى  صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل فى المنام قبل أن يأتيه فى اليقظة توطئة وتيسيرًا عليه ورفقًا به، لأن أمر النبوة عظيم، وعبئها ثقيل، والبشر ضعيف". (الروض الأنف 1/401).  
13- مُضيفًا إليها:  أى ملتصقًا بها، يقال: أضفت إلى الرجل: إذا مِلْت نحوه ولصقت به، وبه سُمّى الضيف ضيفًا. (شرح السيرة النبوية ص 76).
14- "أعلى" فى "أ" فقط.
15- قدوسقدوس: معناه طاهر طاهر، وأصله من التقديس وهو التطهير، ومنه بين المقدس، والأرض المقدسة: أى المطهرة. (شرح السيرة النبوية ص 76).
16- أصل الناموس هو صاحب سِرّ الرَّجل فى خيره وشرّه، فعبَّر عن الملك الذى الذى جاءه بالوحى به. (شرح السيرة النبوية ص 76).
17- قال السهيلى : لا ينطق بهذه الهاء إلا ساكنة لأنها هاء السكت. (الروض الأنف 1 / 409).
18- اليافوخ: وسط الرأس. (شرح السيرة النبوية ص 76).
19 - "فاقعد" فى النسختين "أ" و "ب"، وفى المطبوع من "السيرة لابن هشام": "فاجلس". (ط. دار إحياء التراث 1/255).
20- "فقعد" فى النسختين، وفى المطبوع من "السيرة لابن هشام": "فجلس". (ط. دار احياء التراث 1/255).
21- حسر الشيء: انكشف، والحاسر من النساء: المكشوفة الرأس والذراعين. (المعجم الوسيط 1/178) .
22- على هامش "ب": أى تتابع وتوالى.
23-أي: لا يقوى عليها، يقال: رجل مستطيع بكذا، أي: قوى عليه. (شرح السيرة النبوية ص 76).
******
اقرأ أيضًا:
1- ترجمة الواسطي 
2- مولد النبى .. طفولته وزواجه
3- بناء قريش الكعبة والحج فى الجاهلية
4- الحنفاء الأربعة فى الجاهلية

اقرأ ايضاً

(32 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع