تراث

مختارات من أهرام زمان..

"نحو النور" قصة ميلاد عمود صحفى ولد من رحم المنع

بعد أعوام مضت على نشره للعديد من مقالاته الاجتماعية الصارخة، عندما سأل الأديب والكاتب الكبير الراحل رئيس تحرير الأهرام الأسبق محمد زكى عبد القادر عن سر اختياره "نحو النور" عنوانا لمقاله اليومى الذى كان ينشره فى الأهرام من أكتوبر 38 وحتى رحيله,‏ فقال‏: "إن السبب أننى أشعر أن وطنى فى ظلام‏.‏ أحس أن بلادى تعانى شقاء فى حكوماتها وإدارتها وأحزابها وزعمائها وطوائفها وأفرادها‏.‏ بل أكاد أشعر أنها تشقى بمجدها القديم‏,‏ وتنوء بتاريخها الحافل‏,‏ كما أحس أنها تعانى شبه مجاعة فى الأخلاق‏".‏
ثم يخلص إلى القول‏ "إننى حين أعود بخاطرى إلى تاريخ هذا الوطن يتمثل لى مجده فى الماضى ومجده فى المستقبل‏.‏ وأشعر موقنا أن النور سيشع عليه يوما من الأيام يصهره ويطهره ويجلو عنه الظلمات فإذا هو مصر الجديدة‏.‏ مصر الخالدة‏.‏ مصر أم المدنيات‏"!‏
ويروى صاحب العامود فى مذكراته التى نشرها تحت عنوان‏ "أقدام على الطريق‏" الظروف التى بدأ معها فى كتابة ‏"نحو النور‏",‏ وكيف أن الأستاذ‏' "أنطون الجميل"‏ رئيس تحرير الأهرام وقتئذ قد عامله بأسلوب جاف‏,‏ وفى مذكراته " أقدام على الطريق " يروى محمد زكى عبد القادر ظروف مولد " نحو النور‏"‏ كما جاءت فى مذكراته قائلا: ‏
"‏لما بدأت العمل فى (الأهرام‏)‏ وكان يتولى رئاسة تحريرها تقلا باشا بدأت أكتب مقالات وأقدمها إليه فينشرها فى مكان المقال الافتتاحي‏,‏ وعدت إلى الخطة نفسها حينما عاد أنطون باشا من إجازته فكان ينشرها أيضا فى مكان المقال الافتتاحي‏,‏ ولاح لى أنه يرحب بهذه المشاركة التى لم تكن مقصودة حينما اتفقت مع تقلا باشا على العمل فى ‏(الأهرام‏)..‏ وكان هذا يبهجنى لأنه يتيح لى التعبير عن رأيى فيما يعرض لبلادى من شئون‏,‏ وإن لم أوقع المقالات‏'.‏



ويبدو أن من الأسباب التى دعت صاحب "‏نحو النور" للتوقف عن كتابة المقال الافتتاحى والشروع فى كتابة عاموده الجديد‏,‏ وهو أن المقال الافتتاحي‏'‏ لم يكن يسمح بطبيعته أن يكشف عن اسم كاتبه والتعبير عن أرائه الخاصة، على اعتبار أنه يعبر عن سياسة الجريدة‏,‏ قبل أن يعبر عن رأى صاحبه‏,‏ ولا شك أن هذا لم يكن محل سعادة‏'‏ زكى عبد القادر‏',‏ الشاب الذى لم يكن قد تجاوز الثلاثين إلا بقليل‏(‏ مواليد عام ‏1907),‏ والذى أراد أن يقول لقراء الأهرام‏'‏ نحن هنا‏'!‏
تلك الرغبة من جانب الشاب الصحفى لم تكن محل ترحيب كاف من جانب رئيس التحرير‏,‏ الأستاذ أنطون الجميل‏,‏ الأمر الذى عبر وكشف عنه بوضوح زكى عبد القادر فى مذكراته ‏'‏ أقدام على الطريق‏'‏ التى جاء فيها قوله أن أنطون باشا كان يكره‏'‏ الإمضاءات‏'‏ بل أنه كان يكره التوقيع على مقال له‏,‏ وأضاف‏:'‏ أحسست بهذا الاتجاه منذ الأيام الأولى التى بدأت أنشر فيها‏(‏ نحو النور‏)‏ بتوقيعي‏-‏ كنت إذا قدمت له مقالا افتتاحيا سرعان ما ينشر‏,‏ فإذا قدمت له‏(‏ نحو النور‏)‏ لم يكن فى نظره قابلا لمثل العجلة فى النشر التى يقبلها المقال الافتتاحى دون توقيع‏..‏ كان لا يحب أن يلمع اسم أيا كان فى الأهرام‏,‏ ولذلك زاد عنها أى كاتب صاحب رأى وقلم‏..‏ كان يفضل عليهم الصحفيين الذين تفنى شخصياتهم فى الجريدة فلا يكونون سوى أدوات في‏(‏ الماكينة‏)‏ الضخمة‏',‏ الأمر الذى يفسر عدم نشر هذا العامود بشكل يومى مع ظهوره‏,‏ وهو نفس الأمر الذى أدى إلى وجود أعمدة أخرى بذات الحال‏..‏ عدم النشر اليومي‏,‏ على عكس ما أصبح عليه الحال فيما بعد‏.‏



وبما أن الشىء بالشىء يذكر ونحن نعيش فى زمرة الغضب الشعبى المتزايد من زيادة مكافآت الوزراء ونواب البرلمان، يحضرنى الآن مقالا كتبه صاحب هذا العمود المقاتل عن مكافآت النواب‏ "نشر فى عدد الأهرام الصادر يوم الخميس ‏24‏ فبراير عام ‏1938‏ مذكرا أن النائب يقبض أول كل شهر ‏40‏ جنيها‏,‏ وهو مبلغ كبير بالطبع بمقاييس العصر‏,‏ ولما كانت دورة الانعقاد تستمر ستة أشهر فقط‏,‏ فكأنه يقبض فى كل شهر من أشهر العمل‏80‏ جنيها‏'‏ وإذا أضفنا إلى ذلك أن المجلس لا يجتمع إلا ثلاث جلسات كل أسبوع أى نصف الأسبوع كان معنى ذلك أن النائب لا يشتغل إلا ثلاثة أشهر فقط فيكون ما يخصه كل شهر ‏160‏ جنيها‏.
وانتهى صاحب‏ "نحو النور‏" إلى المطالبة بإلغاء المكافأة البرلمانية أو تخفيضها تخفيضا كبيرا أو اقتصارها على شهور الانعقاد‏,‏ الأمر الذى لم يكن يقينا محل رضاء المرشحين الذين تطلعوا إلى الحصول عليها بعد دخولهم المجلس العتيد‏!!‏

(71 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع