تراث

من أرباب العمارة إلى سلاطين العشوائيات..

تحولات الطابع المعمارى المصرى

العمران فى اللغة من فعل عمّر، وعمّر بمكان أى أقام به، والمكان العامر أى مكان ذو عمارة، وعرّف المفكر الحصيف ابن خلدون (ت 808 هـ/1406م) العمارة بأنها أول صنائع العمران الحضرى وأقدمها، فهى نقيض الخراب، وأبرز ما يكشف عن طبيعة ومدى تمدن المجتمعات البشرية البدوية منها أو المدنية، فالعمارة والعمران هما أصدق صورة تعكس واقع المجتمع وحضارته. ولما كانت العمارة هى فن صناعة البناء، ترتبط بالبشر أينما حلوا، لأنها فى الأساس مصممه لخدمة الإنسان، ولراحته وحمايته، ولقضاء ضرورة من ضروريات حياته؛ اتسمت العمارة بتعبيرها عن المجتمع الذى وجدت به.. ففى البدء يشّكل الإنسان المباني، ثم تغدو تلك المبانى هى النسق الحضارى للمدن وعلامة تميزها، فتشّكل صورة من المجتمع وتكسبه طابعه الأصيل، إن صلح المجتمع نمت ذائقته الفنية والمعمارية، وإن تردى الذوق المجتمعى العام استأنس القبح دون أية غضاضة.
لقد كانت العمارة وستبقى دائمًا سجلاً يُقرأ فيه تاريخ العصر الذى سايرته، وثقافته، ومدنية الشعوب التى تطورت معهم.. فهناك عصور الاستعباد وعصور الديمقراطية، وعصور التفاوت فيما بينهما، ولكل عصر وثقافته أثرها على العمارة. كما تتميز الشعوب بملامح وأبعاد شخصية متميزة تتفرد بها، تسهم فى خلق حضارتها وصناعة تاريخها، وفى أرض مصر تركت الحضارات والأديان والتغيرات التى تتابعت على مصر بصماتها على تكوين الفرد المصري، ومن ثم انعكست تغيرات الشخصية المصرية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية على حركة العمارة ونسقها الممتد منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا.
كانت إحدى عوامل قوة مصر وتأثيرها الفاعل هو منتجها الحضارى والثقافي، وتراثها المعمارى الهائل الذى تراكم على أرضها عبر عصور مضت، وحضارات تعاقبت الواحدة تلو الأخرى فى بلاد النيل، مما ميّز الطابع المعمارى المصري، وكأنه كيانًا تتجسد فيه حضارة مصر فى كل مرحلة من مراحل تاريخها الطويل، تتأثر سلبًا وإيجابًا بما يعتريها من تغيرات المجتمع، وتتشكل على يد المعمار والبنّاء المصري، تعبر عن هويته وذوقه، ملكًا، أو سلطانًا، أو خليفةً، أو أميرًا، أو شيخًا، أو قسيسًا.
فلا تزال معابد أهل مصر القديمة بضخامتها وشموخها تدل على حضارتهم الراسخة، وإبداعهم الفنى والمعمارى .. أحجارًا تعكس الهوية الدينية لمصر القديمة، وأبنية تدل على سطوة التفكير فى الحياة الأخرى، وعقيدة البعث والخلود، معبدًا وهرمًا ومقبرة، فانطبع نتاج فكر المصرى القديم ورؤيته، حاكمًا ومحكومًا، على توجهه المعمارى الذى بقى يفسر جوهر الحضارة المصرية القديمة، ويدل على عظمتها وتفردها. 



ولما دانت مصر بالدين الذى أُنزل على السيد المسيح عليه السلام، جاءت العمارة المصرية معبرةً أيضًا عن التوجه الدينى الجديد؛ فنبذت غالب المنشآت الوثنية، أو هدمت أو أعادت استخدام ما يصلح للاستعمال منها، وتمثلت عمارة مصر القبطية حينئذ بكنائس تنطق بتعاليم المسيح، وأديرة تأوى رهبان مصر الأوائل، فكانت البصمة المعمارية المصرية تعبيرًا عن الذوق المعمارى الدينى الذى اصطبغت به هوية مصر القبطية. 
وحين وفد العرب المسلمون إلى ديار مصر عام 20هـ/641م ودخلت مصر فى حوزة الإسلام؛ أصبحت مصر منذ ذلك الحين "عربية"، فاتجه الفكر المعمارى الإسلامى فى مصر لبناء أنماط مختلفة من العمائر الدينية والاجتماعية والمدنية التى تطلبها المجتمع العربى لقيام المدينة الإسلامية. ومرت مصر الإسلامية بعصور متلاحقة، اتخذت العمارة خلالها أنماطًا متباينة تعبر عن حضارتها وذوقها العام فى سائر تلك العصور. فنجد العمارة العربية المصرية فى عهد الفاطميين على سبيل المثال تعكس اتجاه الدولة الشيعي، مع رفاهية المعمار، واستحداث أساليب بنائية جديدة، فيما كانت دولة سلاطين الأيوبيين دولة حرب وقتال، فتحصنت القاهرة بالأسوار والأبراج الحربية، وبنيت قلعتها العظيمة - قلعة صلاح الدين الأيوبي- لتصير محل سكن حُكام مصر، عوضًا عن سكن القصور، وانتشرت المدارس السنية فى مقابلة المد الشيعى الفاطمي.
 ووصل المماليك إلى سدة حُكم مصر، ليبدأ عهدًا زاخرًا من عهود العمارة العربية فى مصر، تشى بالثراء والتنوع والفخامة، وتعكس اتجاه سلاطين المماليك لبناء المنشآت الدينية والجنائزية على وجه الخصوص، توطيدًا لشرعيتهم السياسية من جانب، وكأداة للتقرب من عامة المصريين من جانب آخر. وكفى بمسجد السلطان حسن - معبد العمارة الإسلامية وفخرها- دليلاً ملموسًا على مدى تطور فن العمارة الإسلامية المملوكية فى مصر. 
ولما استحوذ ابن عثمان على بلاد النيل 932هـ/1517م ضمن ما ضمه إلى حكمه من الأقطار الإسلامية، وأضحت مصر تابعة للخلافة العثمانية بعد أن كانت دولة مستقلة تبسط سلطانها على الشام وأجزاء من بلاد اليمن والحجاز، تراجع فن العمارة والبناء معبرًا عن العصر الذى يتمنى إليه، فقل بناء المساجد والمدارس، واكتفى غالب ولاة العثمانيين بتشييد أسبلة صغيرة حجم، وبناء الزوايا والتكايا، وخلف الترك العثمانية قليلاً من طرازهم المعمارى بقبابهم المنخفضة ومآذنهم الرفيعة، وظلت الشخصية المعمارية المملوكية تظهر بين الحين والآخر بين عناصر العمارة العثمانية، وكأنها تُنازع تلك الشخصية المعمارية الدخيلة على الذوق المعمارى المصري.



وانقلبت صفحة التاريخ، لتجيء بمحمد على باشا حاكمًا لمصر، ويبدأ اتجاهًا مغايرًا فى حركة العمارة والعمران فى مصر خلال حُكم الأسرة العلوية، فقد ظهر مصر فى نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر اتجاهان متباينان بين الحفاظ على الموروث المعمارى الثقافى وحركة التحديث؛ معركة التراث والحداثة، فنشهد اتجاهًا لتأصيل الشخصية المعمارية المصرية، وإعادة إحياء أنماط من تراثها المعمارى الأصيل، وبخاصة العمارة المصرية القديمة أو العمارة الإسلامية باستلهام طرزاهما المعمارى المميز فى بناء المنشآت البارزة الجديدة فى تلك الحقبة من تاريخ مصر.
وجاء الاتجاه الثانى متأثرًا بالعمارة الأوروبية الحديثة، وبخاصة بعد عودة البعثات التى أرسلها محمد على باشا إلى أوروبا، فظهر مشروع الخديو إسماعيل باشا (1863-1879م) لتحديث وبناء القاهرة ذات الطابع الأوروبي، فكانت منطقة القاهرة الإسماعيلية أو "وسط البلد" حاليًا، وما يطلق عليه كذلك "القاهرة الخديوية" بعمائرها الفريدة الأوروبية، بنكهة معمارية فرنسية وإيطالية. وظهرت بذور الطراز القوطى فى فترة الاحتلال الإنجليزى لمصر، ثم جاءت النهضة المعمارية بشكلها الحديث فى مطلع القرن العشرين.
ومنذ قيام ثورة يوليو 1952، اتخذ غالب معماريو مصر من ذوقهم الخاص نمطًا للبناء والمعمار، وفقًا لما يروق لهم، أو ما يوافق هوى صاحب المنشأة، فوصلنا إلى مرحلة "طراز اللا طراز".. واختلفت ملامح الكيان المعمارى المصري، فانسحبت الهوية المصرية للعمارة بأشكالها السالفة المختلفة، ولم يستدع المعماريون المعاصرون من طرز التراث المعمارى الوافر أنماط لعمارة المنشآت الحديثة إلا فيما ندر، وفى المقابل لم يظهر اتجاهًا معماريًا جديدًا يعبر عن متطلبات وهوية الزمن المعاصر، ففقدت مصر طابعها المعمارى والعمرانى المميز، تعبيرًا عن ميوعة الذوق العام فى مصر الآخذة فى الازدياد. ويمكن أن نشير للذوق العام باعتباره الذائقة الجماعية للأفراد فى شتى مناحى الحياة، تشكلها ثقافة وحضارة المجتمع، وتنعكس من خلالها أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية.
ومن خلال ما أشرنا إليه سلفًا من التطورات المعمارية التى مرت بها مصر فى عصورها التاريخية القديمة والوسيطة والحديثة، يتضح أنه لم يجتمع فى أمة من الأمم مثلما اجتمع فى مصر من أنماط العمائر المختلفة، وقد ظهرت معطيات كل عصر وتوجهاته واضحة جلية فى شكل عمارته، معبرة عن هوية المجتمع المصرى الذى يمثل بدوره جموع المصريين بطوائفهم المختلفة. ولما كان كلُّ مجتمع يفرز قيمه الحضارية المناسبة لاحتياجاته، والمعبرة عن شخصيته وتحولاته الراهنة؛ أمسى المعمار المصرى اليوم غير منتمى ولا معبر عن حضارة البلاد العريقة الممتدة لآلاف السنين. فإذا تركت لبصرك حرية التجول بين العمائر فى أى مدينة كانت فى أرض مصر، وبخاصة فى مدينة القاهرة، قلب مصر وعاصمتها، فهل يمكن للعمارة المعاصرة أن تبرز هوية مصر فى أى عصر من عصورها السالفة؟ أو تظهر عوامل تميز تراثها المعمارى السابق؟ هل نستنطق من خلالها أية تعبير عن الطابع المعمارى المصرى الراهن؟ هل تلك العمارة المشيدة بأيدى المصريين التى تتسم بالعشوائية؛ ستغدو يومًا تراثًا باعثًا على الفخر، أم مدعاة للخجل؟.

ربما تعبر حركة البناء اليوم عن إيقاع الحياة المصرية، نقول بناء وليس عمارة؛ لأن العمارة فن، وصناعة لها أُسس وقواعد ملزمة، وحس فنى يلمسه المجتمع، أما اليوم فيهتم البناؤون بجنى المال مع العجلة فى البناء،فكان أمرًا منطقيًا ظهور انتكاسة معمارية تعكس الاتجاهات الفردية للمجتمع، وتشوش ثقافته، وتشتت طابع تراثه، وضيق آفاق فكره. 
لذا، فغياب الطابع المعمارى المصرى المعاصر، وشيوع القبح فى البناء والطرز المعمارية، هو انعكاس جلى لحالة التدنى فى الذائقة العامة لغالبية المصريين فى مناحى الحياة المختلفة، فالأغانى الصاخبة المسماة بـ "المهرجانات"، والأفلام السينمائية التى تصّدر قيم العنف، وترسخ للانحدار الأخلاقى فى الوجدان، مع ضعف الثقافة والوعى المجتمعي، وغياب دور التعليم الفاعل فى تنشئة الأجيال الجديدة، وشيوع البطالة والفساد، لن تفرز سوى ذائقة جمالية لا تفرق بين الغث والثمين، تختلط خلالها المفاهيم البديهية، وتتبدل خلالها المعايير الراسخة.
إن مصطلح الذوق العام ذاته أصبح فى حاجة إلى إعادة تعريف؛ فالمصرى يهمل كل ما هو عام مشترك، ويهتم فى المقابل بما هو خاص فرديّ، فأضحى الذوق العام باهتًا، كلوحة ذات ألوان غير متجانسة، كصورة جماعية شخوصها غير واضحة، فقد تشعب الذوق العام إلى مجموعة غير متآلفة من الأذواق الخاصة التى تعبر عن طوائف معينة من المجتمع، فلا حاكم للميزان العام للذائقة الجمالية والفنية، والثقافة المجتمعية، ولا قواعد مشتركة واضحة تحكم سلوك الأفراد واتجاهاتهم.
ولتنظيم الذوق العام فيما يختص بمجال العمارة والعمران، أطلع الجهاز القومى للتنسيق الحضارى بالقاهرة المنشئ بقرار جمهورى عام 2001 على مهمة تحقيق القيم الجمالية للشكل الخارجى للأبنية والفراغات العمرانية والأثرية للمدن والقرى وكافة المناطق الحضارية للدولة، بما فى ذلك المجتمعات العمرانية الجديدة وفقًا لما جاء فى تعريف الجهاز لأهدافه، كما يُعنى الجهاز القومى بالتسجيل والإشراف على المبانى التراثية؛ وهى المنشآت ذات الطراز المعمارى المميز لقيمته التاريخية أو الفنية وفقًا لقانون رقم 144 لسنة 2006. وعلى الرغم من وجود مثل تلك الأداة الحكومية الرادعة والمراقبة لحركة الإعمار والبناء فى مصر وفقًا لأنساق حضارية جمالية واضحة؛ فلا زال القبح المعمارى يزداد وينتشر، حيث يشكو الجهاز القومى من عدم تمكنه من تنفيذ مهامه فى ظل العشوائية المعمارية الضاربة فى أرجاء مصر.
واليوم يتهم طائفة من المبدعين والمثقفين جهات الدولة المنوطة بحماية التراث المعمارى المصرى بالتقاعس عن أداء واجبتها، وفى المقابل تواجه تلك الأجهزة المعنية طوفانًا هادرًا من العشوائية والقبح وغياب التخطيط المعمارى والعمراني، ميراثًا ثقيلاً من غياب الوعى المصرى بالتراث المعمارى وجمالياته، وكيفية التعامل معه والحفاظ عليه وتقدير قيمته الفريدة.
إن نشر الثقافة المعمارية، وإنشاء علاقة فاعلة بين المعمار والعمران كمنتج ثقافى اجتماعى يعكس طابع المجتمع وهويته، وبين عموم المصريين هى أولى خطوات تنمية التذوق المعمارى الجمالى فى المجتمع، ومحاربة القبح والفوضى المتفشية فى كل مكان، أولى الخطوات الفاعلة لخلق تكوين شخصى سوىّ لدى المواطن المصرى يدفعه لاعتياد الجمال والذوق، ونبذ العشوائية والقبح. وحرى بنا قبل أن نبحث عن الطابع المعمارى المصرى المعاصر وأسباب انحدار القيم الجمالية المعمارية، أن ننظر لما اعتادت عليه أعين المصريين من مشاهد العشوائيات، والإهمال، والزحام الزائد عن الحد، والمنحوتات الهزلية التى تزين الميادين، وللعجب أن دورها هو تخليد ذكر رموز مصر!. 
فى غياب التخطيط المعمارى والعمرانى تصبح العشوائية هى البديل والمنهج، ويصير القبح هو القانون السائد، وتغدو الامتدادات السكنية السرطانية التى تنشأ بلا رادع أمرًا اعتياديًا، فيصبح الطابع المعمارى الحالى دالاً على حال وثقافة الشعب المصرى المضطربة، فتاريخ المجتمع وحضارته يُقرأ عبر حركة معماره وعمارته، ويعبر النسق والطابع المعمارى عن روح الحضارة وتاريخها، وفى الوقت الراهن ووفقًا لتردى أوضاع المجتمع المصرى سيظل الاستفهام قائمًا بلا إجابة.. الطابع المعمارى المصرى المعاصر إلى أين؟


نشر بتاريخ 3 يوليو 2018
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع