تراث

ويليام لين وحكايته مع أحد أولياء القاهرة

ذكرنا في موقع "بوابة الحضارات" حكايات كثيرة عن أهل القاهرة في القرن التاسع عشر ومظاهر الحياة في قاهرة المعز والاحتفالات، وكذلك عن بعض محاور التراث العربي، والمستقاة من كتاب "المجتمع العربي في العصور الوسطى" للمستشرق البريطاني الشهير إدوارد ويليام لين (1801-1876). وقد لاحظت أنه قد ذكر في فصل "الأولياء" حكاية طويلة حكاها له أحد أصدقائه الأولياء في القاهرة في عصر محمد علي، وقد سردها لين كاملة، واكتفى بالتعليق عليها تعليقاً محايداً فلا هو أنكرها ولا هو صدّقها، وقد رأيت أن أترجمها وأذكرها كاملة لقراء موقع "بوابة الحضارات" ليشاركوا الكاتب في حكمه عليها.
يقول لين: 
"حدثني أحد أصدقائي في القاهرة، واسمه "أبو القاسم الجيلاني"، بحكاية طويلة وممتعة عن كبح شهواته " والوسائل الأخرى التي استخدمها للحصول على رتبة الولاية. كان أساس هذه الوسائل هي إنكار الذات وكبح الشهوات والاعتماد التام على العناية الإلهية. غادر بلده في حالة متعمدة من الفقر المُدقع والعُري التام، ليسافر إلى بلاد الفرس والبلاد المجاورة، بل وإلى مناطق أبعد من ذلك طلبًا لمرشد روحي. 



وتجنب الإقامة وسط الناس لعدة أيام، وكان يصوم من الفجر إلى غروب الشمس، ثم لا يأكل شيئا إلا القليل من الحشائش أو بعض أوراق الشجر أو الفواكه البرية، حتى تعود تدريجيا على الامتناع التام – تقريبا – عن كل نوع من أنواع الغذاء.
تقرحت قدماه في بادئ الأمر، وتشققتا من السير على الصخور الحادة، ثم سرعان ما أصبحتا جامدتين، وقلت شهيته جزئيا للطعام، وصار جسده - على عكس القاعدة الطبيعية العامة – أكثر قوة وبدانة (حسب روايته) . واسمرَّ لونه من حرارة الشمس حده ومع تهدُّل شعره الأسود على كتفيه ( حيث تجنب استخدام الموسى) وعلى جسده العاري ؛ أصبح ذا مظهر مرعب ومتوحش . وبمجرد اقترابه من إحدى المدن، أحاط به جمع كبير من الصبيان، فعاد أدراجه، واتبع نهج أبينا آدم وأمنا حواء وصنع لنفسه غطاءا بسيطاً من ورق الشجر، ثم صار يفعل هذا دائماً في ظروف مشابهة . ولم يكن يمكث أبدًا في بلده لمدة طويلة لأن إزاره الورقي كان يذبُل . وقد أجبره مروره على مجتمعات البشر في الأماكن النائية التي كان يصادفها دائما – ما عدا فترات الصوم الطويل عندما كان يعبر صحراء قاحلة – على أن يأخذ رغيفا من الخبز أو قدحا من الماء من أيادي بعض الناس المحسنين . كان الأمر الوحيد الذي يروّعه على وجه الخصوص أن يتلقى إعانة من شخص آثم أو من جان في صورة بشرية. أثناء عبوره في أرض جافة ومُقفرة، حيث لم يجد فيها ما يأكله لمدة ثلاثة أيام، ولا حتى الحشائش أو نبع ماء ينعش منه حلقه الجاف، فخارت قواه من العطش ودعا الله أن يبعث إليه رسولا معه إبريق ماء . وقال في دعائه : " اللهم اجعل الماء في إبريق بغدادي أخضر، حتى أعلم أنه من عندك وليس من عند الشيطان، وعندما أسأل حامله ان يعطيني الماء لأشرب، فاجعله يصبه فوق رأسي حتى لا أفرط في إشباع شهوتي الجسدية " . واستمر في حكايته : " فنظرت خلفي، فرأيتُ رجلا حاملا معه إبريقاً بغدادياً أخضر من الماء، فقلت له : " اسقني"، فتقدم الرجل إليَ، وصب محتويات الإبريق على رأسي، ثم انصرف.. واللهِ لقد حدث ذلك".

وهكذا، واصل أبو القاسم طريقه في الصحراء بعد أن روى عطشه قرير العين بهذه المعجزة التي تعد دليلاً على وصوله لدرجة الولاية، وأكثر عزمًا عما قبل في طريق زهده وإنكاره لشهوات نفسه، ذلك الطريق الذي كان بالتالي وسيلة لشهرته وتميزه، برغم من نتائجه الناقصة . ولكن سرعان ما عاد له العطش حتى أنه شعر باقتراب نهايته عطشا ؛ فما لبث أن رأى أمامه تلاً مرتفعاً ينحدر إلى سفحه نهرٌ صغير، فعزم على صعود قمة هذا التل، بمجاهدة نفسه، قبل أن يشرب من الماء، فوصل إليها – بعد مشقة هائلة- عند غروب الشمس . وبينما هو واقف رأى بالأسفل مجموعة من الفرسان تقترب ثم توقفوا عند سفح الجبل. وصاح رئيسهم - الذي كان يتقدمهم – قائلا له : "يا أبا القاسم الجيلاني.. انزل لتشرب". ولكن أبا القاسم كان مقتنعا أن هذا الفارس هو إبليس ومعه جمعٌ من أولاده، الجن الشرير، فقاوم الإغواء وظل في مكانه حتى رحل المخادع وأولاده واختفوا عن ناظريه. ثم غربت الشمس وخفت حدة عطشه نوعًا ما بواسطة قطرات قليلة من الماء.
 
استمر أبو القاسم في طريقه في الصحراء، وفي أحد السهول المليئة بالحصى رأى رجلاً مسناً ذا لحية طويلة بيضاء، فتوجه إلى أبي القاسم بالسؤال عما يبحث، فأجاب أبو القاسم : " إنني أبحث عن مرشد روحي، وقلبي يحدثني أنك هذا المرشد " . فقال الرجل : " يا بني، سترى هناك ضريح أحد الأولياء، وهو مكانٌ يُجاب عنده الدعاء ،فاذهب إلى هناك وادخل، واجلس بجانب القبر دون أن تتناول طعاماً أو شراباً ودون أن تنام، لكن اشغل نفسك فقط – بالليل والنهار – بأن تردد في سرك : " لا إله إلا الله "، ولا تدع أي مخلوق يرى شفتيك تتحركان وأنت تقول ذلك، حيث أنه من أسرار هذه الكلمات أن تُردَّد بدون تحريك الشفاه . اذهب وصحبتك السلامة".


ويليام لين

قال صديقي مُكمِلا حكايته: "ووفقاً لذلك، ذهبت إلى الضريح. كان بناية مربعة صغيرة، عليها قبة وكان بابها مفتوحًا . ثم دخلت وجلستُ مواجهًا المحراب والمقصورة المقامة حول القبر . وعندما حل الليل بدأت في شُغلي الصامت وأنا بمفردي كما أرشدني الرجل المسن . وعند الغسق، رأيتُ شكلاً أبيض جلس بجانبي، وكأنه جاء ليساعدني في مهمتي التعبَُديّة، فمددتُ يدي لألمسه، لكني وجدت أنه ليس ماديًا محسوسًا، إلا أنني كنت أراه بوضوح على الرغم من ذلك.
شجعتني هذه الرؤية، فاستمررت في شغلي لمدة ثلاثة أيام وليالي بلا انقطاع، وبلا أكل أو شرب، ومع ذلك فكانت قوتي الجسمانية والروحانية تتضاعف. وفي اليوم الثالث رأيت مكتوبا على جدران الضريح البيضاء وعلى أرضيته وفي الهواء، وفي أى جهة انظر إليها: "لا إله إلا الله". وأيما ذبابة دخلت إلى الضريح كانت تُشكّل بطيرانها هذه الكلمة ... واللهِ كما أقول لك.. فأدركت أنني قد حصلت على غرضي، وشعرت أنني قد أُعطيتُ معرفة خارقة للعادات، ونسيت كل مشاكلي وأحقادي نحو أصدقائي ومعارفي، ولكني استطعت أن أعرف أماكن تواجدهم في فارس والهند وجزيرة العرب وتركيا، وما كان يفعله كل واحد منهم . وأحسستُ بسعادة عظيمة . استمر هذا الحال معي لعدة سنوات، ولكن في النهاية عدت إلى شئون حياتي الدنيوية، وقدِمتُ إلى هذه البلاد . وكانت شهرتي كخطّاط سببًا في عملي لدى الحكومة . فانظر إلى حالي الآن.. تكسوني المعاطف والشيلان وهذا الشيء الموضوع على صدري (وسام من الماس)، وأصبحت متقدما في السن لدرجة أخشى معها أن أعود ثانية إلى طريق الزهد وإنكار الذات الضروري لإعادتي إلى السعادة الحقيقية، على الرغم من أني عزمتُ تقريبا على عمل هذه المحاولة".  
 
يعلق لين في نهاية المطاف قائلاً:
"وسرعان ما أُبعد هذا الرجل عن منصبه، بعد هذه المحادثة، وتوفى بسبب وباء الطاعون، وكان من المشهور عنه أنه قضى العديد من السنوات كعبدٍ تقي سائح في الأرض، وربما كانت معاناته وحماسته هما السبب في اعتلال عقله، وجعلته يعتقد أنه رأى حقيقةً الرؤى الغريبة التي وصفها لي، حيث كان الصدق والإخلاص واضحيْن في مظهره وسلوكه لدرجة تصعُب على أي مخادعٍ واعٍ أن يتظاهر بهما" . أ.هـ
وكم بكِ من العجائب أيتها القاهرة......
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع