تراث

"المباحث السرية لرجل الأمن العام والبوليس"..

كتاب نادر ألفه ضباط شرطة للقضاء علي الجريمة بعد ثورة 1919م

صدر كتاب "المباحث السرية في فن وظيفة البوليس السري لرجال الأمن العام والبوليس "في منتصف عشرينيات القرن الماضي، بعد ثورة 1919م بـ 7 سنوات ليعتبر من أوائل الكتب العربية التي قام الضباط المصريون بتأليفها لتوعية الضباط بكيفية القضاء علي الجريمة، بل وكيفية الاعتماد علي أنفسهم وتدريب أنفسهم تدريب ذاتياً بعيداً عن قوات الاحتلال البريطاني، في عالم وصفه الكتاب صارت الدول فيه تهتم بتسليح ضباط الشرطة بالمعرفة والتكنولوجيا وأدوات التصوير الفوتوغرافي ومعرفة فنون التنكر، وأفرد الكتاب بحثاً مهماً عن استخدام الكلاب وتدريبها حيث لم يكن جهاز الشرطة في مصر استخدام كلاب الحراسة، بل سرد المؤلفين عادات العرب في استخدام الكلاب موصين باستخدام الكلاب للاهتداء علي المجرمين. 



وألف الكتاب النادر الذي تنشره "بوابة الحضارات" كلا من: أحمد فؤاد عبدالمجيد مدرس التحقيق الجنائي بمدرسة البوليس، والصاغ محمد علي زيور، مساعد قومندان بلوك خفر مصر والملازم أول حسين شفيق، ضابط بلوك خفر محافظة مصر في عام 1926م إلا أنه حوي صوراً نادرة لمجهودات الشرطة المصرية تنمي لأعوام 1923م في إسعافهم للمواطنين المضارين من سقوط منازلهم في بركة الفيل وغيرها.
 


قسم المؤلفون كتابهم الذين اشترطوا وضع خواتمهم عليه وإلا اعتبروه مسروقاً عدة أقسام منها: كيفية التصوير الضوئي لحوادث سقوط المنازل أو الطبيعة أو المجرمين وأظهروا صوراً نادرة للحوادث مثل الحادث الذي وقع في شهر يناير من عام 1926م حين أفلتت مركبات بضائع السكة الحديد واتجهت لثكنات جنود الاحتلال البريطاني ومثل مجهودات الإطفاء والإسعاف في إنقاذ السكان من سقوط أحد المنازل الذي أدى لوفاة 4 أشخاص من السكان كما أسهموا في شرح فنون التنكر والإخفاء والأساليب التي يتخذها المجرمون سواء في مصر أو بعض دول العالم. 
 
وقال الكتاب إن هناك صفات التي لابد أن يتحلي بها رجل البوليس حيث أكدوا "مما هو ضروري ولازم لرجل البوليس أن يكون قادرًا على وصف الأشخاص وصفًا دقيقًا وأن يكون ماهرًا في الاستعراف على الأشخاص الذين يعطى له بيان أوصافهم وأشكالهم ومميزاتهم وكلما فاقت قدرته في هذا الشأن، كلما ضرب بسهم صائب في النجاح والتقدم في وظيفته، لأن ذلك مما يسهل عليه تعقب الأشخاص المطلوب ضبطهم أو البحث عنهم والقبض على المتهمين في الجرائم.
 


"وإذا أردنا أن نوضح لك أهمية ذلك بمعنى أو بلفظ غير ما تقدم نقول لك أن أوصاف المتهم قد ترسل بالتليفون أو التلغراف فتبلغ مهارة بعض رجال البوليس حد معرفة واكتشاف المتهم والقبض عليه دون سابقة معرفة أو رؤية، ولذلك يجب على رجل البوليس دائمًا أن يصف كل شخص الوصف الحقيقي وأن يجتهد دائمًا في الحصول على وصف تفصيلي لكل شخص يكلف بالبحث عنه.
 
وتستلزم العبقرية والقدرة على الوصف كثيرًا من قوة الملاحظة لأنه كلما برع رجل البوليس في نقش صورة الشخص في ذهنه كلما أمكنه كتابة هذه الأوصاف بعدئذ بحيث يجعل من السهل على كل شخص آخر غيره أن ينظر إلى مجموع الصورة والأوصاف بالعين التي رأى بها وفى كلتا الحالتين يسهل عليه وعلى غيره الاستعراف على شخص متهم أو غائب أو هارب بمجرد الاطلاع على هذه الأوصاف.
 


وأضاف الكتاب " تظهر لنا أهمية الأوصاف الصحيحة متى علمنا أن المقدرة على القبض على المتهمين في الجرائم الخطيرة مؤسسة على سابقة الحصول على مثل هذه الأوصاف، ومن هذا كما سبق أوضحنا نعرف جسامة الخطأ الفاضح الذي يترتب على أن رجل البوليس يتبع شخصًا غير عالم بأوصافه تماما ولذلك يجب أن تكون الأوصاف واضحة أي خاصة ومطابقة وموافقة للشخص الموصوف الغائب أو المطلوب ضبطه 
وإذا كلفت بضبط شخص أو البحث عنه ثم أعطيت لك الأوصاف الآتية:"شخص سمين طوله 170 سنتيمترا ذو عينين زرقاوتين وشعر أسود" فهل لا ترى أن مثل هذا الوصف قد ينطبق ويوافق خمسين شخصا تعرفهم حق المعرفة ولكن لو أضيف إلى ذلك الوصف هذه الدقائق:"به أثر جرح عميق فوق حاجبه الأيمن ويتكلم بلهجة شامية ومصاب بعرج خفيف في رجله اليسرى وعلى صدغه الأيمن وشم في صورة عصفور".فلا جرم أن هذه الدقائق تخرج الشخص المطلوب من بين الخمسين شخصًا، ولا ريب أن ذلك مما يسهل ضبطه أو الحصول عليه.
 


وفي الزمن الماضي كان من السهل أن يتنكر المجرم ويخفي نفسه لمدة طويلة ولو أنه تحت أنظار رجال البوليس دائمًا، ولكن جاءت طرق تحقيق الشخصية الحديثة العلمية بنتائج باهرة تثبت أنه لا يمكن لمجرم أن يعتمد على التنكر كما كان يعتمد قبلا، وهناك طرق ووسائل شتى يمكن لرجل البوليس بها أن يتنكر ويخفي نفسه ولهذا يجب على رجل البوليس أن يعلمها حق العلم حتى يمكنه معرفة الشخص المتنكر.
كما حدد المؤلفين قواعد لرجال الشرطة منها قراءة الأخلاق للناس مؤكدين " مما هو لازم لرجل البوليس أن يكون قادرًا على قراءة أخلاق الناس لأن وظيفته تضطره لأن يحتك بأقوام من أصناف ودرجات شتى وهذا مما يجعل لديه فرصًا تساعده على قراءة أخلاقهم، ولا تتم له هذه الملكة إلا إذا كان عالمًا بطبائع البشر ،وفي بعض الأحوال التي يسعى فيها رجل البوليس في الحصول على اعترافات من المتهمين فانه يبني النتائج على معرفته بطبائع البشر فجدير برجل البوليس أن يكون قادرًا على أن يحكم إذا كان المتهم يعترف بالحق أو ينكر أو يحاول التضليل بالتحقيق، ومتى أصغى إلى المتهم فليراقب ملامحه وخاصة عينيه لأنها تنبئ عما يكنه قلبه، مثلما قال الشاعر: فالعين تنطق والأفوه صامتة / حتى ترى من صميم القلب تبيانا.
وقال الكتاب "مما يجب ملاحظته لون الشخص ولهجته وأخلاقه وأحواله وأمياله، فإذا قابلت شخصا بقصد قراءة أخلاقه فيجب أن تهتم في ملاحظة جميع ملامحه المختلفة وصوته ولهجته وكلامه ومشيته وملبسه وجميع أحواله وكلما كان رجل البوليس ذكيا ولبيبا كلما أمكنه التفرقة بين حال الشخص الطبيعية وحالته المدعاة.



ويجب على رجل البوليس أن يكون متدربًا على معرفة جميع أنواع المجرمين حتى يمكنه التفرقة بينهم بمجرد النظر إليهم، ولا يمكنه أن يضرب في ذلك بسهم صائب إلا إذا كان قادرًا على درس ملامحهم فمثلا تجد المجرمين ذوي الأجساد الضعيفة يميلون دائما إلى ارتكاب مالا يستوجب أجهاد الجسم كالمزيفين والمزورين والنشالين ونحوهم بينما تجد المجرمين ذوي الأجساد القوية يميلون غالبا إلى ارتكاب جرائم القتل والسرقة بالإكراه ونحوها مؤكدين أن رجال البوليس الذين يحصلون على اعترافات من المتهمين بناء على ما يعلمونه من طبائع البشر يعتبرون ذوو كفاءة وقدرة، ومما يجب على رجل البوليس عند استجواب شخص أن يلاحظ الحالة التي يتكلم بها والسرعة التي يجيب بها ملاحظة كل ملامحه وهيئته عندما يقول نعم أو لا بل معرفة تأثير صنعته ومهنته التي يمتهنها عليه ،وكثير من الناس لهم مواطن ضعف، فمتى اكتشفها رجل البوليس أمكنه التغلب على هؤلاء الناس ويسهل ذلك عليه بمجرد الحديث معهم في كلام ليس له علاقة بالجريمة لأن كثيرا من الأشخاص يبيحون بما يجيش في صدورهم بمجرد التحدث معهم في لطف أو رقة وظرف وقد وضحنا ذلك تفصيلا في مبحث اكتساب الثقة.

(93 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع