تراث

من مخطوطة "مختصر السيرة للواسطي"..

15- قصة بعث قريش إلى النجاشى فى طلب المهاجرين

قام الشيخ عماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطى (657 هـ- 711هـ) بتهذيب كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ووضع "مختصر السيرة النبوية" الذى التزم فيه بما ذكره فى مقدمة كتابه من حيث تسهيل السيرة النبوية على قارئها، حيث حذف منها الحشو الزائد فى الكلام والروايات المتكررة، حتى أصبح النص رشيقًا سهلاً على قارئه، ولم يتدخل الواسطى فى النص الأصلى إلا فى حدود وجيزة جدًا، وقد أشرنا إلى ذلك فى أثناء تحقيقنا للمخطوطة، ونعرض هنا لمختارات أخرى من "مختصر السيرة النبوية للواسطي" بعدما عرضنا ترجمة الواسطى فى المقال الأول، ومولد النبى صلى الله عليه وسلم وطفولته وزواجه فى المقال الثاني، وبناء قريش الكعبة والحج فى الجاهلية فى المقال الثالث، والحنفاء الأربعة فى الجاهلية فى المقال الرابع، ونزول الوحى ومبعث النبى صلى الله عليه وسلم فى رمضان فى المقال الخامس، وانتصار أبى طالب للنبى صلى الله عليه وسلم فى المقال السابع، وإيذاء قريش للنبى فى المقال الثامن، وقصة أشراف قريش مع النبى فى المقال التاسع، وحديث الإسراء إلى بيت المقدس فى المقال العاشر، وقصة المعراج وما شاهد فيه النبى من الآيات فى المقال الحادى عشر، وأول من جهر بالقرآن بمكة واستماع قريش إلى قراءة النبى فى المقال الثانى عشر، وقصة تعذيب قريش للمؤمنين فى المقال الثالث عشر، والهجرة الأولى إلى الحبشة وأسماء المهاجرين فى المقال الرابع عشر.
 


قصة بعث قريش إلى النجاشى فى المهاجرين رضى الله عنهم أجمعين..
قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارًا وقرارًا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جَلْدين(1) إلى النجاشي، فيردهم عليهم، ليفتنوهم فى دينهم، ويخرجوهم من ديارهم، التى اطمأنوا بها وأمنوا فيها، فبعثوا عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص بن وائل، وجمعوا لهما هدايا للنجاشى ولبطارقته،      ثم بعثوهما إليه(2).
فقال أبو طالب - حين رأى ذلك من رأيهم وما بعثوهما فيه - أبياتًا للنجاشى يحضّه على حُسْن جوارهم والدفع عنهم:
ألا ليت شعرى كيف فى النأي(3) جعفرٌ * وعمرو وأعداء العدو الأقارب
وهل نالت أفعال النجاشى جعفرًا  *  وأصحابه أو عاق ذلك شاغب(4)
تعلم أبيت اللعن أنك ماجدٌ      *   كريمٌ فلا يَشقى لديك المُجانب(5)
تعلم بأن الله زادك بسطة      *   وأسباب خيرٍ كلها بلك لازب
وأنك فيضٌ ذو سجال غزيرة    *   ينال الأعادى نفعها والأقارب(6)
قال ابن إسحاق: حدَّثنى محمد بن مسلم الزهرى عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم قالت: لما نزلنا(7) أرض الحبشة، جاورنا بها(8) خيرَ جارٍ النجاشي، أمِنّا على ديننا، وعبدنا الله تبارك وتعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي(9) فينا رجلين منهم جليدين(10)، وأن يُهدوا للنجاشى هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدَم(11)، فجمعوا له أدَمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بِطْريقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبى ربيعة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمى(12) ، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تُكلّما النجاشى فيهم، ثم قدِّما إلى النجاشى هداياه، ثم سلاه أن يُسَلّمهم إليكما قبل أن يُكلّمهم.



قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونـحن عنده بخير دار، وعند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يُكلّما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى(13) إلى بلد الملك منا غِلْمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نـحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم(14)، فقالوا لهما: نعم.
ثم إنهما قدما هداياهما إلى النجاشى فقبلها منهما، ثم كلّماه فقالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منّا غِلْمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نـحن ولا أنت(15)، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا ، وأعلم بما عابوا عليهم(16) وعاتبوهم فيه.
قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبى ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي، قالت: فقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. قالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لاها الله(17)، إذًا لا أُسلمهم إليهما أبدًا(18)، ولا يكاد قوم جاوروني، ونزلوا بلادي، واختارونى على مَن سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان الرجلان(19) فى أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.


قصة إحضار النجاشى المهاجرين وسؤالهم عن دينهم وجوابهم عن ذلك
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول : والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنًا فى ذلك ما هو كائن. فلما جاءوا، وقد دعا النجاشى أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال لهم: ما هذا الدين الذى قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به فى ديني، ولا فى دين أحد من هذه الملل؟ قالت: فكان الذى كلّمه جعفر بن أبى طالب، فقال له: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوى الضعيف، فكنّا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحُسْن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت : فعدّد عليه أمور الإسلام - فصدّقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، ولم نشرك به شيئًا، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذّبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على مَنْ سواك، ورغبنا فى جوارك، ورجونا أن لا نُظلم عندك أيها الملك. 
قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم.. فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ، قالت: فقرأ صدرًا من: "كهيعص". قالت: فبكى والله النجاشى حتى اخضلّت(20) لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلا عليهم.
ثم قال لهم النجاشي: إن هذا والذى جاء به عيسى ليخرج من مشكاة(21) واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون(22).
 


مقالة المهاجرين فى عيسى بن مريم عليه السلام عند النجاشى
قالت: فلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدًا عنهم بما أستأصل به خضراءهم(23)، قالت: فقال له عبد الله بن أبى ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبدٌ. قالت: ثم غدا عليه الغد فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون فى عيسى بن مريم قولاً عظيمًا، فأرسِل إليهم فسَلْهم عما يقولون فيه.
قالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه. قالت: ولم ينـزل بنا مثلها قط. فاجتمع القوم، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون فى عيسى بن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله ما قال الله، وما جاءنا(24) به نبينا، كائنًا فى ذلك ما هو كائن.
قالت: فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون فى عيسى بن مريم؟ قالت: فقال له جعفر بن أبى طالب: نقول فيه الذى جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، يقول: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذارء البتول. قالت: فضرب النجاشى بيده إلى الأرض، فأخذ منها عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود. قالت : فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم شيوم بأرضى - والشيوم: الآمنون- من سبكم غرم، ثم قال: من سبكم غرم، ثم قال: من سبكم غرم، ما أحب أن لى دَبرًا من ذهب، وأنى آذيت رجلاً منكم - قال ابن هشام: ويقال: دبرى من ذهب، ويقال : فأنتم سيوم، والدبر: بلسان الحبشة: الجبل - ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لى بها، فو الله ما أخذ الله منى الرشوة حين ردّ على ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فى فأطيعهم فيه.
قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار، مع خير جار.
قالت : فو الله إنّا لعلى ذلك، إذ نزل به رجلٌ من الحبشة ينازعه فى ملكه. قالت: فو الله ما علمتنا حَزِنًا حزنا قط كان أشد علينا من حُزنٍ حَزِناه عند ذلك، تخوفًا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي، فيأتى رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشى يَعرف منه.
قالت: وسار إليه النجاشي، وبينهما عرض النيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزبـير بن العوام: أنا، قالوا: فأنت، وكان من أحدث القوم سنًّا. قالت: فنفخوا له قِربة فجعلها فى صدره، ثم سَبَح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التى بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم. قالت: فدعونا الله تعالى للنجاشى بالظهور على عدوه، والتمكين له فى بلاده. قالت: فو الله إنّا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن، إذ طلع الزبير وهو يسعى، فلمع(25) بثوبه وهو يقول: ألا أبشروا، فقد ظهر(26) النجاشي، وأهلك الله عدوه، قالت: فو الله ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها. قالت: ورجع النجاشي، وقد أهلك الله عدوه، ومكّن له فى بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة(27)، فكنا عنده فى خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة. 
 


قصة ابتداء تملك النجاشى على الحبشة رضى الله تعالى عنه
قال الزهري: فحدّثتُ عروة بن الزبير حديث أبى بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم فقال: هل تدرى ما قوله: ما أخذ الله منى الرشوة حين ردّ على ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فى فأطيع الناس فيه؟ قال: قلت: لا، قال: فإن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها حدّثتنى أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولدٌ إلا النجاشي، وكان للنجاشى عمّ، له من صُلبه اثنا عشر رجلاً، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها: لو أنّا قتلنا أبا النجاشى وملّكنا أخاه، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صُلبه اثنى عشر رجلاً، فتوارثوا ملكه من بعده، بقيت الحبشة من بعده دهرًا، فغدوا على أبى النجاشى فقتلوه، وملّكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حينًا. ونشأ النجاشى مع عمه، وكان لبيبًا حازمًا من الرجال، فغلب على أمر عمه، ونزل منه بكل منـزلة، فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها: والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه، وإنا لنتخوف أن يملّكه علينا، فإن ملّكه علينا ليقتلنا أجمعين، لقد عرف أنّا نحن قتلنا أباه. فمشوا إلى عمه فقالوا: إما أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خفناه على أنفسنا، قال: ويلكم! قتلت أباه بالأمس، وأقتله اليوم! بل أخرجه من بلادكم.



قالت: فخرجوا به إلى السوق، فباعوه من رجل من التجار بستمائة درهم، فقذفه فى سفينة فانطلق به، حتى إذا كان العشى من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته. قالت: ففزعت الحبشة إلى ولده، فإذا هو محمق(28)، ليس فى ولده خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك، قال بعضهم لبعض: تعلموا والله أن ملككم الذى لا يقيم أمركم غيره للذى بِعْتم غدوة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه الآن.
قالت: فخرجوا فى طلبه، وطلب الرجل الذى باعوه منه حتى أدركوه، فأخذوه منه، ثم جاءوا به، فعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، وملّكوه. فجاءهم التاجر الذى كانوا باعوه منه، فقال: إما أن تعطونى مالي، وإما أن أكلّمه فى ذلك؟ قالوا: لا نعطيك شيئًا، قال: إذًا والله أكلّمه، قالوا: فدونك وإياه.
قالت: فجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعت غلامًا من قوم بالسوق بستمائة درهم، فأسلموا إلى غلامى وأخذوا دراهمي، حتى إذا سِرْت بغلامى أدركونى ، فأخذوا غلامي، ومنعونى دراهمي.
قالت: فقال لهم النجاشى : لتُعْطُنّه دراهمه، أو ليضعن غلامه يده فى يده، فليذهبن به حيث شاء؛ قالوا: بل نعطيه دراهمه.
قالت: فلذلك قال: ما أخذ الله منى الرشوة حين ردّ على ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فى فأطيع الناس فيه. قالت: وكان ذلك أول ما خُبر من صلابته فى دينه، وعدله فى حكمه.
قال: وحدثنى يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضى الله عنها قالت: لما مات النجاشي، كان يتحدث أنه لا يزال يُرى على قبره نور.
 


خروج الحبشة على النجاشى
قال: وحدثنى جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك قد فارقت ديننا، وخرجوا عليه. فأرسل إلى جعفر وأصحابه، فهيأ لهم سُفنًا، وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا، ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى بن مريم عبده ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم عمد إلى قبائه فجعله عند منكبه الأيمن، وخرج إلى الحبشة، وصفّوا له، فقال: يا معشر الحبشة، ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى، قال: فكيف رأيتم سيرتى فيكم؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبدٌ، قال: فما تقولون أنتم فى عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله. فقال النجاشي، ووضع يده على صدره على قبائه وهو يشهد أن عيسى(29)، لم يزد على هذا شيئًا، وإنما يعنى ما كتب، فرضوا وانصرفوا. فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم، فلما مات النجاشى صلّى عليه، واستغفر له.



********
الهوامش:
1- فى النسخة "ب" : ثم بعثوها إليه فيهم . وعلى هامش "ب": أى فى حق الأصحاب المهاجرين.
2- فى (ب): جليدين. وفى المتن من "أ" كما فى السيرة (ط. احياء التراث 1/356).
3- النأي: البُعد. (شرح السيرة النبوية ص 102).
4- عاق معناه مَنَع، وشاغب من الشَّغَب. (المرجع السابق ص 102). 
5- قوله : أبيت اللعن، هو تحية كانوا يُحَيّون بها الملوك فى الجاهلية، ومعناه أبيت أن تأتى ما تُذَم عليه.
والمجانب هنا الداخل فى حِمَى الإنسان المُنضوى إلى جانبه وليس هو من المجُانبة. .(المرجع السابق ص 102).
6- سقطت الأبيات فى النسخة "ب".
7- فى "أ": لما أن نزلنا.
8- فى "أ": جاورنا فيها.
9- فى "أ": للنجاشي.
10- فى النسختين "أ" و "ب": جليدين. كما فى (السيرة ط. الصحابة 1/421) وفى (ط. احياء التراث 1/ 258) جلدين.
11- الأدَم: الجلود. (شرح السيرة النبوية ص 102).
12- "المخزومي" و"ابن وائل السهمي" زيادة فى "ب".
13- ضوى: لجأ ولصق. (شرح السيرة النبوية ص 102).
14- فى "ب": "أعلم بما كانوا عابوا عليهم".
15- فى "أ": "بدين مبتدع ولا نعرفه نحن ولا أنتم". وفى المتن من "أ" وكما ورد فى السيرة (ط. احياء التراث 1/358) و (ط. الصحابة 1/422).
16- فى "أ": عليه.
17- فى "ب" : لا والله.
18- "أبدًا" زيادة فى "أ".
19- "الرجلان" زيادة فى "أ".
20- اخضلت: ابتلت. 
21- المشكاة: الثقب الذى يكون فيه الفتيل. (شرح السيرة ص 103).
22-فى "ب": ولا يكاد، وفى "أ": "ولا أكاد". وفى المتن من السيرة. (ط. احياء التراث 1/360) و(ط. الصحابة 1/ 424 ).
23- يعنى به جماعتهم ومعظمهم. (شرح السيرة ص 103). 
24- فى "أ": جاء.
25- فى "أ": يلمع. 
26- "ظهر" فى النسختين، وفى السيرة: ظفر. (ط. احياء التراث 1/362) و ( ط. الصحابة 1/ 426).
27- استوسق عليه أمر الحبشة: معناه تتابع واستقر واجتمع. (شرح السيرة ص 103).
28- المُحْمِق: الذى يلد الحمقى. (المرجع السابق ص 103).
29- على هامش "ب" : فظن الحبشة بقوله هذا يعنى ما قالوه أن عيسى ابن الله فرضوا.
 
 

(50 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع