تراث

ناس وأماكن..

مسجد "الشيخ أبو العيون".. ومولد كل جمعة

ـ أحد المزارات الدينية التي يحرص على زيارتها الصعايدة لقضاء بعض الوقت بين عبق التاريخ والاستمتاع بتناول وجبة الطعمية المميزة وصلاة الجمعة
ـ حفيد للشيخ: هناك خلط بين الشيخ الجد والابن والحفيد فكلهم اسمه "إبراهيم" والأول لُقب بالنازح والثاني بالشهيد والثالث "طبيب الأولياء"
ـ الملك "فاروق" زاره فقال له "أنت ملك وليس بعدك ملوك" ففرح الملك ظنا منه أنه يمدحه.. لكن فهم الناس بعدها المعنى المقصود
 


شعور غريب ينتاب الزائر لمسجد الشيخ أبوالعيون بقرية دشلوط لتميزه بفنون العمارة المغربية، وكذلك لاحتفاظ منزل الشيخ بجزء من حوائطه التي تعود لنحو أكثر من قرن وربع من الزمان، ولذا فهو واحد من المزارات الدينية التي يحرص على زيارتها الصعايدة، لقضاء بعض الوقت بين عبق التاريخ والاستمتاع بتناول وجبة الطعمية المميزة، وصلاة الجمعة.
ويفد إلى المسجد الباعة الجائلون لكسب قوتهم، كما يوجد حول الضريح عدد من الفقراء وذوى الحاجة، ممن يطلبون مساعدات من الزائرين، والغريب أنه قد نُسجت كثير من الحكايات والأساطير حول آل الشيخ أبوالعيون، وجدهم الشيخ إبراهيم أبوالعيون، النازح من بلاد المغرب، والذي ينتهي نسبه للإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما، وهو ما يحرص أحفاده على توضيحه وبيان صحيحة من كذبه.
وصلنا إلى منطقة مسجد الشيخ أبوالعيون لنجد الساحة الخارجية وقد امتلأت بالباعة الجائلين ممن يعرضون الحلوى والفول السوداني والحمص وكذلك لعب الأطفال، في سوق يتجدد أسبوعيا ويمتد حتى عقب صلاة الجمعة بنحو ساعة.
 


التقيت "على"، بائع عصير القصب، والذي قال: "أنا بائع سريح وأتحرك بماكينة العصير وأطوف بها الأسواق المجاورة، وأحرص منذ زمن على القدوم يوم الجمعة لبيع العصير لزوار الشيخ أبوالعيون وأهالي المنطقة..طلبنا منه كوبا من العصير وللحق كان مميزا وله مذاق، لاسيما لامتزاجه بعبق المكان.
فوجئنا داخل المسجد بصغر حجمه، ووجدنا على يمينه ساحة لصلاة النساء اللاتي أصطحبن أبناءهن لزيارة الشيخ أبوالعيون، ووجدنا قارئ الجمعة يجلس على كرسي في المنتصف، وكانت آثار العمارة الإسلامية واضحة في جدران المسجد والميضة القديمة.
عقب صلاة الجمعة جلسنا مع إمام المسجد الشيخ محمد يونس عبدالله وعدد من أحفاد الشيخ بالقرب من المنبر والقبلة، حيث قال عاطف جادالله، أحد أحفاد الشيخ أبوالعيون:"المكان الذي نجلس فيه الآن جلس فيه قبلنا كبار العلماء والمسئولين الذين كانوا يأتون لزيارة الشيخ إبراهيم أبوالعيون، وفي هذا المكان جلس الشيخ محمد أبوالعيون، وكان وقتها وكيلا لكلية أصول الدين، عندما زاره عميد الكلية آنذاك الشيخ عبدالحليم محمود، العالم الأزهري الجليل، وشيخ الأزهر الأسبق، ومكث معه ثلاثة أيام، وكانت زيارته محل اهتمام كبير من المسئولين والناس، وقبلها جلس مع الملك فاروق ملك مصر والسودان.
 



الشيخ يتنبأ بزوال ملك الملك فاروق..
ويشاركه الرأي محمد عبدالحكم أبوالعيون، "محاسب"، قائلا:"من يأتي لزيارة المكان لابد أن يأخذ الإذن أولا، وأتذكر ما سمعته من جدى أنه عندما كان الملك فاروق، ملك مصر والسودان آنذاك، في زيارة لمنطقة تونا الجبل، وسمع عن الشيخ ومكانته، قرر المجيء إليه، فقالوا له لابد أن تأخذ الإذن أولا، وأبلغوا الشيخ فقال هو ضيف ونحن من نذهب إليه، ثم جاء الملك لزيارته بمنزله فقام الشيخ أبو العيون الحفيد باستقباله في منزله، وقال له أنت ملك وليس بعدك ملوك، وتبسم الملك فاروق واعتقد أنه يعنى أنه من أحسن الملوك، وكذلك ظن الحضور أنه يمدحه، حتى فهم الجميع بعد سنوات معنى كلام الشيخ، وأن مصر لن يحكمها ملك بعد الملك فاروق وأنه آخر الملوك.
وكشاهد على زيارة المسئولين للمكان، ليس من مصر وحدها وإنما من الدول العربية، رأينا ساعة خشبية ضخمة موجودة بجوار محراب المسجد مكتوب عليها ليبية، وعلمنا أنها مهداة للشيخ من أحد المسئولين بدولة ليبيا ممن زارو مسجده.
 


النازح والشهيد والطبيب..
أحمد علي، أحد أحفاد الشيخ أبوالعيون، قال هناك لبس بين الشيخ إبراهيم أبوالعيون الجد والابن والحفيد، فكلهم اسمه إبراهيم، فالأول يحمل لقب النازح نظرا لقدومه من بلاد المغرب أوائل عام 1800 تقريبا، وبقي في هذا المكان الذي حمل اسمه حتى الآن ويعرف بعزبة الشيخ أبوالعيون، وكانت المنطقة في ذلك الوقت عبارة عن صحراء وبها مدافن، وكان يوجد بها مقام لشيخ يدعى الشيخ أصيل وكان يقوم بزيارته أحيانا ويقول له إن شاء الله "الدفنة جنبك" وتحقق له ما قال ودفن بجوار منزله في ضريح خاص به.
أما الابن فيحمل لقب الشهيد لأنه دُعي لشهادة زور بمحكمة أسيوط وكان مجبرا عليها فوقف الشيخ على حافة المرسى الذى كان سيتحرك منه، وتوضأ داعيا الله ألا يصل لمكان المحكمة ولا يعود لداره إن تمت هذه الشهادة، وفور فراغه من صلاة ركعتين قُبض من حينه ودُفن في ضريح بجوار والده، ويستكمل المسيرة ابنه الشيخ إبراهيم الحفيد والذي لُقب بطبيب الأولياء وسيدنا الشيخ، وظل معاونا للناس ومعلما ومداويا حتى وافته المنية في نوفمبر عام 1940 ميلادية.
وقد أقام الشيخ مسجده الحالي والذي بناه على الطراز المغربي السائد آنذاك في بلاد المغرب من فنون العمارة الإسلامية ودفن بضريح بجوار المسجد وبجواره أبناؤه وأحفاده.
 


منزل الشيخ يفتح أبوابه لضيوفه..
وبجوار المسجد يوجد المنزل الخاص بالشيخ إبراهيم أبوالعيون الحفيد، والذي يعود تأسيسه لأكثر من قرن من الزمان وهو عبارة عن مبنى بالطوب اللبن حتى وقتنا هذا، وبه عدد من الغرف الخاصة بالنوم والاستضافة دخلنا بعضها فوجدنا بها أسرة من النحاس الأصفر وكرسي من الخشب مازال يحتفظ برونقه، وبعض الصور القديمة والنادرة والمفروشات والبراويز التي تحمل قصائد مدح وسير ذاتية تتناول آل الشيخ أبوالعيون ومحبوهم وزوارهم في ذلك الوقت، وبعضها يرجع لعشرينيات القرن الماضي قدمها محبو الشيخ وأبناؤه، وكذلك الحال في باقى الغرف، وكلها تفوح منها رائحة الماضي وعبق التاريخ.
وعرفنا أنه تم تشييد المنزل أيضا على الطراز المغربي وكل غرفة بها عدة أبواب، وجميعها تفتح على صحن المنزل وبصحن المنزل كان يوجد بئر للشيخ، وكان يشهد الجميع بعذوبة مائه، كما يوجد به مبنى كبير من الناحية البحرية يتم استقبال الضيوف به على مدى أيام الأسبوع كما تتم فيه المصالحات بين المتخاصمين وعقد قران بعض الأسر والمحبين.
 


ويوجد حول المنزل حديقة خاصة، وهي غاية في الجمال والروعة، وتتوسطها برجيلة من الخشب، وبالقرب منها مئذنة قديمة يصل ارتفاعها لنحو 45 مترا حولها مجموعة السُفر الخشبية حيث تعقد بها الولائم على مدى أيام الأسبوع.
وأوضح أحمد على أن توجد عدة روايات لتفسير لقب "أبوالعيون" الذي ارتبط بالشيخ، منها أن الشيخ النازح عندما كان يجاهد في المغرب كان لا يُرى منه سوى عينيه فسمي بأبوالعيون، وقيل نسبة لبلدته الموجودة بصحراء المغرب وتسمى العيون بإقليم الساقية الحمراء، وقيل لأنه التقى شيخه بمنطقة مجرى العيون بالقاهرة، فلقب بالشيخ إبراهيم أبوالعيون.
 


ضريح الشيخ النازح بجوار منزله
رغم نفحات المكان قررنا العودة وهنا استوقفنا الأستاذ ناصر شحاتة، مدير مدرسة، قائلا: مازال هناك البيت الذي بناه الشيخ أبوالعيون النازح والذي تحول بعد بناء الشيخ أبوالعيون الحفيد لمنزله الحالي لمدافن خاصة بالأسرة، فذهبنا إليه، وهناك التقينا عم قدري أبوالعيون خالد، 60 سنة، حيث يسكن بمنزله الذي يطل على المدافن والذي أوضح لنا أن منزل الشيخ أبوالعيون النازح والذي لاتزال أجزاء من جداره موجودة يعود لأكثر من 100 عام مضت، ويحتفظ بملامحه وأماكن تعبد الشيخ وصلاته ونومه ورغم تحول المكان لجبانة تخص العائلة كان الحرص على ترك أجزاء منه كشاهد على الحياة اليومية في هذا المكان كما يوجد به ضريح الشيخ النازح وحوله عدد من أضرحة أبنائه.

(37 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع