تراث

من سيرة الظاهر بيبرس..

ما أكرم الأجناد والقُواد

إن الباحث فى تاريخ السلطان الظاهر بيبرس والذى يتتبع حروبه يكتشف حقيقة كبرى، هى أنه لا يمكن وضع خط فاصل بين حروبه ضد الصليبيين وحروبه ضد المغول؛ فالواقع أن الظاهر بيبرس كثيرا ما كان يحارب الطرفين فى وقت واحد، أو يخرج لحرب أحدهما فيخوض غمار الحرب ضد الآخر.
عندما شعر الصليبيون فى عكا بضعف مركزهم أمام السلطان بيبرس، أرسلوا إليه فى طلب الصلح، وتم عقد الهدنة لمدة عشر سنين وعشرة أشهر وعشر ساعات. ويبدو أن هذا الصلح حرم "أبغا" والمغول من حلفاء مخلصين، الأمر الذى جعل أبغا ييئس من مواصلة الحرب ويفكر هو الآخر فى طلب الصلح مع بيبرس مرة أخرى بعد أن رفض بيبرس ذلك من قبل، وكان أن أرسل أبغا بعض الرسل إلى السلطان بيبرس بغية جس النبض فى موضوع الصلح فأكرم السلطان وفادتهم، وأرسل بدوره اثنين من كبار أمرائه إلى أبغا ومعهما الهدايا والخلع. ويبدو أن أبغا أراد أن يقوم ببعض مظاهرات عسكرية على حدود الشام ليستعجل بيبرس فى الصلح؛ فتحرك المغول على حدود الشام سنة 1272م وفى الوقت نفسه أرسل أبغا رسله إلى الشام لطلب الصلح. وفى تلك المرة أهمل بيبرس رسل المغول "ولم يحتفل بهم"؛ وقد طلبوا أن يذهب الأمير سنقر الأشقر إلى الشام لطلب الصلح،ثم عادوا ونقضوا كلامهم فقالوا بل "يمشى السلطان أو من يكون بعده فى المنزلة إلى أبغا لأجل الصلح". وعندئذ رد عليهم بيبرس قائلا: "بل أبغا إذا قصد الصلح يمشى هو فيه أو أحد من إخوته". واختار بيبرس أن يستعرض قوته أمام الرسل فأمر جنوده فلبسوا عدد الحرب ولعبوا فى الميدان خارج دمشق والرسل تشاهد ذلك. ولم يكد رسل المغول ينصرفون من عند السلطان بيبرس، حتى جاءت الأخبار بإغارة جيوش أبغا على "البيرة" - وهى قلعة هامة على نهر الفرات- وأنهـم نصبوا المنجـانيق 
لمهاجمتها واتخذوا كل الاحتياطات لمنع المسلمين من الوصول إليها عبر الفرات. وكان أن أسرع السلطان بيبرس لإنقاذ البيرة ومعه بضع سفن حملت على ظهور الجمال للاستعانة بها على عبور الفرات. وقد أظهر الفرسان المسلمون بزعامة بيبرس شجاعة نادرة، فألقوا بأنفسهم فى مياه الفرات وساقوا فيها عوما الفارس إلى جانب الفارس وهم متماسكون بالأعنة، ومجاديفهم رماحهم. وكان أول من وصل إلى البر الشرقى للفرات هو السلطان بيبرس نفسه، فصلى ركعتين شكرًا لله، وتحركت أريحيته وفاضت قريحته وأنشأ يقول.. صلوا على طه الرسول :
 

 

بجاه رسول الله يا رب أسألك

تجعل خطانا فى سداد ورشاد

أنا فى طريق دايساه جيوش الصحا

به ما أكرم الأجناد والقواد

ابن الوليد خالد وسعد المدينة

عرب سليلهم طارق ابن زياد

أنا كل ما أرجوه من النصر يحصل

ببركة الأسلاف الأجداد

إلى وحوش الأرض جردت سيفى

يا رب واجعلنى لهم جلاد

أوغاد بنى الإنسان تتعر منهم

وشويه فيهم كلمة الأوغاد

جماد من الصوان قُدت قلوبهم

يخزى من الله اللى قلبه جماد

ما انساش ولا تنسى البرايا جميعها

اللى جرى للعاصمة بغداد

بالمسلمين فعلوا مآسى فظيعة

من وصفها تتفتت الأكباد

أنا للتتر لو كانوا كالنمل فى العدد

أو كانوا من فوق السحاب جراد

أولاد جنكيز خان بقوه من الله

أجعلها من فوق التراب رماد

تسمع بها الأجيال ليوم القيامه

كما سمعنا عن ثمود وعاد

  بعد ذلك قاد السلطان بيبرس عساكره ضد المغول فأنزلوا بهم الهزيمة وقتلوا وأسروا كثيرين منهم. وفى الوقت نفسه حرص بيبرس على أن يستخدم شيوخ العرب فى العراق ليكونوا عينا له على المغول، ويذكر المقريزى أن بعض هؤلاء الشيوخ من هيت والأنبار والحلة والكوفة وفدوا على بيبرس، فأنعم عليهم وأجزل لهم ليحيطوه علما بتحركات التتار.
 
 

(85 موضوع)

0

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع