تراث

من "الإخوان" إلى أكشاك الفتوى..

المزايدة على تديين المصريين

أسست جماعة الإخوان لفكرة تديين المجتمع باعتبارها البوابة الذهبية للحكم الإسلامي، وبالطبع كان الصراع على السلطة ممن يملكونها فعليا وبين من يطمحون إليها مريرا، اتخذ أشكال عدة أهمها المزايدة فى تديين المصريين، بعنف ناعم يصل إلى حد الإخصاء النفسى والثقافي، وهو ما توصلنا إليه بعد سبعين عاما من هذه المزايدة، ربحت كل الأطراف المتصارعة والخاسر الوحيد كان الإنسان المصري.
 
بدأت المزايدة على تديين المجتمع المصرى والتنافس بين الإخوان والحكم الملكي، عندما قرر إبراهيم عبدالهادى باشا والملك فاروق وهو رئيس وزرائه فيما بعد، فرض مادة الدين مادة أساسية فى التعليم كى يغلق من وجهة نظره الباب أمام الإخوان بأنهم ليسوا وحدهم "حماة" الإسلام، رغم أنه كان يستطيع ببساطة أن يحاربهم بالفن والثقافة والعلم والتطور الحضارى الذى كانت مصر قد قطعت فيه شوطا كبيرا، ويبدو أن سلاح الدين هو الإكثر جاهزية، وسرعة وفاعلية لكسب المعارك التى تخص السلطة ولا تهم الشعوب. 
 

إبراهيم عبد الهادي

وأكمل عبد الناصر الحلقة رغم وعيه بخطورة سلاح الدين ولكنه وقع فى الفخ، فابقى على تدريس الدين، وأضاف المعاهد الأزهرية، وأنشأ إذاعة دينية "إذاعة القرآن الكريم". 
فلماذا لم يغرق المصريون فى فخ التدين الشكلى الفج الذى ساد بعد ذلك بثلاثين عاما ؟ لأن بقايا من علم وتنوير ومعرفة وفنون وثقافة وموسيقى وغناء ومسرح وسينما تحميهم، فكانت أم كلثوم وعبد الوهاب وبعدهم عبد الحليم حافظ، تؤثر فى حياتهم وطريقة تبادلهم للمشاعر أكثر من شيخ الأزهر والمفتى وكل خطباء الجوامع، بل هؤلاء كانوا منفتحين ويتعاطون الفنون الجميلة كباقى المصريين، وظلت جماعة الإخوان هامشية مغلقة تتكاثر، وتحتل فتافيت العقول، حتى جاء الرئيس المؤمن أنور السادات، وأضاف إلى سلاح الدين منهج آخر فى تجريف الشخصية المصرية، وسحق ما تبقى لها من مقومات ثقافية، بسياسية الانفتاح، وما تبعها من استهلاك وفساد ورشوة، وزيادة انحطاط التعليم، وقاوم المصريون بما تبقى لهم من معالم فنية لم تندثر. 
جمع السادات جحافل الإسلاميين، أطلقهم على العقول وإثارة التشدد الدينى خاصة فى الجامعات، واتسعت دائرة مؤامرة تديين مصر من أهم عنصر مؤثر وهى المرأة.
 

الرئيس جمال عبدالناصر

"أختى المسلمة حجابك عزتك وطهارتك" "الحجاب عفة" "الحجاب طريقك إلى الجنة" انتشرت هذه الشعارات على كل الشوارع فى مصر فى غفلة من الزمن، من وضعها؟ من كتبها؟ ومتى وكيف ؟ من دفع التكلفة ؟ كل الأصابع تشير إلى الجماعة ذات الأموال الضخمة "الإخوان". 
حتى العام 1988 لم يكن بمصر تقريبا محجبات، ولم يحوى المجمع النظرى بالإسكندرية وهو يضم كليات التجارة ـ الآداب ـ التربية ـ الحقوق ـ معهد سياحة وفنادق، أى ما يقرب من عشرة آلاف فتاة، إلا فتاة واحدة محجبة. 
 
مثير جدا ذلك الأثر الذى تتركه "فادية" الفتاة الوحيدة المحجبة وسط عشرة آلاف فتاة فى جامعة الإسكندرية، الدهشة والاستغراب، وأسئلة لا تنتهي، تفسيرات وتعليقات وتحليلات نفسية عن أنها تسعى للتميز والظهور بغرابة طرحتها، رغم حرصها على الشياكة تايير مكون من جيبة وبلوزة وجاكت، حذاء بكعب عالى وشراب أسود سميك، مكياج هادئ وعطر خفيف لا يحس، ترد باقتضاب على الأسئلة المكررة، ابى شيخ واخوتى متدينون.
 

الرئيس محمد أنور السادات

وتوالى ظهور المحجبات، الغريب كان رد فعل الأخريات لكل محجبة جديدة من التباريك والانبهار والفرحة العارمة وأدعية أن تلحق بها فى طريق الحجاب وكأنه النصر المبين، ووصلت مصر إلى الحجاب التام إلا قليلا، حتى من تكره الإخوان كجماعة لا تدرى أنهم من أوصلوها لما صار جزءا من تكوينها الشخصي، صار الحجاب اقتصاد واسع بكل مستلزماته، أرباحه تقدر بالملايين، واتخذ من التطور الإعلامى والتكنولوجى طريقا جديدا، فظهرت فوضى مشايخ الفضائيات، وطرق السلفيين الباب بتشدد أكثر فظهرت المنتقبات، ليؤكد السلفيون وجودهم "نحن هنا" وأصبح الحجاب مقدس، ما أن تجرأ الوزير الأسبق فاروق حسنى على نقده بشكل عابر، انتفض الجميع وبكى أعضاء مجلس الشعب فى جلسة صاخبة وهدد الوزير الشهير بالسرقة والفساد والمحسوبية بمن يمس الحجاب بأنه يعاقب، ولم يعاقبه احد على فساده، ولكن تلك نقرة أخرى . 
 
ورغم اهتمام الإخوان فى مرحلة لاحقة بتديين السياسة، والحصول على كراسى فى البرلمان، إلا إن رحلة تديين المجتمع المصرى مضت بسلام تام، ورضا من النظام الحاكم المنوط به النهوض بهذا البلد، حسبها مبارك جيدا، أن كل هذا يصب فى مصلحته، الإلهاء، الإيمان بالقضاء والقدر، من لا يجد قوته يسأل الله لا الرئيس، زاد انحطاط التعليم والثقافة والفن، تهدمت دور السينما وبيعت صارت إما عمارات أو خرابات، لم تظهر أغنية وطنية واحدة ذات قيمة طوال ثلاثين عاما، وهو ما اكتشفناه فى ثورة يناير 2011، كشف الإخوان وجههم القبيح ورحلوا غير مأسوف على حكمهم، ظن المتفائلون أن مصر ستستعيد عافيتها المفقودة، جلجل الشعر والموسيقي، ظهرت فرق غنائية واعدة، مطربين وملحنين جدد، مدة قصيرة، تقاس بعمر أذبال الزهور، عادت الهجمة الدينية فى نظام يفترض به محاربة الإرهاب الدينى وتجفيف منابعه بالوعى والثقافة، ولكنه فى الوقت نفسه يتجاهل إصلاح التعليم، ويتفنن فى وضع الثقافة على مذابح الغطرسة والتشويه، ثم ألهمه الله بمزيد من العبث الدينى والتخريب المتعمد للعقل المصرى وإنهاكه فى فوضى دينية ستقضى على ما تبقى من الأخضر، فبنى "أكشاك الفتوى" فى محطات المترو، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

(23 موضوع)

تعليقات القراء

1 تعليق
  • بواسطة : Islam Elkordy | بتاريخ 02-08-2017
    أشكر الكاتبة على هذا البحث و الاستقراء لحالة هى أخطر من الاحزمة الناسفة لهدم العقل المصرى .. و أيضا هدم الفقه الدينى نفسه .. و كيف انتقلت برشاقة السرد و الاستقراء و الربط على مر العصور لتلك المؤامرة .. و أوضحت بدقة كيف كان من يقصد و من يقع فى الفخ .