تراث

عاشت الأسامى..

هنا إذاعة درب شكمبة

من منا لا يتذكر كلمات شاعرنا العبقرى الكبير الراحل صلاح جاهين، ونحن نسمعها ونستمتع بصوت ولحن صاحب الشجن والعذوبة والنغم الرائع سيد مكاوى، وهو يطربنا بها فى الليلة الكبيرة أشهر وأنجح أوبريت قدمه مسرح عرائس القاهرة فى تاريخه، منذ خمسة وخمسين عاما وحتى الآن وهو يدندن ويقول: وسع وسع وسع.. أنا أزق الطارة وأضرب ميت بمبة.. دنا الأسطى عمارة من درب شكمبة.. صيتى من القلعة لسويقة اللالا.. أنا واخد السمعة . 
ومن منا لايتذكر أيضا الفنان المسرحى الكوميدى الراحل سعيد صالح "مذيع نشرة الأخبار" فى مسرحية ريا وسكينة من أعظم وأنجح المسرحيات الكوميدية فى الثمانينيات وهو يقول: هنا إذاعة درب شكمبة.. فماهى حكاية درب شكمبة وأين تقع وهل كانت هناك إذاعة بما يسمى إذاعة درب شكمبة فعلا.
 


 اسمع ياسيدى: درب شكمبة يعد واحدا من أهم الحارات الشعبية التاريخية فى القاهرة الفاطمية، وقليلون هم الذين يعرفون أنه يقع في شارع السد بحي السيدة زينب ويبعد عن مسجد السيدة زينب بمائتي متر، وكان معروفا بالحمامات البلدى العتيقة وأشهرها حمام شكمبة، ومع التطور العمرانى ومرور الزمن والأيام صار نسيا منسيا حتى تم عرض أوبريت الليلة الكبيرة وبعثت فيه كلمات صلاح جاهين وألحان سيد مكاوى الحياة والشهرة من جديد وصار الناس يرددون اسمه دون أن يعرفوا مكانه.
 


وأما عن ارتباط ذكر درب شكمبة وكانت له محطة إذاعية تحمل اسمه، فقد حدث ذلك عام 1926 عندما تم السماح بالبث الإذاعى فى مصر، وسمحت الحكومة المصرية آنذاك بالترخيص لمحطات إذاعية أهليه مملوكة لأفراد، لأن البث الإذاعى وقتها كان ضعيفا وبالكاد يغطى مساحة محدودة كحارة أو شارع أو منطقة، فظهرت محطات كثيرة فى الحوارى والشوارع، أشهرهما محطتان للملك فاروق وفؤاد، وكان من بينها محطة لدرب شكمبة أنشأها تجار وبائعو أجهزة الراديو للترويج لسلعهم وإذاعة الأخبار الاجتماعية للمناطق والحوارى والأزقة من عزومات ومناسبات أفراح، طهور زواج، مزادات سراداقات عزاء، لدرجة أن هناك من كان يحب فتاة ويريد أن يخاطبها كان يفتح لها إذاعة.



وأشهر هذه المحطات كانت محطة إذاعة لشاب مصرى أحب فتاة إيطالية تخصصت فى إذاعة الأغانى الإيطالية العاطفية، ومع مرور الوقت وزيادة هذه المحطات الإذاعية بدأت تنتشر ظاهرة الأغانى الهابطة والمهاترات وتبادل الشتائم بين كل مذيع وآخر حتى اشتكى المواطنون من هذه الشتائم والبذاءة – مما يجعلنا نتذكر أن مانراه الآن من شتائم ومهاترات على برامج التوك شو والفضائيات لا يفرق كثيرا عما كان فى هذه الإذاعات - فقامت الحكومة بإلغاء تراخيص الإذاعات الأهلية عام 34 وأنشأت إذاعة تم تسميتها براديو ماركونى لأن شركة ماركونى لتجارة الراديو هى التى حصلت على الترخيص الوحيد واستمر 14 عاما حتى ظهرت الإذاعة المصرية الوطنية وسمعنا صوت الإذاعى الكبير ابن مدينة أبو كبير الشرقية أحمد سالم وهو يقول الجملة الإذاعية الأشهر "هنا القاهرة" ولم تكن هذه أول مرة فقد رددها سالم عام 34 قائلا "هنا الإذاعة المصرية الملكية اللاسلكية وتطورت بعد ذلك إلى هنا القاهرة" .. وأحمد سالم لمن لا يعرفه هو احد أهم كتاب السينما الأوائل والتمثيل والإخراج، وكان له الفضل بتكليف من طلعت حرب فى إنشاء استوديو مصر وإنتاج فيلم وداد لأم كلثوم، كما يذكر له اكتشاف الفنانة كاميليا وزواجه من أسمهان وتحية كاريوكا ومديحه يسرى.
 
وفى سياق ذكر جملة "هنا القاهرة ومن قائلها" لابد من الإشارة إلى المذيع السورى عبد الهادى بكار الذى ردد هذه الجملة أيضا من دمشق، عندما قصفت قوات العدوان الثلاثى الغاشم هوائيات الإرسال للإذاعة المصرية فى 2 نوفمبر 56 وكان القصف قبل خطاب عبد الناصر الذى ألقاه بالجامع الأزهر يوم الجمعة والموافق ذلك التاريخ، فما كان من هذا المذيع السورى الشاب إلا أن اقتحم الاستوديو فى دمشق وراح يردد "هنا القاهرة من دمشق" وتتحول الإذاعة السورية إلى مصرية خلال أيام العدوان الثلاثى.
 

(71 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع