تراث

فى ذكرى النكبة..

ننفرد بنشر رسائل نادرة لمجندين من أبناء الصعيد

ماذا يعنى انكسار الجنود البسطاء الذين خاضوا حرب فلسطين 15 مايو 1948م، لإنقاذها من العصابات الصهيونية ؟ يعنى أنهم يعيشون فى جغرافيتهم المهمشة، حتى موتهم دون أن نتذكر نضالهم، كانوا يتجرعون ذكرياتهم عن البحث عن جرعة ماء، وهم يفرون فى وديان وجبال فلسطين ولايملكون القدرة، أن يكتبوا عن انكسارهم مثلما فعل أدباء وشعراء الوطن العربى فى نكسة 1967م الجنود البسطاء الشرفاء لايكتبون الشعر ولا الروايات.

 
الحرب التى خاضها 10 آلاف جندى مصري، ضد العصابات الصهيونية، حيث كانت تشير الإحصائيات أن العصابات الصهيونية كانوا يمثلون 3 آلاف مقاتل ضد الجيوش العربية، حيث النكبة حفرت انكساراً عميقا بداخل الجنود أشبه بانكسارات حرب 67، وأنها مثلت الوطن العربى من محيطه لخليجه انكساراً لايمكن معالجته. 
كان الجنود يحملون أرقاما وأسماء الموتي، مخافة الأسر والبطش لهم من نساء يهوديات، كن فى غاية الشراسة والقسوة معهن لأسباب لايعرفها الجنود والذين قاوموا الأمراض، والزهايمر، بصعوبة بالغة حتى طالهم الموت فى مسقط رأسهم بقرى محافظات الصعيد. 
البريد الحربى – العوجة – فلسطين 3 كلمات معتادة، كان يكتبها أحد الجنود المصريين، لأهله فى الصعيد المصري، فى خطابات كان يرسلها فى توقيت حرب فلسطين عام 1948م حتى عام 1949م .
 
الكلمات التى كانت تقطع مسافة آلاف الأميال من العوجة القريبة من أريحا بفلسطين، لم تكن تحمل غير التوصية الحارة لشقيقه بأن يأخذ "باله" من والدته وبعض كلمات دافئة، عن الاشتياق الحار للوطن، وقروش قليلة يرسلها لأهله الفقراء اقتطعها من راتبه الميري.
الخطابات، التى كانت بخط مغاير فى كل مرة يرسلها الجندى المقاتل لأهله توضح أن اليونباشى "العريف"، لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة، وكان مجبراً أن يملى ما يعج فى جوانجه لجندى آخر يتطوع بشجاعة، يحسد عليها أن يكتب بخطه المتداخل لزميله الذى لايعرف القراءة ولا الكتابة.
 


ولكن انكسار الجنود يمكن اختصاره، بأن التاريخ الرسمى فى الأوطان العربية، لم يدون ماتحمله خطاباتهم، من معلومات قد تكون مهمة لقراءتها، فى عالم تحولت الخريطة العربية أنها تقاتل نفس العصابات بسحنة قريبة الشبه من العصابات اليهودية "داعش" والتيارات الدينية المتطرفة الأخري، ولا تعتد بقضية كانت ولا تزال تمثل أهم قضية للوطن العربى وأجياله من المحيط للخليج.
 
فى وقت، كتابة الجنود المصريين، لخطاباتهم تكون رحلة البحث عن زميل يعرف فقط كيف يدخل الخطوط وكيف يضع الكلمات، رحلة بحث شاقة، ربما يبوح لها لأولاده فيما بعد، وهو يتذكر فلسطين، ربما تأخر إرسال خطاب للأهل لعدة شهور هو افتقاد زميل يعرف القراءة والكتابة واستشهاده فى الحرب، ذلك الزميل الذى كان يعرف القراءة والكتابة بالكاد الذى كان يكتب له متطوعا بخطوطه المتداخلة الغريبة.
 
 
 
الفصيلة العسكرية ك ك م م س 3 بمنطقة العوجة بفلسطين، هى محط مكان العريف الصعيدى الصغير، فالسرية 3 وكتيبة المشاة التى تبعد آلاف الأميال عن وطنه، كانت قدره الدائم ذلك القدر الذى يجعل القائمين فى الحرب تقوم بالإبقاء عليها، حينا أو فى شطبها أحيانا آخرى. 
"أنا بخير وأرجوك لا يكون عندك شغل من ناحيتنا" دائماُ يصمم خطاب الجنود على تأكيد هذه المقولة، ويضعها تحت الكلمات الثلاثة "البريد الحربى – العوجة – فلسطين، ربما يصمم لوضع هذه الكلمات لمعرفته بعدد الجثمانين من الشهداء، الذين وصلوا لقرى الصعيد قبل تحقيق الحلم فى إنقاذ فلسطين، من أيدى العصابات الصهيونية.
العصابات الصهيونية، التى منعت أحد الجنود المصريين من التجول فى أحياء القدس العتيقة، فقام باحتضان المسجد الأقصى بعيونه، وكان يتذكر حين يضع عمامته فوق مصطبته الطينية فى الصعيد، وهو يحكى كيف تعقبوه وكيف حذره أصدقاؤه من نساء العصابات أكثر من رجالها.
 

 
 كيف اختفى المقاتل، بعد أن اقتطف نظرة للقدس، لم تزول ولن تزول، حتى وهو لايعرف كيف يتذكر بسبب أمراضه، كم مر على سنوات النكبة وضياع فلسطين، كيف عاشت هذه الخطابات التى حملت شقاء البحث عن زميل يعرف القراءة والكتابة بالكاد وقطعت آلاف الأميال من العوجة حتى الصعيد وهى تظهر فى بضع كلمات من هنا كانت النكبة.
ليست الخطابات فقط ما يحتفظ بها الصعايدة، فهناك تذكار فلسطين الذى يساوى عمره، عمر النكبة واحتلال العصابات الصهيونية الإسرائيلية لفلسطين فى عام 1948م، حيث يحتوى التذكار الكثير من الذكريات، بداية من رسم الجنود والجيوش العربية المشاركة فى إنقاذ فلسطين، على الخلفية ورسم الملك فاروق الأول والمسجد الأقصى على وجه التذكار.
التذكار النادر الذى يحتفظ به حسنى حسن إبراهيم، العامل المقيم بقرية أبومناع بقنا، يحكى سيرة فلسطين التى وقعت تحت براثن الاحتلال الإسرائيلى حتى الآن، بعد هزيمة الجيوش العربية وتنفيذ العصابات الصهيونية ﺃكثر ﻤﻥ 70 ﻤﺫﺒﺤﺔ ﻭﻤﺠﺯﺭﺓ ﺒﺤﻕ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻴﻴﻥ، أدت إلى مقتل ﻤﺎ ﻴﺯﻴﺩ ﻋلى 15 ﺃﻟﻑ فلسطيني.

التذكار المصنوع من النحاس الخالص يظهر الملك فاروق الأول وهو يرتدى الزى العسكري، وأمامه المسجد الأقصي، أما على الجانب فقد تم وضع اسم "ميدالية فلسطين"، وفى الخلفية هناك رسم للجيوش العربية التى شاركت فى الحرب، وهى جيوش مصر والأردن والسعودية وسوريا ولبنان، وتحت الجنود كانت صورة للأرض وأجناس الشعوب العربية كالأطفال والنساء، الذين يحيون فى الأرض ويعيشون فى خيراتها.
قامت الجامعة العربية وقت تنفيذ التذكار بخطوة لتوفير الاحتياجات الدفاعية للفلسطينيين؛ حيث أمرت بتشكيل اللجنة العسكرية الفنية وذلك لتقييم المتطلبات الدفاعية الفلسطينية، وخرج تقرير الجامعة العربية باستنتاجات تؤكد قوة الصهاينة، وتؤكد أنه ليس للفلسطينيين من قوى بشرية أو تنظيم أو سلاح أو ذخيرة يوازي، أو يقارب، ما لدى الصهاينة.
وحث التقرير الدول العربية على "تعبئة كامل قوتها للدخول للحرب، ومن هنا ظهر تذكار فلسطين ومشاركة مصر بجيشها مع الجيوش العربية، التى كانت تعانى مشاكل فى العتاد والتنظيم، فى ظل حكم الملكية، حيث تمت محاصرة جمال عبد الناصر ورفقائه فى الفلوجة من قبل العصابات الصهيونية. 

(72 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع