تراث

من مخطوطة "مختصر السيرة للواسطي"..

3- بناء قريش الكعبة.. والحج في الجاهلية

قام الشيخ عماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطى (657 هـ- 711هـ) بتهذيب كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ووضع "مختصر السيرة النبوية" الذى التزم فيه بما ذكره فى مقدمة كتابه من حيث تسهيل السيرة النبوية على قارئها، حيث حذف منها الحشو الزائد فى الكلام والروايات المتكررة، حتى أصبح النص رشيقًا سهلاً على قارئه، ولم يتدخل الواسطى فى النص الأصلى إلا فى حدود وجيزة جدًا، وقد أشرنا إلى ذلك فى أثناء تحقيقنا للمخطوطة، ونعرض هنا لمختارات أخرى من "مختصر السيرة النبوية للواسطي" بعدما عرضنا ترجمة الواسطى فى المقال الأول، ومولد النبى وطفولته وزواجه فى المقال الثاني.
 


بناء قريش الكعبة وتسقيفها
قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله عليه الصلاة والسلام خمسًا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمّون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها، وإنما كانت رَضْمًا(1) فوق القامة(2) ، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جُدّة لرجل من تجار الروم، فتحطّمت، فأخذوا خشبها(3) ، فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطى نجار(4)، فتهيأ لهم فى أنفسهم بعض ما يصلحها.
 
وكانت حيَّة تخرج من بئر الكعبة التى كان يُطْرح فيها ما يُهدى لها كل يوم، فتتشرّق(5) على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احْزألتوكَشّت(6) وفتحت فاها، وكانوا يهابونها. فبينا هى يومًا تتشرّق(7) على جدار الكعبة، كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائرًا فاختطفها، فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضى ما أردنا، عندنا عامل رفيق(8)، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحيَّة، فلما أجمعوا أمرهم فى هدمها وبنائها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم -قال ابن هشام: عائذ بن عمران بن مخزوم- فتناول من الكعبة حجرًا، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا فى بنيانها من كسبكم إلا طيّبًا، لا يدخل فيها مَهْر بغيّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.
وأبو وهب خال أبى رسول الله عليه الصلاة والسلام .
 
ثم إن الناس هابوا هدمها وفرِقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم فى هدمها، فأخذ المِعول،ثم قام عليها، وهو يقول: اللهم لم تُرَع(9) - قال ابن هشام: ويقال: لم نزغ - اللهم إنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أُصيب لم نهدم منها شيئًا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء، فقد رضى الله ما صنعنا، هدمنا.
فأصبح الوليد من ليلته غاديًا على عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس، أساس إبراهيم ، أفضوا إلى حجارة خُضر كالأسنمة(10) آخذ بعضها ببعض.
فحدّثنى بعض من يروى ىالحديث: أن رجلاً من قريش ممن كان يهدمها، أدخل عَتلة(11) بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرّك الحجر تَنَقَّضت(12) مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس.
 


وحُدّثت: أن قريشًا وجدوا فى الركن كتابًا بالسريانية، فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا هو: أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السموات والأرض، وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، لا تزول حتى يزول أخشباها(13) ، مبارك لأهلها فى الماء واللبن.
 
وزعم ليث بن أبى سليم أنهم وجدوا حجرًا فى الكعبة قبل مبعث النبى عليه الصلاة والسلام بأربعين سنة مكتوبًا فيه:من يزرع خيرًا يحصد غبطة، ومن يزرع شرًّا يحصد ندامة، تعملون السيئات، وتجزون الحسنات، أجل! كما لا يجتنى من الشوك العنب.
 
حكمه عليه الصلاة والسلام بين قريش حين اختصموا فى موضع الركن
قال: ثم إن قريشًا جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حِدَة، ثم بَنَوْها، حتى بلغ البنيان موضع الركن(14) ، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوزوا(15) وتحالفوا، وأعدّوا للقتال، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسًا، ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد وتناصفوا.
 
فزعم بعض أهل الرواية: أن أبا أُمية بن المُغيرة، وكان عامئذ أسنّ قريش كلها، فقال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول مَن يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم فيه، ففعلوا. فكان أول داخل عليهم رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال عليه الصلاة والسلام : هلموا إلىّ ثوبًا، فأُتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا. ففعلوا،حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده،ثم بنى عليه.
وكانت قريش تسمى رسول الله عليه الصلاة والسلام قبل أن ينزل عليه الوحي: الأمين.
 


ابتداعهم أمر الحُمْس من الضلالة
قال ابن إسحاق: وقد كانت قريش - لا أدرى أقبل الفيل أم بعده - ابتدعت أمر الحُمْس (16) رأيًا رأوه، فقالوا: نـحن بنو إبراهيم وأهل الحُرمة، وولاة البيت، وقاطن مكة وساكنها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئًا من الحل كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم.
 
وقالوا: قد عظّموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم، فتركوا الوقوف على عرفة، والإفاضة منها، وهم يعرفون ويُقرّون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم u، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، و أن يُفيضوا منها، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذى لهم، بولادتهم إياهم يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم.
 
وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم فى ذلك، ثم ابتدعوا فى ذلك أمورًالم تكن لهم، حتى قالوا: لا ينبغى للحُمْس - والحُمْس أهل الحرم - أن يأتقطوا الأقط(17)، ولا يسلئوا السَّمْن(18) وهم حُرُم، ولا يدخلوا بيتًا من شَعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا فى بيوت الأَدَم(19) ما كانوا حُرُمًا.
ثم رفعوا فى ذلك، فقالوا: لا ينبغى لأهل الحِل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم، إذا جاءوا حُجّاجًا أو عُمّارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا فى ثياب الحُمْس، فإن لم يجدوا منها شيئًا طافوا بالبيت عُراة، فإن تكرّم منهم مُتكرِّم من رجل أو امرأة، ولم يجدوا ثياب أحمس، فطاف فى ثيابه التى جاء بها من الحل، ألقاها إذا فرغ من طوافه، ثم لم ينتفع بها، ولم يمسها هو، ولا أحد غيره أبدًا(20)، فحملوا على ذلك العرب،فدانت به، ووقفوا على عرفات، وأفاضوا منها، وطافوا بالبيت عُراة، وأما الرجال فيطوفون عُراة، وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها إلا دِرْعًا مُفَرّجًا(21) عليها، ثم تطوف فيه.
 


فقالت امرأة من العرب، وهى كذلك تطوف بالبيت:
اليـوم يبـدو بعضه أو كله وما بـدا منه فلا أُحِلـّه
فكانوا كذلك حتى بعث الله تعالى محمدًا عليه الصلاة والسلام ، فأنزل عليه حين أحكم له دينه، وشرع له سُنن حجّه: "ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم" سورة البقرة 199. يعنى قريشًا. والناس: العرب، فرفعهم فى سنّة الحج إلى عرفات والوقوف عليها والإفاضة منها.
 
وأنزل الله عليه فيما كانوا حرّموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت حين طافوا عُراة، وحرّموا ما جاءوا به من الحل من الطعام: "يابنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين* قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق"سورة الأعراف 31-32.
 
وحدّثنى عبدالله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم عن عثمان بن أبى سليمان بن جُبير بن مُطْعِم، عن عمّه نافع بن جُبير، عن أبيه جُبير بن مُطْعِم، قال: لقد رأيت رسول الله عليه الصلاة والسلام قبل أن ينزل عليه الوحي، وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها، توفيقًا من الله له عليه الصلاة والسلام وشرف وكرم.



الهوامش
 - الرضم: صخور عظام الواحدة رضمة، وبنى داره بالرضام، وبناء رضيم: مبنى بالصخر، وبنى بناء قد رضم فيه الحجارة: وضع بعضها فوق بعض. (أساس البلاغة 2/346 ).
2- قوله: "فوق القامة" كلام غير مبين لمقدار ارتفاعها إذ ذاك، وذكر غيره أنها كانت تسع أذرع من عهد إسماعيل، ولم يكن لها سقف، فلما بنتها قريش قبل الإسلام زادوا فيها تسع أذرع، فكانت ثمان عشرة ذراعًا، ورفعوا بابها عن الأرض، فكان لا يصعد إليها إلا فى درج أو سلم". (الروض الأنف 1/336). 
3- قال ابن سعد: " خرج الوليد بن المغيرة فى نفر من قريش إلى السفينة فابتاعوا خشبها". (الطبقات الكبير 1/120).
4- فى النسخة "أ" من المخطوطة: رجل نجار قبطي.
5-فى "أ": "فتشرق"، وفى "ب" : "فتشرف". وفى المتن "فتتشرق" من "السيرة لابن هشام" (ط. دار احياء التراث 1/205) و (ط. الصحابة 1/248). وقوله: فتتشرّق على جدار الكعبة: أى تبرز للشمس، يقال: تشرَّقْتُ إذا قعدت للشمس لا يحجبك عنها شيء. (شرح السيرة النبوية ص 63). 
6- فى "أ": "احزألت" كما فى "السيرة" (ط. دار إحياء التراث 1/205) و (ط. الصحابة 1/249).
وفى "ب" "اخزألت". أي: رفعت ذَنَبَها، والمخزئل: المرتفع. وكَشَّت: صوّتت، ويقال: الكشيش صوت جلدها إذا تقبض بعضه فى بعض. (شرح السيرة النبوية ص 63). 
7-فى "أ": "تشرق"، وفى "ب": "تشرف". وفى المتن "تتشرق" من "السيرة لابن هشام" (ط. دار احياء التراث 1/205) و (ط. الصحابة 1/249).
8-يقال أن اسم هذا العامل "ياقوم"، ذكره قاسم بن ثابت والخطابي. (شرح السيرة النبوية ص 63). 
9- قال السهيلي: "وهى كلمة تقال عند تسكين الروع والتأنيس وإظهار اللين والبر فى القول، ولا روع فى هذا الموطن فينفى، ولكن الكلمة تقتضى إظهار قصد البر". ( الروض الأنف 1/344 ).
10-  الأسنمة: جمع سنام وهو أعلى الظهر، وأراد أن الحجارة دخل بعضها فى بعض كما تدخل عظام السنام بعضها فى بعض فشبّهها بها، ومَن رواه كالأسنة فهو جمع سِنان الرمح شبّهها بالأسنة فى الخضرة. (شرح السيرة النبوية ص 64).
11-  العَتَلَة: عمود قصير من الحديد له رأس عريض يهدم به الحائط، ويقلع به الشجر والحجر. (المعجم الوسيط 2/583).
12-  أي: اهتزّت. (شرح السيرة النبوية ص 64).
13- قال ابن هشام: أخشباها: جبلاها. السيرة ( ط. الصحابة 1/252 ).
14- يعنى بالركن هنا الحجر الأسود وسمّى رُكنًا لأنه مبنى فى الركن. (شرح السيرة النبوية ص 64).
15- تحاوزوا: أى انحازت كل قبيلة إلى جهة. (شرح السيرة النبوية ص 64).
16- الحمس: التشدد، وكانوا قد ذهبوا فى ذلك مذهب التزهد والتأله. (الروض الأنف 1/348).
17- الأقط: هو شيء يصنع من اللبن ويجفف فيوكل، ويقال إنما يصنع من اللبن الحامض خاصة. (شرح السيرة النبوية ص 67).
18- أى لا يذيبوا الزُّبْد ويصيروه سمنًا. (شرح السيرة النبوية ص 67).
19- الأَدَم: الأخبية التى تُصنع من الجلد. (شرح السيرة النبوية ص 67).
20-"فكانت العرب تسمى تلك الثياب اللَّقى". السيرة لابن هشام (ط. دار احياء التراث 1/215).
21- وقوله: إلا درعا مفرجا، المُفَرَّج المشقوق من قُدام أو خَلْف. (شرح السيرة النبوية ص 67).

(32 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع