تراث

"على رأي المثل".. دستور حياتنا الشعبية..

5- الله في الأمثال


وصفت الأمثال الشعبيّة شدّة تعلّق الإنسان العامِّي البسيط بربِّه في جميع أحواله، فهو يؤمن به إيمانًا مطلقًا ويقرّ بوجوده في كل شيء، فهو معه في جميع أحواله، معه حين يأكل، وحين يشرب، وحين يصحو وحين ينام، حياة تعتمد على الله العلي القدير في كل شيء، مقرًّا بمعجزات الله التي لا يملك الإنسان إلا التسليم بها، معترفًا بسلطان الله وطلاقة قدرته في كل شيء، ويظهر هذا واضحًا جليًّا عندما يتحدث المثل، قائلًا: "الله موجود في كل الوجود"، "الله فعّال لما يريد"، "إن الله قادر على كل شيء"، "إذا أراد الله شيئًا يقول له كن فيكون"، "لا تتعجب فهي إرادة الله".
 
كما أكّدت الأمثال امتداد قدرة الله في حياتنا إلى كل شيء الموت والحياة والرزق، فقالت: "الأعمار بيد الله"، "اللي كتب له ربنا ستين ما يموتش في الأربعين"، "أصبح على كفِّ الرحمن"، "ربنا يرزق قليل الحيلة لما يستعجب صاحب الحيلة!!"، "وربَّك يعطي الضعيف لما يستعجب القوي!!"، "اللي ادّاله خالقه محدش يخانقه"، "الله جاب، الله خد، الله عليه العوض!"، فتُأكِّد الأمثال على طلاقة قدرة الله في رزقه لعباده؛ فالرزق ليس بالقوة ولا بالذكاء، ولكنها قدرة الله، يعطي الضعيف ويحرم القوي إذا شاء ذلك وأراد، فاعترفت الأمثال بقدرة الله على إسعاد عباده أو إتعاسهم وخذلانهم "اللي يسعده ربّه ما يتعبوش"، "اللي يخذله ربّه ما ينصروش عبد"، "اللي يحبه ربنا ويختاره يجيب له الخير لحد داره"، "الله لما يعطي ما يمنّ، ولما ياخد ما يحنّ"، "ربّ العطا يدِّي البرد على كد الغطا"، "ربّك بيرزق الواقف والقاعد والمتكي على جنبه"، "اللي خلقني ما ينساني".

• يا هارب من قضايا؟! مالك ربّ سوايا..
دعت الأمثال إلى الرضا بقضاء الله والاستسلام له وأكّدت على عدم قدرة الإنسان الوقوف في مواجهة قضاء الله أو اعتراضه، قائلة: "إن صبرتم نلتم وأمر الله نافذ، وإن ما صبرتم كفرتم وأمر الله نافذ"، كما نقلت الأمثال ما يقوله العامة على لسان الله جلّ في علاه "اللي ما يرضى بقضايا يطلع من تحت سمايا"، "يا هارب من قضايا؟! مالك ربّ سوايا"، كما وصفت الإنسان المصاب بقضاء الله، قائلة على لسان حاله: "آدي الله وآدي حكمته!"، وتصفه في مواجهة الصعاب "اللي مالوش حد له ربنا"، كما يقول له المثل عند شعوره بالقهر والظلم "ربنا مع المنكسرين جابر"، "الشكوى لغير الله مذلة"، "ربنا هو المخلِّص"، "اللي ما تقدرش عليه حِيل ربنا عليه"، "يا بخت من له، ويا شقاوة اللي عليه!"، "اللي عند الله ما يضعش".
 
 
• اللي اتَّكل على الله عمره ما خاب..
طالبت العديد من الأمثال بحُسْن التوكُّل على الله والتسليم لقضائه؛ فهو القادر على كل شيء ومدبِّر الخير لنا والعالم بما يُصلحُنا؛ فجاء المثل قائلًا: "اللي اتّكل على الله عمره ما خاب"، "العبد في التفكير والربّ في التدبير"، "الناس بالناس والكل على الله غالب"، "اللي اتّكل على الله عمره ما خاب"، "اللي على الله على الله"، "اللي على الله ما يتحمل له هم"، "الله معنا"، "اللي يريده ربنا هو اللي يكون"، "اللي فيه الخير يقدِّمه ربنا"، "اللي في علم الله غالب"، وحذّرت الأمثال من الاتِّكال على غير الله، قائلة: "اللي اتّكل على شيء أخلاه الله منه"، "اللي اتّكل على شيء أخلاه الله من يده"، "ما عند الناس ينفد وما عند الله باقٍ"، كما طالبته بمعرفة الله في جميع الأحوال في السراء قبل الضراء "اعرف ربك في الرخا يعرفك في الشدة"، كما أكّدت الأمثال على أن كل ما يقوم به الإنسان فهو عند الله لن يضيع "اعمل الخير وارميه في بحر جاري! إن ضاع عند العبد ما يضيعش عند الباري"، "اللي زمّرناه راح لله"، "اعمل لله مش لبني آدم"، "اللي عند ربنا قريب"، "اللي عند الناس بعيد، واللي عند ربنا قريب"، وأشارت إلى أن الله حلَّال العقد والمشاكل "كل عقده وليها عند الكريم حلّال".
 
•اللي مالوش عقل مالوش دين..
أكّدت الأمثال الشعبية على أن العقائد الدينية أساس الحياة؛ فهي تملك على البشر كل تفكيرهم فالدِّين يمثل عندهم منبع كل خير ومبعدهم عن كل شر، مشيرة إلى أن الطريق السليم للوصول إلى صحيح الدين والعقيدة هو العقل، فتقول: "اللي مالوش عقل مالوش دين"، "ربنا عرفوه بالعقل"، وحذّرت من التعامل مع رجل ليس له خير في دينه، قائلة: "اللي ما له في دينه ما له خير في دين غيره".
 
 

• اتصدَّقوا تُرزقُوا..
تناولت الأمثال الشعائر الدينية التي يمارسها الناس في جميع أحوالهم من زكاة وصلاة وصوم وحج، وما يترتب على هذه الشعائر من علاقات اجتماعية بين الناس، فطالبت الأمثال أصحاب الأموال بالتصدّق؛ ولم تكتف بهذه المطالبة وإنما بيّنت الفائدة من أخراج الزكاة، قائلة: "اتصدّقوا تُرزقوا"، "اللي يخرج منه زكا؟ زكِّي عنه"، وقالت عن الحج والاستعداد له وتجهيز مئونته "ياما الحج مربوط له جمال"، "ياما قدامكم يا حجاج"، وأشارت الأمثال إلى الصوم وما يتبعه من سحور وفطور "اللي اتسحر اتسحر واللي ما اتسحر طلع عليه الفجر!"، وسخرت من سحور الأطفال؛ لأنّه يكون سببًا لإفطار الكبار "اللي يتسحر مع العيال يصبح فاطر"، وحثَّت الأمثال على الإعداد الجيد للإفطار فهو الذي يساعد على مواصلة الصوم وتحمل مشاقه منتقدة من يتكاسلون عن ذلك "يصوم يصوم ويفطر على بصلة"، وعن الصلاة سخرت الأمثال من الذين يصلون ولا يمتنعون عن فعل الشرِّ والموبقات مؤكدة أن صلاتهم لا فائدة منها، فقالت عن السارق: "يصلي الفرض! وينقب الأرض"، كما حذّرت من ترك الصلاة من لقاء ربّه "جالك الموت يا تارك الصلاة"، وشدّد المثل تحذيره للذين لا يصلون ولا يصومون، قائلًا: "اللي ما يصوم ويصلي رزقه يولي"، وكما تحدثت الأمثال عن الصلاة فتحدثت أيضًا عن الأماكن التي تقام فيها وهي المساجد -بيوت الله- في أرضه، قائلة: "اللي مالوش بيت؟! بيته الجامع"، دلالة على عظم منزلة المساجد عند المسلم ولجوءه لها في جميع أحواله وظروفه، ولكن برغم هذا التقديس والمنزلة العظيمة للمساجد طالبت الأمثال تقديم مصلحة البيت على المسجد قائلة: "حصيرة البيت تحرم على الجامع"، "الزيت إن عازه البيت يحرم على الجامع"، "اللي يلزم البيت يحرم على الجامع"، "كل لقمة في بطن جعان خير من بناية جامع" ولم تقصد الأمثال من هذه المشاهد التي تم سردها التقليل من شأن المسجد وإنما المقصود الموازنة بين حياة الفرد وعبادته.

• بكره تقوم القيامة وينصبوا الميزان، ويبقى المعدي يعدِّي والشقي حيران!..
لا تكلّ الأمثال الشعبية عن تذكير الناس بالآخرة ويوم القيامة، ومطالبتهم بحُسن العمل استعدادًا لهذا اليوم "بكره تقوم القيامة وينصبوا الميزان، ويبقى المعدي يعدِّي والشقي حيران!"، محذّرة من غرور الدنيا مؤكدة أن آخرها الموت "دنيا غرورة"، "آخر الحياة الموت"، "دنيا اللي مستغطي بيها عريان"، كما حذّرت من نار جهنم وحرِّها والأعمال التي تؤدي بالإنسان إليها "جهنم ما فيهاش مراوح"، "الظن السوّ يودي جهنم"، "اللي ياكل مال اليتيم بشرّه ينكوي بنار جهنم"، وأكّدت على أن الجنة لا يدخلها إلا أصحاب النفوس الطيبة "النفس الحلوة ليها الجنة".
 
وهكذا نرى أن الأمثال الشعبية صورّت لنا علاقة الإنسان بـ"ربّه" تصويرًا دقيقًا موضحة مدى تعلّقه به وحبّه له، وما يعتقده من ديانات وعقائد، وعاداته في ممارسة شعائره الدينية في جميع جوانب حياته. 

اقرأ ايضاً

(60 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع