تراث

أشهرهم كانت "المعزة" "ونابلسى فاروق"..

صراع المصريين والأجانب على صناعة الصابون

فى بداية القرن الماضى كان تعلم صناعة الصابون مهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة، فقد احتكر الأجانب أسرار هذه المهنة، وفرض الإنجليز والشوام حماية كبيرة على عمالهم الذين يجيدون تجهيز الطبخة اليدوية التى يتم تحضيرها لعملية الإنتاج.. ورغم ذلك نجح المصريون فى مزاحمة ومنافسة الأجانب أصحاب هذه الصنعة التى أصبحت تجارة رائجة فى هذه الفترة وكان تجار نابلس يجوبون المدن لبيع الصابون الذى كان ضرورة ملحة للنظافة بجانب الإقبال المتزايد على منتجاته داخل الحمامات الشعبية المنتشرة فى مصر.. 
 


الأوراق القديمة والحكايات تقول: إن مصر كان بها عدد كبير من أقدم الشركات الأجنبية فى صناعة الصابون، أشهرها شركة "الملح والصودا" فى الإسكندرية وكفر الزيات التى أنشئت عام 1889 وكان أصحابها من الإنجليز الذين حصلوا على امتياز لاستغلال ملح وادى النطرون، ومصنع "الزربينى" يونانيون الجنسية ويقع فى كفر الزيات ومصنع "نايف بك عماد" فى طنطا وكان من الشوام وشركة الخواجة اليونانى "برفيدس" بالإسكندرية ومصنع "وصفى خورى" فى المحلة وهو من الشوام أيضا ولكن أزمة شديدة حدثت فى نوع شهير من الصابون مع نهاية فترة العشرينيات كان يطلق عليه المعزة" وهو من إنتاج الخواجة "برفيدس " حيث لم يعد متوافرا بالأسواق رغم الطلب المتزايد عليه من الزبائن والوكلاء.. ودفعت هذه الأزمة عدد من التجار المصريين إلى اقتحام هذا المجال ومنهم الشيخ صابر الطويل الذى هجر مهنة العطارة والتداوى بالأعشاب فى المحلة من أجل هذه الصنعة حيث ترك نشاطه القديم لأحد أبنائه وقام ببناء مصنع صغير ومتواضع فى منطقة "صندفا " لكن الإنتاج ظهر به بعض العيوب التى أثرت على جودة الصابون بعدها قرر بناء مصنع آخر كبير يقع على حدود المدينة بشارع مصرف نمرة (5) وكان ذلك فى فترة الثلاثينيات.
 
                                                الشيخ صابر الطويل 1891- 1966
 
وعمل على إيجاد وسيلة حتى يتمكن من صناعة أنواع جيدة يغزو بها الأسواق ويقضى على احتكار الأجانب فلجأ إلى استخدام المكر والحيلة من خلال الاستعانة بأحد أبنائه الذى كان يتنكر فى زى عمال شركة الملح والصودا بكفر الزيات ويقوم بإغراء العمال الأجانب والشوام بالمال لكى يأتوا للعمل داخل مصنع المحلة للاستفادة من خبرتهم ونقلها للعمال المصريين.. وبعد تجارب وجهود شاقة نجح المصنع فى إنتاج أول نوع فاخر من الصابون أطلق عليه "نور المحلة" وكان يحمل شعار فتاة ترتدى زى عروس وفى كلتا يديها صورة الشمس، ثم اتبعه بنوع آخر من صابون التواليت باسم "إكسلنت". 
 


وعندما علم الإنجليز بقصة هذا المصنع وتأثرت مبيعاتهم فى الأسواق قرروا الانتقام وأرسلوا أحد العمال الذين يدين لهم بالولاء للعمل فى المحلة وكان ضخم الجثة قوى البنيان حيث بدأ فى تنفيذ المهمة التى جاء من أجلها سريعا وعمل على إفساد مقادير الإنتاج مما أثر بشدة على أحوال المصنع وجودة منتجاته دون أن يستطيع أو يفكر أى شخص فى الاقتراب منه وبعد تفكير عميق لجأ الشيخ صابر إلى عمدة المحلة فى هذا الوقت " حسين بك العسيلى " وهو جد المطرب الحالى " محمود العسيلى" حيث استعان العمدة بمجموعة من الفتوات الذين حاصروا المارد الإنجليزى ومنحه العمدة راتب شهر بالكامل مقابل عدم عودته إلى المدينة مرة أخرى وإلا سيكون هناك موقف آخر معه.. ليعود الاستقرار سريعا داخل المصنع الذى كان الأول من نوعه فى وجه بحرى وأصبح ينافس منتجات الأجانب بقوة فأى منتج جديد يتم نزوله إلى الأسواق كان الشيخ صابر يقوم بتقليده وطرحه بسعر أقل وكان من شدة الإقبال المتزايد على منتجاته أن قامت الحكومة المصرية فى عهد الملك فاروق بتوصيل خط سكة حديد متفرع من سكة حديد الدلتا إلى داخل المصنع من أجل سرعة نقل المنتج والطلبيات إلى القاهرة ومدن الصعيد وكان للمصنع معرضا كبيرا تابعا له بشارع العباسى تعرض فيه منتجاته، وفى فترة الستينيات اشترته "شركة باتا" ليكون منفذا لبيع الأحذية الرياضية.. 
                                            حسين بك العسيلى عمدة المحلة فى الثلاثينيات
 
 أما "محمد أحمد شاهين أفندى" فقد أقام مصنعا مصريا آخر باسم "مصنع صابون شاهين" سنة 1928وكان عنوانه القديم فى 84 شارع الأزهر وهو طنطاوى الأصل وليس من مدينة نابلس فى فلسطين كما يتصور البعض حيث اقترن اسم نابلس بلقبه ومنتجاته المصنعة من أجود أنواع زيت الزيتون ونجح فى الترويج لمنتجاته بشكل مبتكر عندما أرسل طلبا إلى نظارة الخاصة الملكية يوم 23 فبراير 1938 يعرض فيه إخراج صنف من الصابون النابلسى الفاخر باسم (نابلسى فاروق) فتفضل ملك مصر فاروق الأول بالموافقة على هذه التسمية تشجيعا للصناعة الوطنية وكان المنتج يصدر لمعظم دول الشرق الأوسط وأوروبا.. ولكن بعد قيام ثورة 1952 ورحيل الملك فاروق عن مصر سارع محمد أفندى شاهين بمحو اسم الملك من منتجات الشركة واستبداله باسم (نابلسى شاهين) وبعد وفاته سنة 1975 وهجرة جميع أولاده إلى خارج مصر قرر شريكة المرحوم "خضر السيد" استئناف نشاط المصنع وهو الوحيد الذى يعمل بالطرق اليدوية والتقليدية القديمة حتى الآن..
 


ومع نهاية الحرب العالمية الثانية اشتعل الصراع على تجارة وصناعة الصابون بين الأجانب والمصريين فظهر فى طنطا محمد باشا الدماطى الذى أنشأ مصنعا جديدا بجوار سجن طنطا العمومى وكان "حنا بك" مدير مصنع رجل الأعمال السورى "نايف بك عماد" حزينا بعد نجاح المصريين فى طنطا والمحلة من صناعة أنواع جيدة من الصابون.. وفى زفتى قرر أحمد باشا أبو الفتوح تحويل معاصر الزيوت التى يمتلكها إلى مصانع للصابون أيضا..
 

 
ولكن بعد قيام ثورة يوليو وصدور قرارات التأميم فى بداية الستينيات تم تأميم الشركات الأجنبية وكذلك ممتلكات كل من يحمل لقب بك أو باشا من المصريين وتم تغيير اسم مصنع " نايف بك عماد" إلى شركة طنطا للزيوت والصابون كما تم الحجز على فيلته الخاصة وتحويلها إلى استراحة لمحافظ الغربية، أما شركة الملح والصودا فقد تم تأميمها تحت اسم "شركة الملح والصودا المصرية" وكذلك مصنع "وصفى خورى" فى المحلة الذى أصبح فرعا تابعا لشركة طنطا للزيوت والصابون ومن المواقف الحزينة أن "الدماطى باشا" تم تعيينه فى وظيفة صراف بهذا الفرع بعد تأميم مصنعه فى طنطا وكان الموظفون ينادونه بلقب محمد أفندى.. أما مصنع اليونانيين الشهير"بالزربينى" فى كفر الزيات فقد تم تأميمه تحت اسم "شركة الإسكندرية للزيوت والصابون" ورغم أن الرئيس عبد الناصر سعى جاهدا لتطوير وتوسعة هذه المصانع عقب الثورة لكن وقعت هناك أخطاء كثيرة تسببت فى تدمير تلك الصناعة منها تحميل الشركات بأعداد هائلة من العمالة التى تسببت فى زيادة التكلفة النهائية على المنتج بجانب عدم الالتزام بمعايير الجودة ولم تكن هناك لوائح لمحاسبة رؤساء الشركات فى حالة عدم تحقيق المعايير المطلوبة عالميا أو الوصول إلى الأرقام التى تجنبهم الخسارة وكانت معظم القيادات داخل الشركات من المقربين أصحاب الثقة فقط.. ولم تسمح القوانين وقتها بإقامة مصانع أخرى جديدة فى نفس المجال بالإضافة إلى عدم قيام الدولة بتوفير الحماية وتطوير المعدات بعد فتح باب الاستيراد فى عهد الرئيس السادات..

 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع