تراث

من تاريخ طقوس الديانة المصرية القديمة..

تعاقب الليل والنهار عند الفرعونى ما هو الا صراع بين "حور" و"ست"

إن الطقوس الدينية المصرية القديمة  تعتمد أساسا على فكرة الوحدة العميقة بين العناصر الطبيعية وبين الآلهة ولا أدل على ذلك مما ذكر "سبنس" أن المصري القديم كان يفسر تعاقب الليل والنهار بأنه صراع بين الإلهين حور وست !،فإذا كان التعارض والتناقض بين الإنسان والآلهة فى العصور الفرعونية محسوسا للغاية لدى المصريين ،فقد بقيت الطبيعة بمثابة إحدى تجليات الآلهة ،فالإله يستطيع أن يتجلى فى شكل حيوان أو نبات أو عنصر أرضى ما، ومع ذلك ،فضمن العناصر الطبيعية، يلاحظ أن الشكل الحيوانى هو المفضل، وهذا ينطبق أيضا على الكواكب وعلى دوائر البروج:
كانت دوائر البروج، منذ العام الألفى الثالث ،تعتبر بالنسبة لمصر بمثابة آلهة، وكان المصريون ينسبون أعضاء جسم الإنسان إلى الذوات الإلهية ،وفى اطار النصوص السحرية، يلاحظ أن علم الفلك قد لعب دورا كبيرا بالنسبة لمصير الإنسان. 

وقد أشار مجدولين إلى معرفة المصرى القديم لحركة مسار اشعة الشمس صيفآ وشتاء، تلك المعرفة على بناء الأهرامات فى المملكة المصرية القديمة. وأن المصرى القديم نجح فى قياس طول هذه الأشعة وظلالها ومن خلال هذا استطاع معرفة درجة الزاوية القائمة.
وكانت بعض الأيام تعرف بأنها أيام عيدة أو أيام مشئومة،بل وأيضا بعض أجزاء النهار، أو الليل،كما كانت هذه الصفات- الطيبة أو السيئة- تنسب كذلك لبعض الأحداث الميثولوجية.
وخلال العصر الرومانى ،لم يكن الناس يكتفون بالتنبؤ بالاستعانة بعلم التنجيم ،بل كان الهدف قبل كل شىء هو الشفاء، ولقد كان هناك اتصال بين كل ذلك :النجوم،والبشر، والنباتات،والجماد.

وكانت هذه المعتقدات ترتكز أساسا على فكرة الاتصال الوثيق بين الكون الأعظم والكون الأصغر ووجهت فى أغلب الأحيان إلى ممارسات السحر. 
وكان هناك نوعان من التهديدات التى يستخدمها الساحر ضد الآلهة تلك التى تحرك الكوارث الكونية المتضمنة فى طياتها "فكرة نهاية العالم"،ثم تلك التى تهدد الآلهة بالتدنيس وانتهاك حرماتها ؛من أجل إرغامها على التصرف. والتهديدات المتعلقة بالانقلابات الكونية تتفاوت فى أهميتها،وقد وجدت منذ عهد "متون الأهرام" .
وفى عهد الدولة الحديثة لم يكن التركيز على الانقلابات الكونية فقط ولكن أيضا على عواقبها المدمرة فمثلا نجد صيغة سحرية تهدف إلى دفع عملية وضع متعسرة مقارنة بعملية وضع إيزيس: يا مجمع الآلهة الذين يحاكمون البلاد بأسرها، يا مجمع الآلهة القائم فى قصر هليوبوليس، وفى ليتوبوليس ،تعالوا إن إيزيس تعانى من جزئها السفلى ،فهى حامل.لقد وصلت أشهرها إلى نهايتها وفقا لعدد شهور الحمل المحددة،فى ابنها حورس،حامى أبيه ولكنها إذا تعدت الفترة المحددة دون أن تلد ،فانكم سوف تقفون مذهولين،أنتم يا آلهة التاسوع.فحينئذ لن تبقى سماء ولن تبقى أرض،ولن تبقى أيام زائدة من أجل تكملة العام،ولن توجد أية قرابين من أجل أى إله فى هليوبوليس ،وسوف يستحوذ الوهن على سماء الجنوب ،وتنفجر الفوضى فى سماء الشمال،ويعم الأسى بداخل المعبد!..كما أن الشمس لن تشرق أبدا وحابى (الفيضان) لن يرتفع أبدا فى حين أنه كان يجب أن يأتى فى موعده المحدد.فلتقوموا بمهمتكم فيما يختص بعملية وضع واحدة مثلها.

ومن خلال المتن يتضح لنا أن يوم القيامة فى الفكر المصرى القديم يتمثل فى عدم اشراق الشمس وإنحسار ماء النيل.وأن الساحر قد لجأ إلى أسلوبين:الازدواج المباشر،حيث ماثل عملية وضع تلك المرأة بعملية وضع ايزيس،ثم هو يقرن هذا الازدواج بتهديد رهيب للآلهة ،لو أنه قد حدث فعلا لقلب النظام الكونى.
وإذا ما فكرنا كيف لبشرى"الساحر" أن يهدد الآلهة دون أن يخاف أن يتعرض لغضب الآلهة وثورتها،فإن الإجابة تجىء بأنه ينطق بلسان احدى الآلهة وهى إيزيس نفسها .وقد اتبعت هذه الممارسة أيضا خلال العصور اليونانية الرومانية.
 
 
ويفصل بلوتارخ بعد ذلك التاريخ الإسطورى لإيزيس واوزوريس بقوله:
إن رهيا (نوت المصرية إلهة السماء) وهى زوجة هيليوس (رع). ومع ذلك كان كرونوس(جب) يحبها وكانت تبادله العاطفة .وعندما اكتشف رع خيانة زوجته غضب جدا وأنزل لعنته عليها وهو يقول يجب ألا تلد طفلها فى أى شهر ولا أى عام .والآن لا يمكن إبطال لعنة رع العظيم؛لأن رع كبير كل الآلهة .وفى محنتها هذه دعت نوت الإله هيرمس(تحوت) الذى كان يحبها هو الآخر.علم تحوت أن لعنة رع لا يمكن إبطالها إلا بحيلة ماكرة إلى حد كبير وقد اكتشف إجادها بصعوبة .وذهب إلى سيلين إلهة القمر التى ينافس ضوؤها الشمس ذاتها وتحداها فى لعبة المناضد.
كانت رهانات كل منهما عالية إلا أن سلينا راهنت على بعض ضوئها وهو الجزء السبعين من كل ظهور لها وخسرت . ومن ثم تضاءل ضوءها وخفت على فترات محددة( ظاهرة الخسوف) لذا لم تعد ندآ ومنافسآ للشمس.وقام تحوت باستخدام الضوء الذى أخذه من إلهة القمر بصنع خمسة أيام أضافها إلى العام (فى ذلك الوقت كانت السنة تبلغ ثلاثمائة وستين يومآ) وبذلك فإن تلك الأيام لا تعتبر مكملة للعام ولا لاحقة على العام التالى ولا تندرج تحت أى شهر.ضمها تحوت إلى السنة القمرية وهى أيام النسىء الخمسة،وهكذا أصبح لنوت مساحة زمنية لتخرج جنينها خارج الزمن الذى حدده رع ، وفى هذه الأيام الخمسة وضعت نوت الأطفال الخمسة:
ولد أوزوريس فى اليوم الأول وحورس فى اليوم الثانى وست فى الثالث الذى أحدث جرحا فى بطن نوت وإيزيس فى الرابع التى أحبت أخيها أوزوريس وهى ما زالت فى رحم أمها ، ونيبيت(نيفتيس) فى الخامس، وسُمع صوت عال عند ولادة أوزوريس حول العالم  ،صوت يقول: لقد ولد رب الأرض كلها!.
تواترت رواية أخرى مختلفة تتعلق بأن رجلا معروفا اسمه باميليس يحمل المياه من معبد رع فى طيبة سمع صوتا يأمره بالإعلان عن مولد الملك الأعظم والأفضل أوزوريس ،وقد نفذ هذا كما أُمر.
وقد توج أوزوريس ملكا على العالم(مصر) ،وفور توليه مقاليد الأمور حرر المصريين من الحياة القاسية وعلمهم الزراعة ونظم القوانين وطاف بالبلاد ليعطى المكان حضارتهُ فاشتعل قلب "ست" حقدا وغيرة فقام بقتل أوزوريس وألقى بجثته فى نهر النيل وكان أوزوريس آنذاك فى الثامنة والعشرين من عمره ،وعندما علمت إيزيس بالخبر بدأت رحلتها فى البحث عنه ،وبعد رحلة بحث طويلة تهتدى إيزيس إلى مكان جثة زوجها الذى رسا فى بيبلوس(جبيل فى سوريا) وتعود به، لكن ست يجده ويمزق الجثة ويبعثر أشلائها فى كل أقاليم مصر.جمعت إيزيس أشلاء زوجها،وتتحول إلى طائر سنون وتحتضن زوجها وتحبل منه بالروح وتنجب حورس الذى يكبر وينتقم لمقتل أبيه من عمه.
وبذلك يعتلى أوزوريس مملكة العالم الآخر (مملكة الغرب) ويصبح أملا لكل مصرى للحصول على مصيره فى العالم الآخر .
 
 

وتؤكد المتون على حقيقة مفادها انه أثناء ساعات النهار الإثنتى عشرة وساعات الليل الإثنتى عشرة كان هناك حارس لكا منهما ،فالجثمان كان يحرسه حارس ليلى زىخر نهارى لتجنب حدوث اى مكروه أو شرور للجثمان.وكانت الدراما السرية تتكون من أربعة وعشرين مشهدا ،بواقع مشهد لكل ساعة من ساعات اليوم،وتبدأ المشاهد فى أول ساعات الليل(أى الساعة السادسة على حساباتنا الحالية)وتنتهى فى آخرساعة من نهار اليوم التالى (آى الساعة الخامة على حسب حساباتنا الحالية)
وكانت تلك المشاهد تسير تدريجيا نحو إعادة حياة الإله أوزوريس،وكانت عبارة عن إنعاش الجد بكب الماء وإشعال البخور لطرد أى شرور،وإعادة الجسد بوضع كل عضو من أعضاء الجسد فى مكانه متكاملا مع باقى الأعضاء ثم معاملته بالأدوات السحرية،ثم تطهير اللحم وعمل الطقوس السحرية لإستدعاء الروح.
 
 
 بعد ذلك تأتى طقوس إعادة ميلاد أوزوري فى الصورتين النباتية والحيوانية ،وفى الصورة الحيوانية تذبح أضاحى البقر وتؤخذ جلودها كأكفان أو "كمهاد جلدية "التى يولد من خلالها الإله كأبن من أبناء الأم نوت إلهة السماء التى تصور بهيئة بقرة.
وشعيرة إعادة الميلاد هى الشعيرة الوحيدة المعروفة فى العصور المبكرة الأولى وترتبط بإيزيس واوزوريس،لكننا نجدها تدور حول أوزوريس ومقتصرة عليه،وكما رأينا فى العصور الأكثر حدائة من عصر الدولة القديمة أن هذه الشعيرة يشار إليها على أنها الأسرار الصغرى،والأسرار الصغرى هى عقيدة 
إيزيس!
أما الأسرار الكبرى أو أسرار أوزوريس فمرتبطة بالصورة الرمزية لنبات القمح،وبسبب الطبيعة الزراعية للدراما التى تحكى قصة أوزوريس التى يتم تمثيلها فى سايس..فبعد العثور على جد أوزوريس تم إعادة تكوين أو إعادة ميلده فى صورة نبتة قمح.
وعلى هذه الأفكار بعينها ترتكز الأسرار الكبرى،فأسطورة أو رمزية أوزوريس كانت الأساس لفهم طبيعة الإله ،وفهم خلقه،وفهم حقيقة أنه بشر وأن اللحم البشرى هو لحمهُ وهذا تحقق من توحده مع سنبلة القمح.
لكن بالنظر فى الأسرار الكبرى نجدها لا تقتصر على الجانب المادى فقط ،فالمغزى الأساسى فيها هو أن الإله هو الذى أوجد وانشأ الجسد والروح،فتلك الأسرار بها، كما هو الحال فى الديانة الميحية التى تقول بالتوحد المقدس،اعتراف وفهم أن هناك خبز روحانى له أثر أكبر وأسمى من الخبز الأرضى،ذلك هو خبز الروح،وهذه وحدها كانت الفكرة الأساسية التى ترتكز عليها الأسرار الكبرى فى مصر. 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع