تراث

من صحافة العرب والعالم..

شجرة مريم .. حَمَت المسيح ولم تجد من يحميها

"مُباركة أنتِ في السماء ومُباركة أنتِ ثمرة بطنك"‬
في أقصي شمال مدينة القاهرة وتحديدًا في حي المطرية، كُتبت هذه العبارة علي السور الخارجي لشجرة السيدة العذراء مريم.
الكثيرون يمرون بالمكان، منهم من علِم بقدسيتهِ ومنهم من عبر جاهلًا بتاريخ الشجرة، ومنهم من علِم بقدسيته ثم تناسي الأمر فصار سورها ملاذًا يلقي فيه قمامته، ومنهم من يدخلونها طلبًا في الرزق بمولود علها تباركهم كما باركت عيسي وأمه.
 


مر من هنا عيسي وأمه مريم، هنا ارتوي واحتمي السيد المسيح، وهنا مر الجنود الفرنسيون، الذين حفروا أسماءهم بأسنة سيوفهم بكتابة لاتينية علي هذه الشجرة.
الكثير ممن يعبرون أو يسكنون منطقة المطرية وعين شمس يجهلون ذكريات هذه المدينة التي غيّرها الزمن وبدّلها لتصبح مدينة منكمشة واهية علي نفسها تأن أنينًا قد يسمعه العارفون بتاريخها وتستغيث علها تستعيد ماضياً أصبح محالاً أن يعود.
من وادي النطرون أتت العائلة المقدسة البحر وبعد أن عبروه قصدوا الجبل الشرقي وأتوا لمدينة تدعي الآن عين شمس والمطرية، وفي الأصل هي تلك القرية التي نشأت علي أنقاض مدينة هليوبوليس القديمة وهي أقدم المدن المصرية التي كانت مركزًا للعبادة الوثنية، وقد سكنها العديد من ملوك فراعنة مصر العظام، وسميت بمدينة »‬أون»، أما هليوبوليس وقد ذكرت في »‬أشعيا ١٩/١٨» باسم مدينة الشمس فهو الاسم الذي أطلقه عليها الإغريق، واشتهرت منذُ القدم بكلياتها الجامعية التي كانت خاصة بكثير من الكهنة المصريين ويدرس فيها جميع فروع العلم والمعرفة، بها تزوج يوسف الصديق من إسنات بنت فوخي فارع »‬كاهن أون»، بها دوّن المؤرخ الإغريقي »‬مانيتون» تاريخهُ عن الأسرات الفرعونية القديمة مستعينًا في ذلك بسجلات ولفائف معبدها التي كانت محفوظة بين أروقته العديدة.
قدِم إليها أفلاطون الذي جهّز فيها مؤلفاته الفلسفية الخالدة، كذلك »‬صولون» المشرِّع الإغريقي الذي جمع فيها قوانينه واستخدمها فيما بعد ونشرها في عاصمة بلاده أثينا عند عودته.

وعن "مجلة أخبار الأدب" تلك البلدة المعروفة بالمطرية عند رحلة العائلة المقدسة كان يسكنها عدد كبير من اليهود وكان لهم معبد يُسمي »‬هيكل أونياس» لذلك ذكرها أشعيا بأنها من المدن التي تتكلم لغة أهل كنعان، وعندما زارها الجغرافي الشهير »‬استرابون» في بداية القرن الأول الميلادي، لم يجد فيها ما يستحق الذكر، مما يدعو إلي الاعتقاد أنها تخربت ولحق بها الدمار، لكن سرعان ما بدأت تستعيد شهرتها شرقًا وغربًا بسبب مجيء العائلة المقدسة إلي تلك المنطقة، عندما رحلت إلي أرض مصر فرارًا من ظلم هيرودس ملك اليهود الذي قال عنه البابا شنودة الثالث: »‬إن السبب في هروب المسيح إلي مصر هو أن جماعة من المجوس أتوا من المشرق إلي أورشليم بعد مولد المسيح وقالوا أين هو المولود ملك اليهود، فإننا رأينا نجمهُ في المشرق وأتينا لنسجد لهُ فخاف هيرودوس واعتقد أن هذا المولود منافسً لهُ، فلم يستدل عليه من أطفال بيت لحم فأمر بقتل جميع الأطفال في هذا العُمر».
الشجرة المنحنية
دخلت العائلة المقدسة مصر واستأنفت سيرها عدة أيام حتي بلغ بهم التعب والإعياء مبلغًا مضنيًا، فاضطروا إلي أن يستريحوا تحت جميزة لتقيهم وطأة الشمس، ربما كانت تلك المنطقة في ذلك الوقت قاحلة، ونظرًا لما حدث من معجزات ذاع صيتها حتي وصلت أخبارها إلي مسامع هيرودوس فملأهُ الغضب وقرر إرسال جنوده بحثًا عن الطفل وأمه وكادت تنجح حيلتهم في القبض عليهم وهم تحت الشجرة وقيل في رواية إن هذه الشجرة العجائبية قد انحنت بأغصانها إلي درجة أنها أخفتها وخبأتها عن أعين هيرودوس، واللافت للنظر أن الشجرة مازالت منحنية الشكل إلي اليوم مما يؤكد صحة هذه الرواية.
وقد ذكر المؤرخ الاسلامي تقي الدين المقريزي في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي أن العائلة المقدسة حطت بالقرب من عين شمس من ناحية المطرية، وهنا استراحت بجوار عين ماء وغسلت مريم من ذلك الماء ثياب المسيح، فأنبت اللّه هنالك البلسان ولا يعرف بمكان من الأرض إلا هناك وكان يسقي من ماء بئر تعظمها النصاري وتقصدها وتغتسل بمائها وتستشفي بهِ. ثم يذكر أنه من البلسان كان يُستخرج عطر البلسم وكان من الهدايا الثمينة التي تُرسَل إلي ملوك النصاري كالحبشة والروم والفرنجة لأنهُ كان ضروريًا لديهم، إذ لابد من وضعهِ في المعمودية عند إتمام عملية العماد في العهود الغابرة.
ثلاث مراحل
عندما تقف أمام الشجرة تجد أنها عبارة عن ثلاث شجرات، حيث مرت بثلاث مراحل مختلفة، المرحلة الأولي هي الشجرة التي استراحت عندها العائلة المقدسة، وقد أدركها الوهن والضعف فسقطت عام ١٦٥٦ ميلاديًا وقام بجمع فروعها وأغصانها جماعة من كهنة الآباء الفرنسيسكان، وأخذوا منها شتلة زراعية وقاموا بزراعتها بجانب الشجرة الأم فكانت هذه هي المرحلة الثانية التي عاصرت الحملة الفرنسية علي مصر عام ١٧٩٨، وزارها الجنود الفرنسيون بعد معركة »‬عين شمس» التي دارت بين كليبر قائد الجيوش الفرنسية (الذي حل مكان نابليون بونابرت) وبين قائد الجيوش التركية، وبعد أن حقق كليبر النصر علي الأتراك عرج الجنود الفرنسيون في طريقهم لزيارة شجرة العذراء، أخذوا يبكون أمامها بعد أن علموا بقدسيتها ومنهم من دوّن شفاءه من مرض الرمد عليها  بعد أن اغتسلوا من البئر الموجود بجانبها وتداووا بها بسبب إصابتهم بالرمد وبالأمراض الجلدية، وكتب كثير منهم أسماءهم عليها بأسنة سيوفهم ورماحهم بحروف لاتينية، مازالت حتي اليوم محفورة علي غصونها.



هذه البئر التاريخية القابعة بجوار شجرة مريم، صارت اليوم مياهها مختلطة بمياه الصرف الصحي ويقال إن يوسف النجار أثناء وجوده بالمطرية هو والسيد المسيح كان له عصًا من أرض أريحا يتوكأ عليها، فأخذها السيد المسيح وكسرها قطعًا وغرس تلك القطع بهذا المكان ثم وضع يدهُ في الأرض فنبع منها الماء وشرب منه، وقد ورد في تاريخ الكنيسة القبطية المعروف بالسنكسار ذِكر كنيسة العذراء والنبع العجائبي في هليوبوليس علي  أنها كانت تحتل في وقتٍ من الأوقات أهم القواعد الأسقفية خصوصًا في زمن مجمع أفسس المسكوني الذي انعقد عام ٤٣١ للميلاد.
بدأت المرحلة الثانية من الشجرة في الذبول منذ ما يقرب الخمسين عامًا، عندها بدأ القساوسة بعمل مرحلة ثالثة بجوار الشجرة الأم، وبثمار من الجميز المتساقط علي الأرض تظهر المرحلة الثالثة بأغصانٍ خضراء وبشجرة فروعها في السماء هي التي يظهر عليها شكل الشجرة اليوم.
وبجوار الشجرة المباركة كان قد انشئ في عام ٢٠٠٠ ميلاديًا محكي للعائلة المقدسة بواسطة فنان كوري، رسم رسمًا تخيليًا لهم أثناء وجودهم بالمكان.

مزار سياحي
 بالمكان وأثناء خروجي من المحكي وجدت فوجًا من السياح الأثيوبيين يلتقطون صورًا أمام الشجرة المباركة ويهرولون نحو المبني الذي يضم معرضًا للصور، وجدتني أسرع نحوهم لأجدهم يبكون ويقبلون المزود الذي يُعتقَد أن السيد المسيح كان ينام عليهِ أثناء وجوده بهذا المكان الطاهر، كان قد عُثر عليهِ بجوار الشجرة المباركة، ويضم هذا المكان صورًا تتبع مسار العائلة المقدسة في مصر من شمالها إلي جنوبها.
يقول أحمد السيد، مدير شجرة مريم، لـ »‬أخبار الأدب» إن الشجرة بدأ الاهتمام بها من خلال الكنيسة المصرية وهي تتبع وزارة الآثار المصرية ومؤخرًا انضمت لقطاع الآثار الإسلامية والقبطية، مضيفا أن المشكلة الرئيسية التي تعاني منها الشجرة هي المياه الجوفية التي بدأت تظهر في الأجزاء الخلفية من الشجرة حيث بدأ مشروع لرفع المياه الجوفية من خلال جمعية نهرا وهي جمعية مستقلة تقوم بإحياء التراث الوطني المصري، وبسبب إلقاء السكان للقمامة أمامها تظهر الحشرات التي تعشش في جسم الشجرة وتعيق المرممين.
وأشار إلي أن الشجرة من أهم محطات العائلة المقدسة أثناء تواجدهم في مصر وتعتبر أول أثر حي لهم، فجميع الآثار بنيت بعد خروج العائلة المقدسة من مصر، كما يعتقد أن الشجرة لم تكن واحدة عند قدوم السيد المسيح لهذا المكان الطاهر بل إنها كانت مجموعة من الأشجار وإلا لكانت هذه الشجرة لافتة للمكان وتسهل من مأمورية جنود هيرودس في العثور علي السيد المسيح وأمهِ.
حول وجود شجر البلسان في هذه المنطقة التي باركها المسيح قال إن المؤرخ »‬أبو المكارم» ذكر أن فيضاناً جاء في القرن ال ١٧ دمر شجر البلسم الذي كان يستخدم في طقوس التعميد والتداوي، كما أن المكان كان الحجاج في القرون السابقة يبدأون رحلة الحج بزيارة الشجرة وبعدها يتجهون إلي بيت لحم.
وعن السياح الذين يأتون لزيارتها قال إن الشجرة منذ قرون وهي جاذبة للسياحة، فأثناء حفل افتتاح قناة السويس عام ١٨٦٩ زارتها الإمبراطورة الفرنسية أوجيني (التي جسدها مؤخرًا مسلسل ليالي أوجيني) وتبركت بها، كما أن أعضاء البرلمان الفرنسي في الأسبوع الماضي عندما جاءوا إلي مصر زاروها وتبركوا بها والتقطت لهم صور وهم يبكون أمامها، كما أنه في نفس الأسبوع زارها أول فوج روسي منذ حادث الطائرة الروسية.

تطوير القاهرة التاريخية
أشار مدير الشجرة أيضًا إلي أنهم يسعون للتنسيق مع وزارة الآثار ومحافظة القاهرة لعمل مشروع ربط متكامل بين مسلة سونسرت القريبة من الشجرة وبين جامع المطراوي كأثر إسلامي وبين شجرة السيدة العذراء كأثر قبطي، كما ناشد وزير الآثار بأن تنضم الشجرة لمشروع تطوير القاهرة التاريخية خاصةً أن ذاك سيعمل علي تطوير المكان وإزالة العشوائيات حولهُ وبالتالي زيادة العائد السياحي بالمكان باعتباره مكانًا عالميًا قادراً علي استقبال السياح من جميع أنحاء العالم.
وبتواصل أخبار الأدب مع الأستاذ محمد عبد العزيز، مدير تطوير مشروع القاهرة التاريخية، بخصوص توصية مدير الشجرة حول ما إذا كان من الممكن أن يُدرَج المكان ضمن مشروع تطوير القاهرة التاريخية أوضح أن المكان ليس ضمن حدود القاهرة التاريخية لكن ستتم مناقشة الأمر مع الوزير وإذا أصدر الوزير قرارًا بذلك سيتم وضع خطة وتنفيذ المشروع بالفعل ليدرج ضمن مشروع تطوير القاهرة التاريخية.

أشجار أخري للعذراء
يُذكر أن هذه الشجرة لم تكن هي الشجرة الوحيدة التي قيل إن العائلة المقدسة قد مكثت تحتها، حيث تعددت الروايات حول وجود العديد من الأشجار الأخري في أماكن متفرقة من مصر، فهناك من يقول بأن العائلة المقدسة عندما ذهبت إلي منطقة مسطرد جلسوا‏ تحت‏ شجرة‏ ليستظلوا بها‏، وتفجر‏ ينبوع‏ ماء‏ صاف‏ في‏ المكان‏ الذي وطئت‏ فيه‏ أقدام‏ الطفل‏ يسوع‏، و‏بنيت‏ بها‏ كنيسة‏ باسم‏ السيدة‏ العذراء‏ مريم‏. 
وهناك في بلبيس بمحافظة الشرقية يزعم البعض بوجود شجرة العذراء وأن السيد المسيح وأمه قد استراحوا‏ تحت‏ الشجرة‏ لتقيهم‏ من‏ شدة‏ الحرارة‏، وحلَت‏ علي الشجرة‏ بركة‏ العائلة‏ المقدسة‏ وسميت‏ شجرة‏ العذراء‏، ويذكر آخرون أن‏ بعض‏ جنود‏ نابليون‏ بونابرت‏ أثناء‏ مرورهم‏ هناك‏ أرادوا‏ قطعها لاستعمالها‏ كوقود‏، وبمجرد‏ لمسها‏ بالفأس‏ بدأت‏ تسيل‏ منها‏ الدماء‏، فارتعب‏ الجنود‏ وتوقف وأصبح‏ لهذا‏ المكان‏ و‏الشجرة‏ شهرة‏ كبيرة‏.
لكن لم يثبت حتي الآن تاريخيًا صحة هذه الادعاءات، فالأثر الوحيد المحقق من وجوده هو شجرة السيدة العذراء بالمطرية التي باركها السيد المسيح، ولعل عاصمة مصر القديمة ترجع في يومٍ من الأيام مدينة قادرة علي أن تقود مصر كما كانت في سالف العهد وربما تبقي مجرد ذكري نمر من خلالها ونقول هنا مر المسيح ،وهنا تزوج يوسف الصديق، وهنا الذكريات والمدينة.

شهاب طارق

(839 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع