تراث

ناس وأماكن..

من هو والى المحمودية الملعون الذى قتل زائريه واستولى على أموالهم

في لوحة معمارية تجسدت في ميدان صلاح الدين حيث عبق التاريخ ورائحة الماضي ضمت القلعة ومسجد السلطان حسن والرفاعي، يتوسطهم جامع المحمودية يحاكي العراقة والطابع الإسلامي وأصالة الماضي، التي سرعان ما تتلاشى بعد أن تصعد بضع درجات متجهاً إلى باب المسجد لتجده مغلقا في وجهك، فتعاود أدراجك لتهبط الدرج ليلفت انتباهك ما تعانيه المئذنة من تصدع، وما أن ترفع رأسك لأعلى حتى ترى النوافذ مهشمة، رغم أن باقي البناء يجسد تحفة معمارية تجعلك تحدث نفسك وتلومها فكيف لا تستطيع أن تعبر ذلك الباب الموصد بوجهك لتمر بالداخل وترى ما بداخل هذا التحفة المعمارية التي أنشأها الوالي الملعون كما تذكره المصادر.
 


يشغل الميدان ثراء أثريا كبيرا حيث تشرف عليه من الشرق قلعة صلاح الدين ومسجد محمد علي باشا الكبير، ومن الغرب مسجد السلطان والرفاعى، ويجاوره أيضاً مسجد قاني باى أميرآخور، ويتوسط الميدان مسجد المحمودية الذي أنشأه محمود باشا والي مصر من قبل الدولة العثمانية في عصر السلطان سليمان ابن السلطان سليم، وتذكر روايات المصادر الأثرية والتاريخية، أنه لما وصل إلى الإسكندرية في سنة 973 هجرية، قدمت إليه الهدايا والتحف والخيل، وحين بلغ القاهرة قدم إليه حاكم الصعيد الأمير محمد ابن عمر هدايا كثيرة وتحفا و50 ألف دينار، وبالفعل تسلم منه الهدايا ثم غدر به وقتله واستولى على ثروته.
كما ذكرت المصادر مدى ظلمه الشديد وكيف كان جائراً في أحكامه يصادر أموال الناس بلا حق ويذكر الدكتور حسن عبد الوهاب عالم الآثار في إحدى كتاباته، أن محمود باشا خرج في جمادى الأولى سنة 975 هجرية بموكبه الفخم من القلعة كعادته، وبينما يمر على بركة الناصرية بين البساتين اعتدى عليه شخص مجهول بطلقة نارية، كانت هى بمثابة الخلاص لمن ظلمهم وجار عليهم حيث لم يجد لها علاجا، وأوصى وهو يحتضر بعتق جميع مماليكه، وبجميع ممتلكاته لزوجته ثم توفي ودفن في مسجده هذا.
 
انتهى بناء هذا الجامع سنة 975 هجرية، وهو من المساجد المعلقة يصعد إليه ببضع درجات، وله أربعة واجهات بنيت بالحجر وتضم وجهته الشرقية القبة البسيطة، وتدل الصور القديمة للمسجد على أنه كان يسار الباب سبيل وقد أدركت لجنة حفظ الآثار بقايا أرضيته الرخامية فأودعتها دار الآثار العربية.
كما أن بناء منارة الجامع فوق قاعدة مستديرة و القبة خلف المحراب بارزة عن الجدار الشرقي، اقتبسها مهندس هذا الجامع من مسجد السلطان حسن القريب منه، أما داخل الجامع فنجد قاعة كبيرة مربعة تتوسطها أربعة أعمدة من الجرانيت الأحمر اللون، أما القبة فتقع خلف المحراب وقد فرش مدخلها برخام أسود وأبيض ويتوسطها ثلاث قبور أحدهم قبر المنشئ وهي خالية من النصوص التاريخية.
 


وعندما تطل بناظريك إلى أعلى داخل الجامع تجد بالسقف كتابات يحوي نصها "بسم الله الرحمن الرحيم لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون. قال صلى الله عليه وسلم من بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة أوسع منه. أمر بإنشاء هذا المسجد المعمور من فيض ماله المبرور المقام العالي واسطة عقد اللآلئ أمير الأمراء الكرام كبير الكبراء الفخام فكان ابتداؤه وتاريخه بحكم منشئه الأول المبدى 975هـ وانتهاؤه بمعاونة.. له من الرتب على أنه ليضئ برا للرضا للقوة.. والإكرام المختص... حضرة الأمير الباشا محمود راجياً من كرم الله القبول والرضا من فضله العفو مرتضى تقبل الله" وقد احتفظ الجامع بتفاصيله الخارجية وفقد كثيرا من تفاصيله الداخلية فأدركته لجنة حفظ الآثار العربية سنة 1885 ولم تجد فيه شيئا من الأبواب والشبابيك والأرضيات وفي سنة 1904 فحصت اللجنة أسس الجامع وتم إصلاحه وافتتح رسمياً عام 1906 ميلادية، وفي 2015 شهد الجامع تصدعا وشروخا كبيرة فى المئذنة وقامت المخاطبات بين الأوقاف والآثار، وظل الجامع مفتوحا للصلاة حتى أغلق خلال الشهور القليلة الماضية بحسب حديث العامة من أهل المنطقة المجاورين للجامع.
 
ويقول الدكتور حسني نويصر أستاذ الآثار الإسلامية، إن ميدان صلاح الدين كان يسمى قديما بميدان الرميلة، أما جامع المحمودية فينسب لمحمود باشا أحد ولاة مصر فى العصر العثماني والذي مات مقتولا، وقد أطلق عليه محمود الملعون فقد كان لا تهدأ نفسه ولا تغمض عيناه إلا إذا قام بالقتل.
أما عن طراز الجامع فقد حمل تأثر محمود باشا بعمارة البلد التي يحكمها كوالي، حيث تميزت العمارة العثمانية في هذه الفترة بمصر بطرازان، الأول عثماني بحت مثل جامع محمد علي، والملكة صفية، وجامع سليمان باشا الخادم وغيرها.
بينما الطراز الثاني وهو المصري تأثر بالعمارة المصرية المحلية، لافتاً إلى قيام المجلس الأعلى للآثار بعمل حفائر فى الثمانينيات والتسعينيات، وعليه تم اكتشاف الصهاريج التى كانت تعبأ بالمياه ليستخدمها أرباب الوظائف بالجامع للوضوء والطهارة وغيرها.
 
ويرجع الدكتور محمد رشاد مدير منطقة جنوب، إغلاق الجامع فى الوقت الحالي لإخضاعه لإعداد مشروع ترميم ومقايسة تتبع إحدى المكاتب الاستشارية، مشيراً إلى أنه فور الانتهاء من عمل المقايسة ستسلم للوزارة، وسيلي ذلك طرحها بين شركات الترميم تحت إشراف وزارة الآثار للانتهاء من ترميمه وإعادة فتحه مرة أخرى للصلاة والزيارة للسائحين.
 
 

(1 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع