تراث

من مخطوطة "مختصر السيرة للواسطي"..

4- الحنفاء الأربعة في الجاهلية

قام الشيخ عماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطى (657 هـ- 711هـ) بتهذيب كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ووضع "مختصر السيرة النبوية" الذى التزم فيه بما ذكره فى مقدمة كتابه من حيث تسهيل السيرة النبوية على قارئها، حيث حذف منها الحشو الزائد فى الكلام والروايات المتكررة، حتى أصبح النص رشيقًا سهلاً على قارئه، ولم يتدخل الواسطى فى النص الأصلى إلا فى حدود وجيزة جدًا، وقد أشرنا إلى ذلك فى أثناء تحقيقنا للمخطوطة، ونعرض هنا لمختارات أخرى من "مختصر السيرة النبوية للواسطي" بعدما عرضنا ترجمة الواسطى فى المقال الأول، ومولد النبى وطفولته وزواجه فى المقال الثاني، وبناء قريش الكعبة والحج فى الجاهلية فى المقال الثالث.
 
البحث عن الدين
قال ابن إسحاق: واجتمعت قريش يومًا فى عيد لهم عند صنم من أصنامهم، كانوا يعظّمونه وينحرون له، ويعكفون عنده، ويُديرون به، وكان ذلك عيدًا لهم كل سنة يومًا، فخلُص منهم أربعة نَفَر نجيّا(1)، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكْتم بعضكم على بعض، قالوا: أجل.
وهم: وَرَقة بن نَوْفل، وعبيد الله بن جَحْش وكانت أمه أُمَيمة بنت عبد المطلب، وعثمان بن الحُوَيرث، وزيد بن عمرو بن نُفَيل.
 فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء، لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم، ما حَجَر نُطيف به، لا يسمع ولا يُبصر، ولا يضر ولا ينفع! يا قوم التمسوا دينًا لأنفسكم، فإنكم والله ما أنتم على شيء. فتفرّقوا فى البلدان يلتمسون الحنيفية، دين إبراهيم 
ورقة بن نوفل
فأما ورقة بن نوفل فاستحكم فى النصرانية، واتبع الكتب من أهلها، حتى علم علمًا من أهل الكتاب.
 
عبيد الله بن جحش
وأما عبيد الله بن جحش، فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان مُسْلِمة، فلما قدماها تنصّر، وفارق الإسلام، حتى هلك هنالك نصرانيًَّا.
قال ابن إسحاق: فح وهم هنالك من أرض الحبشة، فيقول: فقَّحْنا وصأصأتم، أى أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر، ولم تبصروا بعد. دّثنى محمد بن جعفر بن الزبير، قال: كان عبيد الله بن جحش حين تنصّر  يَمُرّ بأصحاب رسول الله 
وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه للنظر، صأصأ لينظر. وقوله: فقّح: فتح عينيه.
بعده على امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب قال ابن إسحاق: وخَلَف رسول الله 
 خالد بن سعيد بن العاص. أربعمائة دينار، وكان الذى أملكها رسول  بعث فيها إلى النجاشى عمرو بن أُميّة الضَّمْري، فخطبها عليه النجاشي، فزوّجه إياها، وأصدقها عن رسول الله حدّثنى محمد بن على بن الحسين: أن رسول الله 
 
عثمان بن الحويرث
وأما عثمان بن الحُوَيرث فقدم على قيصر ملك الروم، فتنصّر، وحسنت منزلته عنده. 
 
زيد بن عمرو بن نُفيل 
وأما زيد بن عمرو بن نُفَيل فوقف فلم يدخل فى يهودية ولا نصرانية، وفارق دين قومه، فاعتزل الأوثان والمَيْتة والدم والذبائح التى تذبح على الأوثان، ونهى عن قتل الموءودة(2)، وقال: أعبد ربّ إبراهيم، وبادى(3) قومه بعَيْب ما هم عليه.
 


قال ابن إسحاق: وحدّثنى هشام بن عُروة، عن أبيه، عن أمه أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما، قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخًا كبيرًا مُسْنِدًا ظهره إلى الكعبة، وهو يقول: يا معشر قريش، والذى نفس زيد بن عمرو بيده، ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أنى أعلم أى الوجوه أحبّ إليك عبدتك به، ولكن لا أعلمه، ثم يسجد على راحلته. 
: أنستغفر لزيد بن عمرو؟ قال: نعم، فإنه يُبعث أمة وحده.وحُدّثت: أن ابنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعمر بن الخطاب، وهو ابن عمّه، قالا لرسول الله 
وقال زيد بن عمرو فى فراق دين قومه، وما كان لقى منهم فى ذلك:
أربـًّا واحدًا أم ألـف رب             أدين إذا تُقسِّمت الأمـور
عزلت اللات والعُزّى جميعـًا          كذلك يفعل الجَلْد(4) الصَّبور
فـلا العُزّى أدين ولا ابنتيها           ولا صنمـى بن عمرو أزور
ولا غنما(5) أدين وكان ربـًّا         لنا فى الدهر إذ حلمي(6) يسير(7)
ولكن أعبـد الرحمـن ربـى         ليغفر ذنبـى الرب الغفور
فتقـوى الله ربكـم احفظوها        متى ما تحفظوهـا لا تبـوروا
تـرى الأبـرار دارهم جنـان      وللكفـار حامية سـعيـر
وخِزْى فى الحياة وإن يموتوا            يلاقوا ما تضيق به الصدور  



وقال زيد بن عمرو - وقال ابن هشام: هى لأُمية بن أبى الصلت فى قصيدة له، إلا البيتين الأولين والبيت الخامس وآخرها بيتا، وعجز البيت الأول عن غير ابن إسحاق -:
إلى الله أُهْدى مِدْحتى وثنائيا       وقولا رصينًا لا يني(8) الدهر باقيا
إلى الملك الأعلى الذى ليس فوقه             إله ولا رب يكون   مدانيا
ألا أيها الإنسان إياك والرَّدى(9)           فإنـك لا تخفى من الله خافيا
وإياك لا تجـعل مع الله غيره                فإن سبيل الرشد أصبح باديا
حَنانيك(10) إن الجن كانت رجاءهم       وأنت إلهــى ربنا ورجائيا
رضيت بك اللهـم ربـًّا فلن أرى         أدين إلها(11) غيرك الله ثانيا
وأنت الذى من فضل مَنّ ورحمة            بعثت إلى موسى رسولاً مناديا
فقلـت له فاذهب وهارون فادعوا        إلى الله فرعون الذى كان طاغيا
وقولا له: أأنـت سوّيـت هذه(12)      بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا
وقولا له : أأنت رفعت هذه(13)           بلا عمد أرفق إذا بك بانيا(14) 
وقولا له : أأنت سويـت وسطها           منيرًا إذا ما جنّه الليـل هاديا
وقولا له: من يرسل الشمس غدوة         فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا
وقولا له: من ينبت الحبّ فى الثَّرى        فيصبح منه البَقْل يهتز  رابيا(15) 
ويخرج منه حبَّه فى رءوسه                 وفى ذاك آيات لمن كان واعيا
وأنت بفضل منك نجيّت يونسًا           وقد بات فى أضعاف حوت لياليا
وإنى ولو سبّحت باسمك ربنا             لأُكثر، إلا ما غفرت، خطائيا
فربّ العباد ألق سَيْبًا(16) ورحمة      على وبارك فى  بَنى وماليا(17) 
 
قال: وكان زيد بن عمرو قد أجمع الخروج من مكة ليضرب فى الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم، فكانت صَفيّة بنت الحضرمى امرأته كلما رأته قد تهيأ للخروج وأراده، آذنت به الخطّاب بن نُفيل، وكان الخطّاب عمّه وأخاه لأمه، وكان يعاتبه على فراق دين قومه، وكان قد وكَّل صفية به، وقال: إذا رأيتيه قد همّ بأمر فآذنينى به، فقال زيد:
لا  تحبسينى فى   الهوا       ن  صفى ما دابى ودابه(18)
إنى إذا خِفْت الهوا          ن مُشَيّع(19) ذُلُل ركابه



 
وقال ابن إسحاق: وحُدّثت عن بعض أهل زيد بن عمرو بن نفيل: أن زيدًا كان إذا استقبل الكعبة داخل المسجد، قال: لبيك حقًّا حقًّا، تعبّدًا ورِقًّا(20)، عُذت بما عاذ به إبراهيم، مستقبل القبلة وهو قائم، إذ قال: 
أنفى لك اللهم عان(21) راغم(22)       مهما تجشمني(23) فإنى جاشم
البرّ أبغي(24) لا الخال(25) ، ليس مُهجِّر(26) كمن قال(27).
قال ابن إسحاق: وقال زيد بن عمرو:
وأسلمت وجهى لمـن أسلمت      له الأرض تحمل صخرًا ثقالا
دحاها(28) فلما رآها استوت     على الماء أرسى عليها(29) الجبالا
وأسلمت وجهى لمن أسلمت       له المُزْن(30) تحمل عذبًا زُلالا
إذا هى سيقت إلى بلدة            أطاعت فصبَّت عليها سِجالا(31)
 
وكان الخطّاب قد آذى زيدًا، حتى أخرجه إلى أعلى مكة، فنزل حِراء مقابل مكة، ووكّل به الخطّاب شبابًا من شباب قريش وسفهاء من سفهائهم، فقال لهم: لا تتركوه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سرًّا منهم، فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطّاب فأخرجه، وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم، وأن يتابعه أحد منهم على فراقه، فقال وهو يعظّم حُرْمته على من استحلّ منه ما استحلّ من قومه: 
لاهُمَّ إنى مُحْـرِم لا حِلَّهْ(32)               عند الصَّفا ليس بذى مَضلَّهْ
 ويسأل الرهبان والأحبار، حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل فجال الشام كلها، حتى انتهى إلى راهب بميفعة(33) من أرض البلقاء(34) كان ينتهى إليه علم أهل النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم، فقال: إنك لتطلب دينًا ما أنت بواجد مَن يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظلك زمان نبى يخرج من بلادك التى خرجت منها، يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق بها، فإنه مبعوث الآن، هذا زمانه، ثم خرج يطلب دين إبراهيم. 
وقد كان شام اليهودية والنصرانية، فلم يرض شيئًا منهما، فخرج سريعًا، حين قال له ذلك الراهب ما قال، يريد مكة، حتى إذا توسّط بلاد لَخْم عَدَوْا عليه فقتلوه. 
فقال ورقة بن نوفل بن أسد يبكيه:
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما       تجنبت تنّورًا مـن النار حاميا 
بدينـك ربـًّا ليس ربّ كمثله     وتركك أوثان الطواغى كما هيا
وإدراكك الدين الذى قد طلبته     ولم تك عن توحيد ربك ساهيا
فأصبحت فى دار كريم مُقامها        تُعلَّل فيها بالكرامة لاهيا

تلاقى خليل الله فيها ولم تكن من الناس جبّارًا إلى النار هاويا
وقد تدرك الإنسان رحمة ربّه     ولو كان تحت الأرض سبعين واديا
قال ابن هشام : ويروى لأُمَيّة بن أبى الصَّلْت البيتان الأولان منها، وآخرها بيتَا فى قصيدة له، وقوله : أوثان الطواغي، عن غير ابن إسحاق.
****



1- النَّجيّ: الجماعة يتحدثون سرًّا عن غيرهم، ويقع للاثنين والجماعة بلفظ واحد. (شرح السيرة النبوية ص 70).
2- شيء كان يفعله العرب إذا ولدت له بنت دفنها فى التراب أو فى الرمل حيَّة، وأصل وأد أثقل، فسميت الموءودة لأنها أُثقلت بالتراب. (المرجع السابق ص 71).
3- بادى قومه: بغير همز: أظهر، ومن رواه بادأ بالهمز فمعناه ابتدأ. (المرجع السابق ص 71).
4- على هامش النسخة "ب": أى الرجل المحكم القوي.
5- "غنمًا" فى النسختين "أ" و "ب"، وفى المطبوع من "السيرة لابن هشام": "هبلاً " (ط. دار احياء التراث 1/241) و ( ط. الصحابة  1/ 291 ).
6- فى النسخة "ب": حكمي.
7- أسقط الواسطى أربعة أبيات من القصيدة. انظر القصيدة .(السيرة ط. دار احياء التراث 1/241-242).
8- لا يني: أى لا يفتر ولا يضعف. (شرح السيرة النبوية ص 72).
9-  الرَّدى: الهلاك. (المرجع السابق ص 72).
10 - حنانيك: أي: تحنُّنًا بعد تحنن، والحنان: الرحمة والعطف. (المرجع السابق ص 72).
11-  أي: أعبد إلهًا. (المرجع السابق ص 72).
12 -  يعنى الأرض، وأشار إليها للعلم بها. (المرجع السابق ص 72).
13-  يعنى السماء. (المرجع السابق ص 72).
14-  أي: ما أرفقك، على معنى التعجب، كما قال الله تعالى: "أسمع بهم وأبصر". (المرجع السابق ص 72).
15 -  رابيًا: أى ظاهرًا على وجه الأرض. (المرجع السابق ص 72).
16 -  السَّيْب: العطاء والرحمة. (المرجع السابق ص 72).
17 -  القصيدة كلها ساقطة فى النسخة "ب".
18 - الدأب: العادة، فسهل هنا همزته بسبب القافية. (شرح السيرة النبوية ص 73).
19- مشيع: هو الجرئ الشجاع. والذلل: السهلة التى قد ارتاضت. (المرجع السابق ص 73).
20- الرق: العبودية. (المرجع السابق ص 73).
21- عان: أسير.(المرجع السابق ص 73).
22- راغم: متذلل. (المرجع السابق ص 73).
23- على هامش "ب" : أى تُكلفني.
24- كتب ناسخ "ب": "البر أبقى"، ثم كتب: "ويقال: البر أبغى ". وجاء فى "السيرة لابن هشام": "البر أبغى لا الخال" ثم قال ابن هشام: ويقال: البر أبقى لا الخال. (ط. دار احياء التراث 1/245-246).
25 - الخال : الخُيَلاء والتَّكبّر. ( شرح السيرة النبوية ص 74).
26- المُهَجِر: الذى يسير فى المهاجرة، أى القائلة. (المرجع السابق ص 74).
27 - أى كمن استراح فى القائلة ولم يَسِر. (المرجع السابق ص 74).
28 - دحاها: أى بسطها. (شرح السيرة النبوية ص 74).
29 - أي: أثبتها عليها وثقّلها بها. (المرجع السابق ص 74).
30- المُزْن: السحاب ، وقال بعضهم: هو السحاب الأبيض. (المرجع السابق ص 74).
31- سِجال: جمع سَجْل وهو الدلو المملوءة ماء،فاستعارها لكثرة المطر. (المرجع السابق ص 74).
32- أراد أهل الحِلّ وهو ما خرج عن الحرم، والحِلّة والحِلّ: المنزل. (شرح السيرة النبوية ص 74).
33 - ميفعة: موضع ، وأصله الموضع المرتفع من البقاع، وهو ما ارتفع من الأرض. (شرح السيرة النبوية ص 74).
34- البلقاء: إقليم من أرض الشام فى الأردن. (معجم المعالم الجغرافية ص 49).

اقرأ ايضاً

(30 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع