تراث

من مخطوطة "مختصر السيرة للواسطي"..

17- حصار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وخبر الصحيفة

قام الشيخ عماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطي (657 هـ- 711هـ) بتهذيب كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ووضع "مختصر السيرة النبوية" الذى التزم فيه بما ذكره في مقدمة كتابه من حيث تسهيل السيرة النبوية على قارئها، حيث حذف منها الحشو الزائد في الكلام والروايات المتكررة، حتى أصبح النص رشيقًا سهلاً على قارئه، ولم يتدخل الواسطي في النص الأصلي إلا في حدود وجيزة جدًا، وقد أشرنا إلى ذلك في أثناء تحقيقنا للمخطوطة، ونعرض هنا لمختارات أخرى من "مختصر السيرة النبوية للواسطي" بعدما عرضنا ترجمة الواسطي في المقال الأول، ومولد النبي صلي الله عليه وسلم وطفولته وزواجه في المقال الثاني، وبناء قريش الكعبة والحج في الجاهلية في المقال الثالث، والحنفاء الأربعة في الجاهلية في المقال الرابع، ونزول الوحي ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في المقال الخامس، وانتصار أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم في المقال السابع، وإيذاء قريش للنبي في المقال الثامن، وقصة أشراف قريش مع النبي في المقال التاسع، وحديث الإسراء إلى بيت المقدس في المقال العاشر، وقصة المعراج وما شاهد فيه النبي من الآيات في المقال الحادي عشر، وأول من جهر بالقرآن بمكة واستماع قريش إلى قراءة النبي في المقال الثاني عشر، وقصة تعذيب قريش للمؤمنين في المقال الثالث عشر، والهجرة الأولى إلى الحبشة وأسماء المهاجرين في المقال الرابع عشر، وقصة بعث قريش إلى النجاشى فى طلب المهاجرين في المقال الخامس عشر، وقصة إسلام عمر بن الخطاب في المقال السادس عشر.
 


ذكر ائتمار قريش وتعاقدهم على بنى هاشم والمطلب
وأمر الصحيفة وما أصاب رسول الله وقومه من الضر في الشِّعب
قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدًا أصابوا فيه أمنًا وقرارًا، وأن النجاشي قد منع مَنْ لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم، و بني المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علَّقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصَي - قال ابن هشام: ويقال: النضر بن الحارث(1) - فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشُلّ بعض أصابعه.
قال ابن إسحاق: فلما فعلت ذلك قريش انـحازت(2) بنو هاشم و بنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب، فدخلوا معه في شِعْبه واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب، إلى قريش فظاهرهم(3).
وحدّثني حسين(4) بن عبد الله: أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة بن ربيعة، حين فارق قومه، وظاهر عليهم قريشًا، فقال: يا ابنة عتبة، هل نصرتِ اللات والعزى، وفارقتِ مَنْ فارقهما وظاهر عليهما؟ قالت: نعم، فجزاك الله خيرًا يا أبا عتبة.
قال ابن إسحاق: وحُدثت أنه كان يقول فى بعض ما يقول: يعدني محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يدي بعد ذلك؟ ثم ينفخ في يديه ويقول: تبًا لكما، ما أرى فيكما شيئًا مما يقول محمد، فأنزل الله تعالى فيه: "تبت يدا أبي لهب وتب". السورة.
قال ابن هشام: تبت: خسرت. والتباب: الخسار(5). 
 


قال ابن إسحاق: فلما اجتمعت على ذلك قريش، وصنعوا فيه الذي صنعوا،  قال أبو طالب:
ألا أبلغا عني ذات بيننا * لؤيًّا وخُصًّا من لؤي بني كعب
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدًا * نبيًّا كموسى خُطّ في أول الكُتب
وأن عليه في العباد محبة * ولا خير ممن خصَّه الله بالحب 
وأن الذي لصقتم من كتابكم * لكم كائن نحسًا كراغية السَّقْب (6)
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى * ويصبح من لم يجن ذنبًا كذي الذَّنْب
وتستجلبوا حَربًا عَوانًا وربما * أمر على من ذاقه جَلب الحرب
فلسنا ورب البيت نُسلم أحمدا * لعزاَّء من عض الزمان ولا كَرْب 
ولما تبن منا ومنكم سوالف * وأيد أُترّت (7) بالقساسية (8)  الشهب
إلى آخر القصيدة (9).
 


قال: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا، حتى جُهِدوا لا يصل إليهم شيء، إلا سرًّا مستخفيًا به مَنْ أراد صلتهم من قريش.
وقد كان أبو جهل بن هشام - فيما يذكرون- لقي حكيم بن حزام بن خويلد، معه غلام يحمل قمحًا يريد به عمّته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه في الشِّعب، فتعلّق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ (والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة.
فجاءه أبو البختري بن هشام)(10) ابن الحارث بن أسد، فقال: ما لك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختري: طعامٌ كان لعمّته عنده بعثت إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها! خلِّ سبيل الرجل، فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لَحْي بعير فضربه به فشجه، ووطئه وطْأً شديدًا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فيشمتوا بهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك يدعو قومه ليلاً ونهارًا، سرًّا وجهارًا، مباديًا بأمر الله لا يتقي فيه أحدًا من الناس.
 


قصة نقض الصحيفة ومن قام بذلك
قال ابن إسحاق: وبنو هاشم وبنو المطلب في منـزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التي كتبوها، ثم إنه قام في نقض تلك الصحيفة نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن الحارث(11) بن حبيب(12) بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، ذلك أنه كان ابن أخي نضلة ابن هاشم بن عبد مناف لأمه، وكان هشام لبني هاشم واصلاً(13)، وكان ذا شرف في قومه، فكان - فيما بلغني - يأتي بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشِّعب ليلاً، قد أوْقره طعامًا، حتى إذا أقبله فم الشِّعب خلع خِطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه، فيدخل الشِّعب عليهم، ويأتي به قد أوقره برًّا، فيفعل به مثل ذلك.
ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت، لا يُباعون ولا يُبتاع منهم، ولا يَنكحون ولا يُنكح إليهم؟ أما إني أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام، ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدًا. فقال: ويحك يا هشام، فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها، قال: قد وجدت رجلاً، قال: من هو؟ قال: أنا، قال له زهير: أبغنا ثالثًا.
فذهب إلى المطعم بن عدي، فقال له: يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه، أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعًا، قال: ويحك، فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، قال: قد وجدت ثانيًا، قال: مَنْ هو؟ قال: أنا، فقال: أبغنا ثالثا، قال: قد فعلت، قال: مَنْ هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: أبغنا رابعًا.
 


فذهب إلى أبي البختري بن هشام، فقال له نحوًا مما قال للمطعم بن عدي، فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم، قال: ومَنْ هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال: أبغنا خامسًا.
فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلّمه، فذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمّى له القوم.
فاتعدوا خطم الحجون(14) ليلاً بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، وأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم، فأكون أول مَنْ يتكلم.
فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أمية عليه حُلّة، فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تُشق هذه الصحيفة الظالمة القاطعة.
قال أبو جهل، وكان في ناحية المسجد: كذبت والله لا تُشق، قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حيث كتبت، قال أبو البختري: صدق زمعة، لا نرضى ما كُتب فيها، ولا نُقرّ به، قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب مَنْ قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كُتب فيها، قال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك.
فقال أبو جهل: هذا أمر قُضي بليلٍ ، تُشُووِرَ فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، وقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها، إلا "باسمك اللهم"، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة، فشُلّت يده فيما يزعمون.
 


قال ابن هشام: وذكر بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب: يا عم، إن الله ربي قد سلّط الأرضة على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسمًا لله إلا أثبتته، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان. فقال: أربك أخبرك بهذا؟ قال: نعم، قال : فو الله ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إلى قريش، فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم، فإن كانت كما قال، فانتهوا عن قطيعتنا، وانزلوا عما فيها، وإن يكن كاذبًا دفعت إليكم ابن أخي. فقال القوم: رضينا، فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا، فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزادهم ذلك شرًّا. فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا.
قال ابن إسحاق: فلما مُزّقت الصحيفة بطل ما فيها، فقال أبو طالب، فيما كان من أمر الذين قاموا في نقض الصحيفة قصيدته التي أولها:
ألا هل أتى بَحْريّنا(15) صُنع ربنا * على نأيهم والله بالناس أرود(16)
فيخبرهم أن الصحيفة مُزِّقت  *  وأن كل ما لم يرضه الله مفسد
منها:
جزى الله رهطا بالحجون تبايعوا * على ملأ يهدي لحزم ويُرشد
قعودا لدى خطم الحجون كأنهم * مقاولة(17) بل هم أعز وأمجد
أعان عليها كل صقر كأنه * إذا ما مشى في رفرف الدرع أجرد(18)
منها:
قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا * على مهل وسائر الناس رُقَّد
هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا* وسُرّ أبو بكر بها ومحمد
منها : 
فيا لقُصي هل لكم في نفوسكم * وهل لكم فيما يجىء به غد
فإني وإياكم كما قال قائل  * لديك البيان لو تكلمت أسود(19)
وقال حسان بن ثابت : يبكي المطعم بن عدي حين مات، ويذكر قيامه في نقض الصحيفة:
أعين فابكي سيد الناس واسفحي * بدمع وإن أنزفته فاسكبي الدما(20)
وبكِّي عظيم المشعرين كليهما * على الناس معروفًا له ما تكلّما
فلو كان مجدٌ يُخلد الدهر واحدًا * من الناس أبقى مجده اليوم مطعما
أجرت رسول الله منهم فأصبحوا * عبيدك ما لبى مُهِلٌّ وأحرما
إلى آخر الأبيات.
ـــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1- قال ابن كثير: "والمشهور أنه منصور بن عكرمة، كما ذكره ابن إسحاق، وهو الذى شلت يده فما كان ينتفع بها، وكانت قريش تقول بينها: انظرا إلى منصور بن عكرمة". (البداية والنهاية 3/ 134).
2- على هامش النسخة  "ب" : اجتمعت.
3- على هامش "ب": عاونهم.
4- في النسخة "أ": حصين، وفى المتن هنا من "ب" وكما فى السيرة أيضًا (ط. الصحابة 1/ 440) و (البداية والنهاية 3/134).
5- "والتباب: الخسار": فى النسخة "أ" فقط".
6- كراغية السَّقْب: هو من الرُّغا وهو أصوات الإبل، والسَّقْب ولد الناقة، وأراد به هاهنا ولد ناقة صالح عليه السلام، وأواصر أسباب القرابة والمودة. (شرح السيرة النبوية ص 104).
7- أُترّت: قُطعت. (شرح السيرة النبوية ص 105).
8- القساسية: السيوف، نسبها إلى قساس، وهو معدن حديد لبني أسد. ( الروض الأنف2/133).
9- القصيدة بطولها فى السيرة (ط. الصحابة 1/ 441-443). وانظر شرحها في (الروض الأنف 2/131 -134).
10- ما بين القوسين ساقط في النسخة "أ"،  وقد حدث تداخل في "أ" في جملة: "أتذهب بالطعام إلى بنى هاشم بن الحارث بن أسد".
11- ورداسمه هكذا في "أ"، وكذلك في (البداية والنهاية 3/143)، وجاء في "ب": هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب. وأيضًا في السيرة (ط. الصحابة 1/ 469).
12- في السيرة: ابن نصر بن جذيمة. (ط التوفيقية 1/ 345).
13- في "أ": فى "ب" : مواصلاً.
14- هي الثنية التى تفضى على مقبرة المعلاة، والمقبرة عن يمينها وشمالها مما يلي الأبطح، تسمى الثنية اليوم "ريع الحجول". (معجم المعالم الجغرافية في السيرة ص 94).
15- البحري هنا يريد به من كان هاجر من المسلمين إلى الحبشة في البحر. (شرح السيرة النبوية ص 108).
16- أرود: معناه أرفق. (المرجع السابق ص 108). 
17- المقاولة: الملوك. (المرجع السابق ص 109).
18- أجرد: جاءت هكذا في النسختين، وفي السيرة: أحرد. (ط. الصحابة 1/ 474)، ولم يذكر في "ب" إلا تلك الأبيات فقط، والقصيدة بطولها في السيرة (ط. الصحابة 1/472-475).
ورفرف الدرع: ما فضل من درعها، وأجرد بُطء المشي لثقل الدرع الذي عليه. (شرح السيرة النبوية ص 109).
19- أسود هنا اسم رجل، وأراد يا أسود وهو مثل يضرب للقادر على الشيء ولا يفعله. (شرح السيرة النبوية ص 109).
وانظر شرح الأبيات في (الروض الأنف 2/163-166).
20- اسفحي: أي أسيلي. وقوله "وإن أنزفته". أي أنفذته. (شرح السيرة النبوية ص 109).

(51 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع