تراث

شيخ الطائفة وسلطان المحققين.. الجنيد البغدادى

شق الموكب العظيم، موكب الخلافة طريقه فى قلب بغداد، وأمير المؤمنين يمسك بصولجانه وهو يشير لرعايته الذين يحفون بموكبه يتلمسون البركة والعطايا، وهو يبتسم لهم ابتسامة زائفة متكبرة وسط دقات الطبول والدفوف وصهيل الخيول وصلصلة الرماح ورفرافة البيارق، وبينما يزهو بسلطانه وقوة حراسه وخدامه، إذ برجل مديد القامة أشهب، أبيض اللحية، يرتدى ثوبا بسيطا نظيفا، يظهر من أحد أزقة بغداد يخطو بخطى ضعيفة، وعندما شارف على الاقتراب من موكب الخليفة، تحولت حشود الناس كالأمواج المتلاطمة ناحية الرجل بأبصارها وأجسادها فى خشوع وصاحوا: الجنيد ؟ وران الصمت للحظات على موكب الخليفة ورعاياه.



ما هذه القوة الذى يمتلكها هذا الرجل، أى سحر وأى جلال اخذ بقلوب الناس؟.
اشتعل الغل والغيظ فى أحشاء أمير المؤمنين، فقد ضاعت هيبته وتصاغر سلطانه وملكه وانطفأ بريقه أمام هذا الرجل، وقال لشاعره ابن الوليد والكراهية فى وجهه: ما وقفت موقفا أغيظ لى من هذا!، ثم أمر برجوع الموكب .
من هذا الرجل؟، أنه "الجنيد البغدادى"، شيخ المشايخ، إمام الفتيان والزعامة فى العلوم والمعارف، أصله من نهاوند، ومولده ومنشؤه بالعراق، مات ببغداد سنة 297هجرية، كانت مجالسه هى جامعة بغداد الكبرى، يجالس العلماء والفقهاء والأدباء والفلاسفة، وكان ابن أخت السرى السقطى، ومريده.
 
كان شخصية مهمة فى تاريخ التصوف، لخصوبة آرائه، فهو قدوة أهل التصوف، وقد أطلقوا عليه "سيد الطائفة"، وقالوا له "لسان القوم" وكتبوا عنه "أعبد المشايخ"، و"طاووس العلماء"، و"سلطان المحققين"، كان فريدا فى الزهد والعشق والمجاهدة، وكشف التوحيد، ومجتهدا فى الطريقة, ويؤمن بأن التصوف اقتداء بالنبوة، ومعراج قدسى يوصل إلى الله، وله مدرسة مشهورة فى التصوف، نهج نهجها فيما بعد الغزالى والشاذلى، وقد اتهمه أعداؤه بالكفر والزندقة، رغم انه كان من أهل الرسوخ والتمكين، لا من أرباب الأحوال والشطحات.
 
كان يقلقل أمير المؤمنين فى مضجعه وكثيرا ما يحرضه أتباعه على إراقة دمه أو سجنه فيقول الخليفة والمرارة تملأ فمه:
لقد سحر الجنيد أهل بغداد سحرا لا يقاوم، فلا نصل إليه إلا على مئات الألوف من الضحايا، ومن لى بجيش يقاتل أتباع الجنيد.
ولقد سمى "سيد الطائفة "لأنه كان أعمق صوفية هذه الفترة كلاما عن الفناء والتوحيد، ويمثل الجنيد تصوف الفقهاء المستند إلى الكتاب والسنة بشكل ظاهر فهو يقول "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى اثر الرسول صلى الله عليه وسلم، واتبع سننه ولزم طريقته، فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه".
 


وقد غلب على الجنيد الكلام فى دقائق التوحيد فيقول: "التوحيد هو أفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته، بأنه الواحد الذى لم يلد، ولم يولد، ينفى الأضداد والأنداد الأشباه، وما عبد من دونه، بلا تشبيه ولا تكييف، ولا تصوير، ولا تمثيل "وعندما يتحدث عن التوحيد بمعناه الصوفى يقول "إن العقل عاجز عن إدراكه لأنه إذا تناهت عقول العقلاء فى التوحيد، تناهت إلى الحيرة".
 
والتوحيد الحقيقى عند الجنيد ثمرة الفناء عن كل ما سوى الله، فيقول: "التوحيد الذى انفرد به الصوفية هو إفراد القدم عن الحدث، والخروج عن الأوطان، وقطع المحاب، وترك ما علم وجهل، وأن يكون الحق سبحانه مكان الجميع".
وهذا التوحيد هو توحيد الخاصة، فعندما سئل عن ذلك قال "إن يكون العبد شبحا بين يدى الله عز وجل، تجرى عليه تصاريف تدبيره، وهذا لايكون إلا "بالفناء عن نفسه وعن دعوة الخلق له، بذهاب حسه وحركته لقيام الحق له فيما أراد منه"، وبهذا الفناء فى التوحيد يتحقق الصوفى" الخروج من ضيق رسوم الزمانية إلى سعة فناء السرمدية"، ومعنى هذا أن الجنيد يشير إلى توحيد من نوع خاص يقوم على أساس من الفناء عن الإرادة، وعما سوى الله، بذهاب الحس والحركة.
قال" الخوف من الله يقبضنى، والرجاء فيه يبسطنى، إذا قبضنى بالخوف، أفنانى عنه، وإذا بسطنى بالرجاء، ردنى علىً، وإذا جمعنى بالحقيقة أحضرنى."
 
ومن أقواله أيضا:
"التوحيد معنى تضمحل فيه الرسوم، وتندرج فيه العلوم، ويكون الله تعالى كما لم يزل".
"توحيد العبد كله ذل وعجز وضعف واستكانة، وتوحيد الرب كله عز وقدرة، والموحد هو من يميز بين هذا وذاك"
"راقبت القلب ثلاثين سنة، وحفظته فحفظنى القلب عشر سنوات، والآن مضت عشرون سنة لا أعلم شيئا عن القلب، ولا يعلم القلب عنى شيئا".
"هناك عيارون كثر فى هذا الطريق، يلقون فيه بثلاثة أنواع من الشباك، شباك المكر والاستدراج، وشباك القهر، وشباك اللطف وهى لا نهية لها، الآن ينبغى للمرء أن يفرق بينها".
"الأصل ألا تحقق مراد النفس".
"لقد مشى رجال باليقين على الماء، ومات بالعطش أفضل منهم يقينا".
"التصوف هو أن يميتك الحق عنك، ويحييك به".
"من كان معاملته على خلاف الإشارة فهو مدع وكاذب".
"الشكر ألا ترى نفسك أهلا للنعمة".
"المشاهدة معاينة الشئ بوجود ذاته".
 وقد سأله رجل فى مجلسه: متى يسر القلب؟ قال الجنيد: عندما يكون القلب قلبا".
 يروى أن الجنيد، كان يرتدى لباسا على شاكلة العلماء فقال الأصحاب: يا شيخ الطريقة، ماذا لو ارتديت الخرقة من أجل خاطر الأصحاب؟، فقال: لو علمت أن أمرا انقضى بالخرقة، لجعلت لباسى من الحديد والنار، وارتديته، ولكن يقع نداء فى باطنى كل لحظة: أن "ليس الاعتبار بالخرقة إنما الاعتبار بالحرقة".
ومن أقواله المثيرة للجدل "ما أوذى نبى مثلما أوذيت".

(7 موضوع)

.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع