تراث

كتبته أرواح الموتى..

"ماعت".. دستور العدالة للقدماء المصريين

دستور الديانات المصرية القديمة

كانت قوانين "الماعت" مُلزِمة لجميع قدماء المصريين من أصغر فلاحِ وحتى رأس الدولة، وحين يفقد الإنسان "الماعت" -الاستقامة- يُصبح مقيّدًا بالأغلال؛ ويكون السبب الرئيسى فى ذلك جهله بالإلهة "ماعت" ومن ثَم يفقد حياته الأبدية؛ ولقد حرص المصرى القديم على قوانين "الماعت" ضمانًا لوصوله إلى نعيم الحياة الأبدية فمن التزم الأخلاق القويمة والسلوك المستقيم خلال حياته فقد تثّملت فيه قوانين "الماعت"، ولقد وجدت قوانين "الماعت" مُدوّنة فى كتاب "الخروج إلى النهار"؛ والذى سبق ظهور الوصايا العشر -شريعة حمورابي- بحوالى 2000 عام، وهى لم تأت من فراغٍ فقد سبقها ظهور تعاليم الحكماء "بتاح حتب"، و "كا جمني"، و "مرى كا رع"، وإن دلت تلك التعاليم فإنّما تدّل على شيءٍ واحد وهو إعلاء قيمة الفضيلة فى مصر القديمة منذ فجر التاريخ.


المعبودة ماعت

من يقرأ قوانين "ماعت" الـ 42 يكتشف أنها مكتوبة على لسان أرواح الموتى الذين انتقلوا إلى العالم الآخر، وهم ينتصبون واقفون فى قاعة الماعت "العدل" يوم الحساب؛ أي: أن تلك القوانين لم تُفرض على الإنسان من الخارج؛ وإنما نبعت من داخله فالحقيقة الكونيّة الراسخة عبر الزمان تقضى بأنّ الإنسان لا يحتاج إلى قواعد أخلاقية تُفرَض عليه من الخارج لتحكمه؛ والسّر فى ذلك وجود الضمير بداخله؛ وهو جوهر الفضيلة، فكل ما عليه هو إعمال الضمير فى جميع شؤون حياته، وهذا ما فعله قدماء المصريين، فكانت مبادئ "الماعت" هى الدليل للعيش فى المجتمع المصرى القديم، وكانت واجبة النفاذ من قبل الحاكم والشعب بلا استثناء، وكانت الإلهة المصرية "ماعت" تُمثِّل الحقيقة والعدالة والنظام فى الحياة الدنيا والآخرة.
الحق والعدل.. أو الإلهة "ماعت".

"ماعت، Maat أو maʻat"؛ إلهة الحق والعدل عند قدماء المصريين، كما يُنسب للإلهة "ماعت" أيضًا التحكّم فى فصول السنة وحركة النجوم، لهذا سُمّيت مصر قديمًا "أرض النيل والماعت"، وصُوّرت "ماعت" بهيئة سيدةٍ تعلو رأسها ريشة النعام رمز العدالة، وكما صُوّرت ممسكة مفتاح الحياة "عنخ" فى أحد يديها، وتُمسك فى يدها الأخرى صولجان الحكم، ولا يزال غير واضحٍ السبب الحقيقى وراء ارتباط "ماعت" بريشة النعام كرمزٍ لها.
ويُذكر فى أُسطُورتها أنّه عند حساب المتوفى فى العالم السفلى عند المصريين القدماء يُوضع قلب الميت على الميزان فى كفة وريشة الإلهة "ماعت" فى الكفة الأخرى، فإذا رجحت كفة قلب المتوفى؛ فإنّه يدخل الفردوس فى معتقداتهم، وأمّا إذا رجحت كفة الريشة فإنّه يدخل الجحيم؛ والذى تُمثّله المعتقدات المصرية على هيئة وحش مفترس اسمه "عمعموت"، رأسه رأس التمساح وجسمه جسم الأسد والجزء الخلفى له من جسم فرس النهر، وكانت هيئة المحكمة فى العالم السفلى تتكون من "42" قاضى بعدد أقاليم مصر، ويرأسهم "أوزيريس"، وكان تصوّر قدماء المصريين عن يوم الحساب أن يُصاحب "أنوبيس" الميت إلى قاعة المحكمة، ويبدأ القضاة فى استجواب الميت عن أفعاله فى الدنيا، وهل كان متبعًا لـ"ماعت"؛ وهى الطريق القويم، أم كان من المذنبين، ويبدأ الميت فى الدفاع عن نفسه، قائلًا: لم أقتل أحدًا، ولم أفضح إنسانًا، ولم أشكو عامل لدى رئيس عمله، ولم أسرق، وقد كُنتُ أطعم الفقير، وأعطى ملبس للعريان، وكنتُ أساعد الناس، وكنت أعطى العطشان ماءً، ثم يبدأ القضاة فى سؤاله عن معرفته بالآلهة، فكان عليه أن يذكر الآلهة بأسمائها وحذار أن ينسى واحد منهم.


ألهة الحق والعدل ماعت

كما كان لزامًا على كل من يحكم من الملوك أن يُقرّ "الماعت" على الأرض، وكان ذلك يتجسّد بتقديم الملك لقربان "الماعت" للأرباب كنايةً عن إقرار النظام والعدالة، وكل ما يرغب فيه الأرباب، وكان الملك يقوم بتقديمها يوميًا للأرباب كبرهانٍ ملموس على كونه نائبًا عنهم فى وظيفته الإلهية فى إطار "الماعت"؛ فقد كان مفهوم "الماعت" بمثابة النظام القياسى المضبوط لكل شيء، والذى يُمثل أساس العالم، وكل ما يتوافق مع مقاصد المعبود للخالق؛ لذا وجب على البشر الحفاظ عليها وإقرارها، وإعادة "الماعت" والنظام إلى نصابه السليم إذا ما تعرض لأى خللٍ أو اضطراب.
ومن المعابد التى ظهر بها منظر تقدمة "الماعت"، معبد "آمون-رع" بالكرنك فى عددٍ من المناظر من عهد الملك "تحتمس الثالث"، أمام عدد من المعبودات، ومعبد "آتون" فى "الكرنك"، ومعبد "ستى الأول" بأبيدوس، ومعبد "الأقصر"، وعادة ما يُصاحب النقش صيغ التقدمة التى تتضمن عبارة: "تقدمة ماعت لربِّ الماعت"، وعادةً ما كان "قربان ماعت" يُقدّم إلى الأرباب الذكور وليس للإناث، وفى مقدمة الأرباب الذين صوروا وهم يتلقون القربان: "آمون، آمون-رع، حور آختي، آمون رع، كا موت اف، آمون مين، رع حور آختى، بتاح، خونسو، شو، أوزير، ست، آتوم، مونتو، خنوم، سوبك، حتحور، إيزة، مين".

تدل آثار الحضارة المصرية القديمة بكل وضوح على اهتمام المصرى القديم بالعدالة أكثر من اهتمامه بالقانون، كما هو الحال فى حضارة بلاد الرافدين.. فلم يتركوا لنا تراثًا من النصوص القانونية مثلما فعل "حمورابي" الذى وضع أول دستور، أو تشريع قانونى فى حضارة بلاد الرافدين.. فجميع نصوص الحكمة التى تركها المصرى القديم ترشدنا إلى الالتزام بتعاليم الماعت "العدل والحقيقة".
قوانين "ماعت" الــ 42.


تصور الحساب في الآخرة عند المصرى القديم

1- أنا لم أرتكب خطيئة. 2- أنا لم أسلب الآخرين ممتلكاتهم بالإكراه. 3- أنا لم أسرق. 4- أنا لم أقتل. 5- أنا لم أسرق الطعام. 6- أنا لم اختلس القرابين. 7- أنا لم أسرق ممتلكات المعبد. 8- أنا لم أكذب. 9- أنا لم أخطف الطعام. 10- أنا لم ألعن "أشتم". 11- أنا لم أغلق أذناى عن سماع كلمات الحق. 12- أنا لم أزني. 13- أنا لم أتسبب فى بكاء الآخرين "إيذاء مشاعر الآخرين". 14- أنا لم أنتحب "أحزن" بدون سبب. 15- أنا لم أعتد على أحد. 16- أنا لم أغش أحد. 17- أنا لم أغتصب أرض أحد. 18- أنا لم أتنصت "أتجسس" على أحد. 19- أنا لم ألفق تهمة لأحد. 20- أنا لم أغضب بدون سبب. 21- أنا لم أغوى زوجة أحد. 22- أنا لم أُدنِّس "أُلوِّث" جسدي. 23- أنا لم أقم بإرهاب أحد. 24- أنا لم أخالف القانون. 25- أنا لم أتمادى فى الغضب. 26- أنا لم ألعن "أشتم" النترو "الآلهة". 27- أنا لم أستخدم العنف ضد أحد. 28- أنا لم أهدد السلام. 29- أنا لم أتصرف بغوغائية "بدون تفكير". 30- أنا لم أتدخل فيما لا يعنيني. 31- أنا لم أتحدث بالمبالغة "النميمة". 32- أنا لم أفعل الشر. 33- أنا لم يصدر منى أفكار، كلمات، أفعال شريرة. 34- أنا لم أُلوِّث ماء النيل. 35- أنا لم أتحدّث بغضب أو استعلاء. 36- أنا لم ألعن أحد بكلمة أو فعل. 37- أنا لم أضع نفسى موضع شبهات. 38- أنا لم أسرق ما يخص النترو "الآلهة". 39- أنا لم أنبش القبور و لم أسيء إلى الموتى. 40- أنا لم أخطف لقمة من فم طفل. 41- أنا لم أتصرف بكبر و غطرسة. 42- أنا لم أٌخرِّب المبانى الدينية "المعابد".

ويقول "بليكر" فى كتابه عن "الماعت" أنها: "نظام اجتماعى ونظام كونى سواء فى الإنسان بوصفه صورة مصغرة عن العالم أو العالم الكبير الذى يشمل الكون"، كما أشار "أنّا منسيني" أستاذ القانون فى كتابه "فلسفة العدالة فى مصر القديمة" إلى أنّ "الحياة المصرية بالكامل كانت تُديرُها "الماعت"، فلا يوجد خلاف بين العدالة الإلهية والبشرية، فالإنسان العادل فى الحياة الدنيا هو الإنسان العادل فى الحياة الأخرى"، وعليه فقد كانت "الماعت" بالنسبة للمصرى القديم ناموس الحياة، ومنهجها السليم الذى وضع من قبل الإله الأكبر "رع"؛ ليكون فيه الخير للبشر والكون.


ريشة الألهة ماعت في محكمة الآخرة

وصوّر المصرى القديم نقيض "ماعت" فى "إسفت" المصرية؛ والتى تعنى عنده "الفوضى"، أو عدم العدالة، أو الظلام، أو عدم الصدق، يقول "جان يويوت" عالم المصريات الشهير: "إن الشخص الذى يتسم بالمثالية وملتزم بالأعراف السياسية والاجتماعية، والأخلاق والآداب المصرية يجب أن يتفق مع مفاهيم الماعت، فالعادل والرجل الخير فى الحياة الأخرى سيكون "ماعتيًا"، أي: منتمى إلى ماعت، أما الظالم والمتآمر على الملك والمنتهك للحرمات والمُخلّ بالنظام، والذى يتهجّم على النظام الأساسى للأشياء هو "إسفتي"؛ أي: منتمى إلى إسفت"، ومن الصفات التى تُعرقلّ عمل "الماعت" هو "الكذب"، فعندما يكذب المصرى القديم فأنّه يُخل بدوره بالـ"ماعت"، مما يُسبّب له اضطرابًا وعدم توازن نفسي، لذا أول من يتعذّب هو الكاذب، وفقُا لتعاليم "الماعت" فى محكمة الآخرة، هكذا كان تَصوُّر المصرى القديم عن الحق والعدل والأخلاق والقيم والتى لا طالما حافظ عليها طمعًا فى سعادة الدنيا والفوز بالحياة الأبدية السعيدة. 

مراجع
موسوعة مصر القديمة، سليم حسن، الهيئة العامة للكتاب، 1992م.
تاريخ الفكر الدينى الجاهلي، محمد إبراهيم الفيومي، دار الفكر العربي، 1994م.
المعتقدات القديمة لدى الشعوب، هيئة الفنون والآداب الكويتية، 1993م.
الديانة الفرعونية، واليس بَدج، ترجمة: نهاد خياطة، العربية للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، ط2.
الديانة المصرية القديمة، ياروسلاف تشرني، دار الشروق للنشر، 1996م.
حضارة مصر القديمة وآثارها، د. عبد العزيز صالح، مكتبة الأنجلو المصرية، بدون تاريخ.
حضارة مصر القديمة، رمضان عبده علي، المجلس الأعلى للآثار، 2004م. 
 

(63 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع