تراث

من مخطوطة الإدكاوي..

وارتفعت أسعار الحبوب.. وزادت بالفقراء الكروب

هذا ما كتبه الشيخ عبد الله بن عبد الله بن سلامة الإدكاوى الشهير بالمؤذن فى نهاية مخطوطته "بضاعة الأريب من شعر الغريب" عن المحتكرين للسلع والحبوب بسبب نقص مياه النيل عام 1172 هـ/1759م. "ووفى النيل المبارك فى ثالث عشر مسرى القبطى من سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف، وكان حصل فيه بعد الزيادة فى مبدئه وقفة، حصل لقلوب الرعاع منها رجفة، وأى رجفة، وارتفعت أسعار الحبوب، وزادت بالفقراء الكروب، ثم مَنّ الله بالفرج واذهاب الحرج، فانكمدت المحتكرة الفجرة، وتحكمت بهم الحسرة، وخسروا وما ربحوا، وتمنّوا أن لو قبل وفائه ذبحوا، فالحمد لله على خسارتهم، وكساد تجارتهم.
قد خزى الخُزان **    وانخزل الشيطان 
ولطف الله بنا **     وأسعف الرحمن
وأرسل النيل الذى **   حلّ به الأمان
وانبسطت نفوسنا **   وزاد الاطمئنان
هذا ما كتبه الشيخ عبد الله بن عبد الله بن سلامة الإدكاوى الشهير بالمؤذن فى نهاية مخطوطته "بضاعة الأريب من شعر الغريب" عن المحتكرين للسلع والحبوب بسبب نقص مياه النيل عام 1172 هـ/1759م. 
 


ومخطوطة الإدكاوى "بضاعة الأريب" محفوظة بالمكتبة الوطنية الفرنسية، ويبلغ عدد أوراقها 162ورقة، كتبها بخط يده محمد بن حسن الدمنهورى الهلباوى "ت 1193هـ/1779م" لأستاذه الشيخ الحفناوي، وتوجد نسخة أخرى مخطوطة من الديوان أشار إليها الزركلى فى "الأعلام" بقوله: "رأيت نسخة منه فى مكتبة الليثى بمركز الصف بخط ولده أحمد بن عبد الله الإدكاوي".
 
تحتوى مخطوطة "بضاعة الأريب من شعر الغريب" على قصائد كثيرة ومتنوعة كتبها الشيخ عبد الله الإدكاوى وألقاها فى مناسبات مختلفة وأماكن متفرقة.
وقد أشار الإدكاوى فى مقدمته إلى محتوى مخطوطته بقوله: "أبتدئ أولا بتخميس الكعبيّة تبركًا بمدح المصطفى خير البريّة، ثم أتبعها بمالى من الصنيع فى مدح الجناب الرفيع، ثم أقفّى ذلك ببعض توسلات إلى خالق المصنوعات، ثم بمدائح إلى آل البيت النبوي، ثم بمدائح بعض السادات الأولياء، ثم أختم بمالى من منظوم ومنثور". 
 
وقد نثر عبد الله الإدكاوى ونظم فى مناسبات مختلفة، فكتب مرحبًا بقدوم الشيخ عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس من اليمن إلى مصر عام 1159هـ / 1746م، ومدح الشيخ حسن بن عبد الله الطائفي، وقام بالترحيب أيضًا بالشيخ نور الدين على بن تاج الدين الحنفى المكى القلعى مفتى مكة وعالمها عند زيارته لمصر عام 1158هـ/1745م، ورحب مرةً أخرى به عام 1170هـ/1757م، وما كتبه الإدكاوى عن مفتى مكة استفاد منه الشيخ عبد الرحمن الجبرتى عند ترجمته له فى "عجائب الآثار فى التراجم والأخبار"، كما استعان الجبرتى بأشعار الإدكاوى وبمخطوطته "بضاعة الأريب من شعر الغريب" فى الترجمة لأعلام ذلك العصر ممن عاصرهم الإدكاوي.
 
كما مدح الإدكاوى أيضًا الوزير الكبير محمد باشا راغب، والوزير الجليل عبد الله باشا، والوزير الأعظم على باشا الحكيم، والوزير الأعظم محمد باشا سعيد قبل قدومه إلى مصر قادمًا من اسطنبول، وعلى أفندى كاتب جاويشان، وعبد الرحمن أغا بتولى الإغاوة الينكرجية، وأحمد أفندى بتوليه نقابة الأشراف، ومدح أيضًا الشيخ عبد الله الشبراوي، والشيخ الحفني، وغيرهم.
 


وتنوعت قصائد عبد الله الإدكاوى ويمكننا حصرها في:
1- التهنئة ببناء جديد: فمدح الأمير عبد الرحمن كتخدا لبنائه السبيل الجديد بين القصرين، وتجديده للجامع الأزهر، وإنشاء مسجد الشيخ مطهر بالقاهرة، كما مدح الأمير رضوان كتخدا ببناء قصره الجديد والقاعة والسبيل، وعثمان كتخدا المنفوخ بتجديد قاعة فى بيته، وغير ذلك. 
2- التهنئة بميلاد وختان الأطفال: قام بالتهنئة بميلاد طفل للوزير يحيى باشا، وعثمان بك ذو الفقار، ومحمد أفندى إسماعيل أغا السكندري، وختان طفل للأمير رضوان كتخدا، وشيخ الإسلام عبد الرحيم قاضى العساكر بمصر.
3- التهنئة بالعودة من الحج: تهنئة الأمير عبد الرحمن كتخدا، والشيخ أحمد الراشد بسلامة العودة من الحج. 
4- التهنئة بالزواج: تهنئة الأمير على كتخدا الخربوطلى بزواج كريمته من على بك، وتهنئة الأمير على كتخدا الشعراوى بزواج كريمته من الأمير عمر جاويش.
5- التهنئة بالعام الجديد: تهنئة الأمير رضوان كتخدا بحلول عام 1167هـ/1753م، وتهنئة أحمد كتخدا صالح بحلول عام 1171 هـ/1757م.
6- الرثاء: رثاء الست المصونة آمنة والدة الجناب المكرم عبد الرحمن كتخدا القزدغلي، ورثاء زوجة أحمد كتخدا صالح، ورثاء شيخ الإسلام قاضى العساكر بمصر صالح أفندي، والعلامة الشيخ مصطفى العزيزي، والشريف عبد الكريم المغربي، وغير ذلك كثير.
7- بعد نسخه الكتب: نظم الإدكاوى أيضًا عند انتهائه من نسخ كتاب طلبه منه عثمان بك ذو الفقار وهو تلخيص لكتاب الحافظ السيوطى على بانت سعاد، وأيضًا عند انتهائه من نسخ رسائل الإمام السيوطى المتعلقة بوالدى النبى صلى الله عليه وسلم وقد طلبها منه الأمير رضوان كتخدا، ونظم أيضًا عند انتهائه من نسخ كتاب جمع فيه "تفسير آيات قرآنية" من تفسير الخطيب الشربينى طلبه منه أحمد كتخدا صالح، وسماه الإدكاوى "المنح الربانية فى تفسير آيات الحكم الربانية"، وجرت عادة الإدكاوى أيضًا على كتابة بعض الأبيات عند انتهائه من نسخ كتب أخرى طلبها منه أعلام عصره.
ومن الطريف أن يكتب الإدكاوى قصيدة للأمير محمد بك دفتردار مصر وأمير الحاج يهنئه فيها بقدوم شهر رمضان المبارك، مع تذكيره بثمن ما قام بنسخه لكتابى "حلبة الكميت"، و"ريحانة الخفاجي".
وهو ما قام به الإدكاوى أيضًا مع مرتضى الزبيدي، فقد ذكر عبد العزيز جمال الدين فى تحقيقه لتاريخ الجبرتى :"وحدث أن مرتضى الزبيدى كلف عبد الله الإدكاوى أن ينسخ له كتابا، وقام الإدكاوى بهذه المهمة، ولكن الزبيدى أخّر عليه أجره، وأراد الإدكاوى أن يطالبه بهذا الأجر، فلم يبعث إليه برسالة، وإنما بعث إليه بقصيدة جاء فيها:
صبح الله سيدى بالسعادة ** وحباه من كل خير مراده
ووقاه الردى وزاد علاه ** رفعة لا تنى تزيد سيادة
خلك المرتجى إجابة ما قد ** عودته عاداتك المستجادة
فتفضل وابعث بما قد تبقى ** ولك الفضل إن بعثت زيادة
وابق فى العز والسيادة يا أو ** حد ما نال ذو احتياج إفادة
 


والشيخ عبد الله الإدكاوى من أشهر شعراء عصره، وُلد بمدينة إدكو الواقعة على ساحل البحر المتوسط بين مدينتى الإسكندرية ورشيد - والتى كتبنا عنها عدة مقالات فى سلسلة "إدكو.. طريق الولاة واستراحة الغزاة" على بوابة الأهرام للحضارات- وُلد الإدكاوى عام 1104هـ/1692م، وتوفى بالقاهرة 1184هـ/1770م.
ويمكننا عرض مسيرة حياة الشيخ عبد الله الإدكاوى عبر ثلاث محطات:
الأولى: مولده بإدكو عام 1104هـ/ 1692م، وحفظه للقرآن الكريم بها، ويبدو أنه قد انقطعت صلته بمسقط رأسه "إدكو" فلم نجد أنه قد زارها بعد ذلك أو تكلم عنها أو عن أحد من علمائها بمدح أو رثاء وهو ما فعله مع آخرين من علماء المدن الأخرى مثل رشيد وفوة والإسكندرية، ونجد أنه قد كتب لصديق له من رشيد وفى ذلك قال: "وكتبت لبعض اخوانى الأفاضل من أهل رشيد، كان بينى وبينه ود أكيد، وكان دائمًا يكاتبني، وبلذيذ ألفاظه البليغة يخاطبني، وكنت استكتب له ما يحتاجه من كتب الحديث والتفسير، فقطع عنى كتبه:
أيها السيد الهمام لماذا ** يا خليلى حرمتنا من خطابك
كما مدح محمد الصفوانى قاضى رشيد، وقام برثاء العلامة الشيخ محمد الزهيرى الرشيدى المالكي، ويوسف البراوي، ومن الإسكندرية أحمد أفندى القلاقسي، وغيرهم.  
الثانية: انتقاله للقاهرة ولا نعلم متى انتقل إليها واستقر بها، وكانت القاهرة مفتاح شهرته وباب سعادته فقد اتصل بعلماء عصره وتقرّب من أعلام زمانه، حتى برز فى الأدب والشعر، فصحب على أفندى زاده نقيب الأشراف الذى أكرمه وصحبه معه للحج عام 1147 هـ/1735م، وقد اعترف الإدكاوى بفضل هذا الرجل عليه بقوله: "قضيت معه برهة من دهري، هى التى أعدها من عمري، وحججت معه إلى البيت الحرام، وتشرفت بزيارة جده عليه أفضل الصلاة والسلام.
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ** فكأنها وكأنهم أحلام 
فخاننا فيه الزمان، ودعاه إلى حضرة الملك الديان، فلباه بالإجابة وأورثنا بعده غاية الهم والكآبة، وكان له اليد الطولى فى صناعتى المنظوم والمنثور".



وبعد وفاة على أفندى فى شوال 1153 هـ/ يناير 1741م ساءت أحوال الإدكاوي، إلى أن تقرّب من شيخ الأزهر عبد الله الشبراوي، وبعد وفاة الشبراوى عام 1758م اتصل الإدكاوى بشيخ الأزهر الحفنى حتى وفاته عام 1767م. 
الثالثة: مرض عبد الله الإدكاوى ووفاته عام 1184 هـ/ أغسطس 1770م ودفنه بالقاهرة.
وسوف نتناول الترجمة الكاملة للشيخ عبد الله بن عبد الله بن سلامة الإدكاوى كما أوردها الجبرتى فى "عجائب الآثار فى التراجم والأخبار" فى المقال القادم بإذن الله.



(34 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع