تراث

مصر قدَّمت الحريةَ الفكريةَ في الشرق كله

يقينًا ليس هنالك عدد يضارع عدد شهداء الحرية الذين يتساقطون يومًا بعد يوم، فى طريقهم إلى الحرية التى يحلم بها الجميع، ويروح ضحيتها كثيرون، ليجنى ثمارها كثيرون آخرون. ونظرًا إلى أن الحرية ليست سهلة المنال، فإن أعداد شهدائها سيزدادون يومًا بعد يوم، وما حدث فى السنوات الأخيرة من ثورات عربية اجتاحت بعض بلدان الوطن العربي، إلا دليل على ذلك.. فقد راح خيرة الشباب العربى شهيدًا وهو يحاول البحث عن حريته.
 
قصة الحرية
عن كتابه الذى كُتب فى العام 1927 وسماه "حرية الفكر وأبطالها فى التاريخ " يقول المفكر الراحل سلامة موسى الذى رحل فى العام 1958: هو قصة الحرية الفكرية وانطلاق العقل البشرى من قيود التقاليد وفوز التسامح على التعصب مع ذكر ما لقيه الأحرار من ضروب الاضطهاد من أقدم العصور للآن. 
بداية.. لم يكن سلامة موسى مفكرًا وحسب، بل كان واحدًا من رواد النهضة العربية الكبار، وكان رائد الاشتراكية المصرى الأول. لقد آمن موسى بأن تحرير الطبقات الفقيرة من عبودية الاستغلال الطبقى لابد أن يبدأ بتحريرها من العبودية للخرافة والأسطورة.
يستهل موسى كتابه هذا بمقالة قصيرة يسميها شهوة التطور وفيها يقول: لم نعرف قط إنسانًا تقدم للقتل راضيًا أو كدَّ نفسه حتى مات فى سبيل أكلة شهية يشتهيها أو عقارًا يقتنيه.. وإنما سمعنا عن أناس عديدين تقدموا للقتل من أجل عقيدة جديدة آمنوا بها ولم يقرّهم عليها الجمهور أو الحكومة. ويتساءل ما معنى هذا؟.. ويجيب: إن شهوة التطور فى نفوسنا أقوى جدّاً من شهوة الطعام أو اقتناء المال.. وإن هذه الشهوة تبلغ من نفوسنا أننا نرضى بالقتل فى سبيل إرضائها وإننا لا نقوى على إنكارها وضبطها. ويضيف: الحياة من دأبها التحول من أدنى إلى أعلى والتجدد باكتساب عناصر مما حولها وتنقية ما فيها مما هى فى غنى عنه.
 
صراع الجمود والتطور
ويستطرد قائلاً: ليس الاضطهاد الذى أصاب حرية الفكر والاستشهاد الذى رضى به الأحرار سوى صراع اصطرع فيه الجمود والتطور.. جمود القاعدة الاجتماعية مع تطور الحياة.. والفوز دائمًا للتطور على الجمود.
فى جزء الكتاب الأول يتحدث موسى عن حرية الفكر فى العصور القديمة كما يتحدث عن الإغريق وعلاقتهم بالحرية الفكرية، وكذلك علاقة الديانة المسيحية بالحرية الفكرية واضطهاد الرومانيين للديانة المسيحية.
ولا ينسى موسى أن يتحدث عن محاكم التفتيش التى نشأت فى كل مكان وكانت تحاكم الناس على كل شيء، وأشهر هذه المحاكم المحكمة المملوكية فى إسبانيا والمحكمة المقدسة فى رومية. ولقد ظلت محاكم التفتيش طيلة أكثر من خمسمائة سنة قتلت خلالها الآلاف.. ولم يكن هؤلاء المقتولين من العامة أو من الدهماء.. بل كانوا من خيرة الناس والعلماء والمفكرين كانت لهم كرامة فكرية لا يبيعونها بنفوسهم وكان لهم ضمير يأبون الزنا عليه.
 
مجرد احترام
بعد ذلك يتحدث موسى عن التسامح فى الإسلام ناقلاً قول المستر دريبر وهو أحد المؤرخين وكبار الفلاسفة: إن المسلمين الأولين فى زمن الخلفاء لم يقتصروا فى معاملة أهل العلم من النصارى النسطوريين ومن اليهود على مجرد الاحترام.. بل فوضوا إليهم كثيرًا من الأعمال الجسام ورقوهم إلى مناصب عليا فى الدولة، حتى إن هارون الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة حنا ماسوية، وفى مقالته الجمهور والاضطهاد يقول موسى: إن موضوع هذا الكتاب هو اضطهاد الحكومات للناس ولكن قد يكون الجمهور هو الباعث للحكومة على الاضطهاد كما رأينا فى الأندلس وقد يعمد الجمهور أيضًا إلى أن يأخذ الأمر بيده مباشرة ويضطهد الخارجين على عاداته فى الدين أو غير الدين فى حين تكون الحكومة متسامحة راضية بوجود هؤلاء الخارجين.
 
أما فى الجزء الثانى من الكتاب فيتحدث موسى عن حرية الفكر فى العصور الحديثة مارّاً بإرهاصات النهضة الأوروبية التى شملت جملة مناحى النشاط الفكري.ولا ينسى أن يشير إلى أن الثورة الفرنسية لم تكن فرنسية فقط بل كانت ثورة عالمية ذاكرًا أنه من هوس الثورة أطاحت المقصلة بألف وأربعمائة رأس بلا ذنب أو بذنوب طفيفة. غير أنه وبعد كل ذلك هدأت العاصفة وعرف الناس قيمة التسامح وصار لأحرار الذهن أن يعيشوا ويجاهروا بآرائهم أمام المسيحيين واليهود.
 
محمد عبده
وعن تطور الحرية الفكرية فى مصر يقول موسى: إن النهضة الفكرية الحاضرة فى مصر ترجع إلى عهد إسماعيل ولا يكاد يكون لها علاقة بنهضة محمد علي..إما لأن نهضة محمد على كانت ناقصة فى ذاتها وإما لأن عباس وسعيد قد قطعا الصلة بين نهضة محمد على  وبين نهضة إسماعيل.
 
ثم بعد ذلك يذكر العنت العظيم الذى لقبه الشيخ محمد عبده من علماء الأزهر نتيجة لاجتهاده ومخالفته المأثور. أما قاسم أمين فيضعه موسى فى طليعة العاملين للحرية فى مصر. ويضيف موسى: لقد قدمت مصر الحرية الفكرية فى الشرق كله بمطبوعاتها وصحفها ونبغ فيها كُتَّاب يدعون إلى حرية البحث فى الدين والعلم والأدب.
 
ثم يختتم سلامة موسى كتابه هذا بمقالة سماها تبرير الحرية الفكرية وفيها يقول: لا يبرر الحرية سوى منفعتها..ولا يبرر تدخّل الحكومة ومنعها الناس من حرية التفكير سوى حقها فى الدفاع عن النفس وحماية الجمهور من أذى مباشر.
 
وبعد.. سيظل الإنسان يبحث عن حريته، فإن امتلكها كان جميلا له ولحياته ولمجتمعه، وإن حُرِم منها، مات شهيدًا من أجلها.. ألا فليعقل القامعون هذا وليدركوا أن القمع قصير العمر مهما امتلك القامعون من أدوات وأساليب.  

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع