تراث

مصر تُنقِذ "المسجد الأقصى" و"قبة الصخرة"

من الثوابت التاريخية التي لم تحظَ بعدُ بما يكشف عن بدائع تَجَلّياتِها، أن العلاقة الروحية العميقة، بين المصريين ومقدسات فلسطين الإسلامية، لم تتأسَّس على مرجعياتٍ دينيةٍ محضة، ولم تتعزز بمقتضى تحولات تاريخية أو سياسية، بِقَدر ما تَعَمَّقَت على أُسُس إنسانية وإبداعية، وأنها قد شهدت مِن التجَلّيات الجمالية والفنية ما يَسلُكها في عِداد المآثر الحضارية والمفاخر الثقافية. 
ويكفي أن نكشف عن حقيقةٍ لم يَعُد أغلبُنا يعلم عنها شيئاً للأسف، وهي أن مصر لعبت دوراً مهماً، خلال السنوات الأولى من أربعينيات القرن الماضي، في ترميم المسجد الأقصى وتجديد زخارفه ونقوشه، وإنقاذِه مِن تهديدات التصَدُّع والانهيار، وذلك من خلال إسهاماتها الكبيرة، ضِمن مشروع تجديده وترميمه، الذي تكاتفَت من أجله عدة دول عربية وإسلامية.


منظر داخلى للمسجد الاقصى بعد العمارة الجديدة

ولنبدأ بمطالعة مقالٍ نُشِر في مجلة "مصر الحديثة المصورة" بتاريخ 25 مارس 1929، تحت عنوان "المسجد الأقصى في القدس الشريف". ففي هذا المقال يتطرق الكاتب إلى أن الإرهاصات الأولى لمشروع ترميم الأقصى بدأت عام 1922، بمبادرة مِن "المجلس الإسلامي الأعلى"، الذي كان قد تأسَّس لِتَوِّه، ليتولى شؤون الأوقاف والمحاكم الإسلامية في فلسطين. وكان السبب الأساسي لإطلاق مبادرة الترميم وقتها، ظهور خلل خطير في قبة الأقصى، إضافةً لميول خطيرة في عددٍ من أعمدته، وتصدعاتٍ ببعض جدرانه، فضلاً عن تساقط الفسيفساء والجص الملون في مواضع متعددة من حوائطه.
انتُدِبَ لتشكيل اللجنة الفنية لمشروع الترميم المعمار التركي الشهير "كمال الدين بك"، المختص بطُرُز العمارة الإسلامية، مع مجموعة من خيرة المهندسين، وبدأ العمل في يوليو من عام 1922، بوضع التصميمات والرسوم اللازمة. ولما كانت ميزانية أوقاف فلسطين وقتها لا تتسع للإنفاق على المشروع، فقد رأى المجلس الإسلامي فتح باب المساهمات أمام الأقطار الإسلامية، ليستجيب وقتها الحجاز والعراق والهند والكويت والبحرين ومصر وسوريا وتركيا، إضافةً لمسلمي فلسطين والمَهجَر، وليتجمع من ذلك قرابة 95 ألفاً من الجنيهات، وهو ما استجاب له ملك مصر آنذاك "فؤاد الأول" بِدَورِه، متبرعاً بمبلغ خمسة آلاف جنيهاً، فضلاً عن 306 جنيهاً إضافية تجمعت من إسهامات بعض أبناء الشعب المصري.



وقد شملت التصميمات التي وضعتها اللجنة نواحٍ متفرقة من المسجد، تضمنت وضع خرائط لمنطقة الخلل في مبنى المسجد الأقصى الجنوبي، ورسومات للتيجان والجص والكتابات. كما تمّ ترميم مئذنة "باب السَكينة" (السلسلة) والمئذنة الفخرية، وبعض الآبار، إضافةً إلى تنفيذ المقترحات التي كان قد تقدم بها الجانب الهندسي المصري، والتي شملت تقوية الأساسات والأعمدة، وتجديد الفسيفساء، مع الإبقاء على العقود والقبة الأصلية لاعتبارات إسلامية واجتماعية. وانتهت الإصلاحات المذكورة – كمرحلة أولى – عام 1928.
 وبعد مُضيّ 12 عاماً على انتهاء هذه المرحلة، تطالعنا معلوماتٌ أخرى بالغة الأهمية، عن مرحلةٍ تالية من مراحل المشروع، برز فيها الدور المصري على نحوٍ ساطع، تجاوَز الدعم المادي إلى طور التدخُّل بالخبرة الأثرية والفنية والهندسية؛ وهو ما نتبَيَّنه من مقالٍ بعنوان "مصر تنقذ المسجد الأقصى وقبة الصخرة"، نُشِرَ في مجلة "المصور" بتاريخ 5 إبريل 1940.

ومِن بين أهم المعلومات التي يكشف عنها المقال المذكور، أن مؤتمراً عُقِدَ في عام 1926، برئاسة المعمار التركي "كمال الدين بك"، للنظر في كيفيات إصلاح المسجد الأقصى وقبة الصخرة، شارك فيه "محمود بك أحمد"، مدير إدارة حفظ الآثار العربية بوزارة المعارف، نائباً عن مصر، وأنه بفضل مشاركتِه بالمؤتمر لم تُنَفَّذ خطوة هدم قبة الأقصى وتغيير بعض معالِمِه، "حتى لقد لَقَّبِه أهل فلسطين يومئذٍ بمُنقِذ الحَرَم". 
غير أن تفاصيل أخرى تتكشّف في كواليس المشروع، لِنعلَم أن بقية اقتراحات "كمال بك" التركي نُفِّذَت في غير طائل؛ "إذ ما لَبِثَت الجدران أن تصدعت من جديد، وأصبحت الفسيفساء النادرة والقيشاني الجميل الذي يزين قبة الصخرة مهددة بالتلف، مِن جَرّاء تسرُّب المياه إلى داخل الجدران. وأخيراً أوفَدَت الحكومة المصرية محمود بك إلى القدس لفحص هذا الخلل، فوضع لإصلاحِه مشروعاً شاملاً، يجري العمل في تنفيذه من شهور، ليعيد إلى الأثرين العظيمَين رونقهما وزُخرُفَهما اللذَين ينطقان بما كان لفن البناء في العهد الإسلامي من عظمة وبهجة ورُواء".
وبعد مرور أربع سنوات على نشر هذا المقال، صدر كُتَيِّبٌ تذكاريٌّ، من إصدارات "المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى"، يحمل عنوان "المسجد الأقصى المبارك، القدس الشريف، بمناسبة تجديد القسم الشرقي والرواق الأوسط منه"، والكُتَيِّب من وضع "عبد الفتاح حلمي"، مدير "إدارة حفظ الآثار العربية" بمصر آنذاك.


المسجد الاقصى من الداخل

ونتبيَّن من هذا الكُتَيِّب أن ثمّة مرحلةٍ ثانية من المشروع، تولت مصر خلالها بالكامل مهمة وضع تصوُّر دقيق لعملية ترميم واسعة المدى، والإشراف على تنفيذها بالمسجد الأقصى طيلة ست سنوات كاملة. ففي الصفحة العاشرة، يروي "عبد الفتاح حلمي" أنه: "عندما شعر المجلس الإسلامي الأعلى في أوائل سنة 1938 أن خطراً جسيماً يهدد كيان المسجد الأقصى، بادر إلى الاتصال بإدارة حفظ الآثار العربية بمصر، وكان على رأسها المرحوم محمود أحمد باشا، الذي ندب مِن فوره كلاً مِن الأستاذ محمد نافع وكيل الإدارة السابق، والأستاذ محمد عبد الفتاح حلمي، مفتش هندسة الآثار العربية إذ ذاك، ومدير الآثار العربية حالياً، للسفر إلى القدس لمعاينة المسجد، وتقرير ما يلزم له من علاج، فقاما بفحص مباني المسجد من جميع نواحيه، من الداخل والخارج، وظهر لهما أن التصدع الذي حدث يتركز بحالةٍ خطيرةٍ في موضعَين، أولهما بالقسم الشرقي، وثانيهما بالرواق الأوسط الكبير".

وعلى هذا النَسَق، واصَل مؤلف الكُتَيّب استقصاء تفصيلات المراحل التمهيدية والتنفيذية للمشروع، لِيورِدَ في نهاية الكتيّب مجموعة من الصور الفوتوغرافية النادرة، التي توثِّق أجزاء متعددة من المسجد الأقصى بعد ترميمه.
وبذا، تأبى ذاكرة الوثائق أن تتخطى هذا الدور المصري الفارق، في صيانة وحفظ معالم "الأقصى"، وفي إنقاذ "قبة الصخرة"، لا باعتبارهما رمزَين روحيَّين ومعلَمَين من أبرز معالم المقدسات الإسلامية فحَسب، بل وبِوَصفِهِما ذخيرتَين من ذخائر التراث الفني والثقافي العالمي.

(3 موضوع)

تعليقات القراء

2 تعليق
  • المسجد الاقصي
    بواسطة : الاستاذ الدكتور صالح لمعي | بتاريخ 18-08-2018
    منذ ١٩٩٢ وحتي ٢٠١٢ كنت عضوا في اللجنة الدولية للحفاظ علي القدس التاريخية في اليونسكو و توجد عن يمين مدخل المسجد الاقصي لوحة تحمل اسم الملك فاروق وإصلاح المسجد في النصف الثاني من الثلاثينيات
  • تعيش مصر ويحيا شعبها العظيم
    بواسطة : Ayman salah | بتاريخ 18-08-2018
    شكراً دكتور على هذا المقال العظيم المؤرخ للحضارة المصرية والعربية, ومن هنا يجب على مصر والدول العربية المطالبة من إسرائيل دفع تكاليف إعادة ترميم المسجد الأقصر بأسعار اليوم. حفظك الله مصر.