تراث

عاشت الأسامى..

البلطجى المظلوم والمفترى عليه!!

أعرف مقدما وجيدا أنك بمجرد أن تقرأ هذه الكلمة أو ذلك العنوان، ستتعجب وتسأل: ومن الذى يجرؤ أن يظلم بلطجيا فى هذا الزمان، وقد "تنقح" عليك ذاكرتك فتزداد استفزازا وأنت تتذكر أفعال البلطجية فى ثورة يناير و ماذا فعلوا  بنا من رعب وخوف ونشر للفوضى والهمجية فى هذه الفترة، وقد يذهب رأسك إلى موقعة الجمل أشهر موقعة ظهر فيها مايسمى بمصطلح "بلطجية الحزب الوطنى المنحل" وهم يمسكون بمطاوى قرن الغزال والسنج وكل الأسلحة البيضاء والخرطوش لقتل شباب المتظاهرين بميدان التحرير، وربما تتوالى عليك  الذكريات والمشاهد حتى تصب غضبك على رأسى وشخصى وتلعن اليوم الذى قرأت فيه هذا العنوان العجيب.



نعم ياعزيزى فلقد ظلمت سلوكيات الانحراف والانحدار الأخلاقى فى مجتمعاتنا هذه الكلمة تماما، فهى بريئة كل البراءة من كل ما ينسب إليها من هذه الاتهامات والمواصفات، ولعل زيارة قصيرة ونظرة عين حانية نابهة على صفحات معجم لسان العرب، ستكتشف أن البلطجة هو أصلا كلمة مشتقة من لفظ «بلطج" ويعنى  "الشخص"  الذى كان يسير مع الجنود  لأجل تسهيل الطريق وتمهيده بقطع الأشجار وإقامة الحصون .
وكان هذا الشخص مجند أصلا فى  فرقة ضمن الفرق التى كان يضمها الجيش المصري أيام محمد على باشا ( 1805 - 1848).. وكلمة  بلطجة هنا مكونة من مقطعين هما بلطة وهى أداة التى كان يستخدمها الجندى ويقطع بها الخشب أما حرف "الجي" فقد تم إضافته لكونه أداة نسب تركية، وأما الذى سيذهلك أكثر، أن هؤلاء البلطجية كانوا يتخرجون من مدرسة المهندسخانة على غرار كلية المهندسين بباريس، قام محمد على باشا شخصيا بافتتاحها فى بولاق، وخرجت دفعات عديدة من ضباط المدفعية وخبراء البارود وزراعة الألغام 16، ونجحوا كثيرا فى أن يكونوا سببا رئيسيا فى حصار الأعداء وحفر الخنادق. 


 
وذكر أحمد عزت عبدالكريم فى كتابه عن التعليم فى عصر محمد على باشا، أن الطلبة بها كانوا عند إنشائها من المصريين مثلها مثل مدرسة الطب والزراعة والمكاتب الابتدائية بالأقاليم، حتى إن بعض مديري هذه المكاتب اعتقد أن الدراسة بها كانت قاصرة على المصريين فكانوا يطلبون من محمد على باشا إلحاق الأتراك بها كما جاء فى بعض الوثائق المحفوظة بدار الوثائق القومية ومن بين هذه الوثائق مخطوط حربي اسمه "النخبة الجلية فى تعليم البلطجية"،  يكشف أن مهمة البلطجي محددة الأهداف بحيث لم يكن ليحيد عنها، ألفه أحمد أفندي العلمي ويرجع تاريخه لسنة 1278هـ / 1861م ، وأنها تنقسم إلى ستة عشر درسا.

والمفارقة العجيبة أن محمد على عندما أنشأ أول مدرسة لتعليم البنات في مصر، وكانت مخصصة لتعليمهن التمريض، كان مشهد الطالبات الذاهبات إلي المدرسة بالزي الأبيض الموحد، كاشفات عن وجوههن، جديداً علي المصريين ومثيراً لانتباههم، وهو ما حرض في الوقت نفسه علي قيام العامة من الناس بمعاكستهن لدي مرورهن في الشوارع، مما آثار غضب محمد علي، فأمر علي الفور بتخصيص بلطجية من الجيش لحماية الطالبات من معاكسات ومضايقات العامة وفضولهم.

 
وكان كل بلطجي يتقدم طالبة ساحباً الدابة التي تمتطيها إلي المدرسة، وأدي هذا الأمر إلي ضبط سلوك الشارع المصري وهدوئه، وتشجيع الفتيات علي الاستمرار في التعليم، وتحفيز غيرهن علي الالتحاق بالمدرسة، واستمرار أحد المنجزات المهمة والحيوية في مشروع تحديث مصر.. هكذا كان حال بلطجية محمد علي الشرفاء.. حراساً للآداب العامة، لا حيوانات ووحوش شرسة تتحرش بهن وتثير الرعب فى قلوبهن، ويبقى أن تعرف أن كلمة البلطجى صار لها هذه الأيام مرادفات كثيرة فى البلدان العربية، ففى اليمن وعقب اندلاع ثورة يناير عندما ظهروا يمارسون أعمال العنف والتهجم على حرمات البيوت قال عنهم اليمنيون "البلاطجة" وفى سوريا يطلقون عيهم "الشبيحة"  وهم "الشماكرية"  فى المغرب "والميليشيا" فى تونس "والمرتزقة"  فى ليبيا "والرباطة"  فى السودان  "والزعران"  فى الأردن. 
 

(72 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع