تراث

الوادى الجديد.. ذاكرة وطن

سفراء البجوات

أتمنى لو أن كل من خطرت له فكرة واقتنع بها أن ينفذها فى الحال دون أن يهتم.. وماذا سيحدث يعنى لو ثبت أنها كانت خاطئة، هل ستنقلب الدنيا، هل ستقوم القيامة، أبدا والله، فإنه على أسوأ الظروف لو فشلت فستكون قد ظفرت بتجربة فاشلة عظيمة.
والحق أنى لم أتصور أن تأتينى هذه الفكرة والرغبة فى تنفيذها حالا بمجرد أن وطأت أقدامى مقابر البجوات بالخارجة فى الوادى الجديد، فما أن ترى المكان تتوالد لديك الأفكار والأحاسيس والأحزان، فما رأيناه هو جريمة مروعة بالفعل تدفعك لأن تصرخ وتسأل، لماذا لاتكتب الصحف ولاتهتم أجهزة الإعلام بهذا المكان؟، ثم أين وزارتا السياحة والآثار من أن تكون هذه المقابر محفلا للمناسبات الدينية التاريخية، تتسارع إليها كنائس أوروبا وزائروها فالمكان يستحق التفكير لاسيما من الكنيسة المصرية، بأن تقيم فيه ولو احتفالا كل عام أثناء أعياد الميلاد، نأتى جميعنا نحن المصريين منها نحتفل ونتبادل التهانى بالمناسبة، ومنها إحياء للسياحة الدينية التى تمتلئ بها جنبات صخور وجبال ووديان الوادى الجديد، فلا يجب أبدا أن تغيب كتدرائية العباسية وكنيسة الإسكندرية عن هذا المكان.
 
والبجوات هى كلمة لن تسمعها سوى هنا بالقرب من مطار الخارجة الذى يخلو من الطائرات دائما وأبدا من الرحلات الجوية، ولاتهبط على أرضه إلا رحلة واحدة (الأحد والخميس)، تنظمها شركة البترول فى غياب شركة مصر للطيران، التى لو عادت للخدمة لما صار هذا المكان مهجورا، فهى مدينة الموتى يرجع تاريخها لأوائل العصر المسيحى، القرن الثانى الميلادى، والاسم الأصلى هو «القبوات» جمع قبو، وهو الشكل الذى بنيت عليه مقابر الجبانة، بناها الأقباط الذين فروا من عاصمة مصر المحروسة بدينهم خوفا من الاضطهاد الرومانى للمسيحية فى القرن الثالث الميلادى وعلى رأسهم كبار القساوسة، ليعيشوا فى سلام بعقيدتهم فى هذا المكان، وراحوا يستقرون فيه بعيدا على تلك الربوة العالية.
 


إنها جريمة لو تركناها هكذا دون أن نذهب إليها وندعو أوروبا وجميع دول العالم لزيارتها.. لقد قررنا أن ننفذ فكرتنا حالا، وسنبدأ على التو بدعوة طلاب وأساتذة فروع الجامعات الأجنبية فى مصر ليكون فى هذا المكان أول ملتقى لتلك الجامعات، يقضى طلابها أياما يعرفون فيها تراث بلادنا، الذى كثيرا ما قصرنا فى حقه واحترام تاريخه.
 
 نعم إنها سعادة مابعدها سعادة، ومذاق له طعم ساحر يشعر به الكاتب، حين تصل له رسائل من قراء لصحيفته التى يكتب فيها، يتحاورون معه ويناقشونه فيما يكتب ويقترحون عليه أفكارا يتبناها ويشدون على يده وقلمه بأن يواصل ويستمر ولا يتوقف، وأنا أعيش هذه الحالة بفضل الله كثيرا، لكن هذه المرة كان لتلك الرسائل مذاق مختلف.
 

البجوات جبانة مسيحية يرجع تاريخها من القرن الثانى الميلادى إلى القرن السابع االميلادى

فما أن خرجت على شاشات الفضائيات أتحدث عن هذه المقابر وأهميتها التاريخية وكيف أنها كانت بمثابة مدينة الموتى للمسيحيين التاريخية منذ القرن الثالث الميلادى ـ أرسل لى الدكتور مينا بديع الأستاذ بهندسة الإسكندرية والجامعة الأمريكية بحثا قيما بشأن هذه المدينة كان قد نشره فى مايو 2007 بدورية راكوتى تصدر 3مرات فى العام وتصدرها جمعية مارمينا للدراسات القبطية بالإسكندرية، كما أرسل الأستاذ عادل بسمارك يؤيدنى ويشدد على أن استمر فى دعوتى للاحتفال بهذه المكان التاريخى العظيم والذى يبدو أنى نكأت جراحه عندما ذكرته بالمكان الذى زاره منذ 50 عاما تقريبا معى كل الحق فى أن الكنيسة المصرية قصرت فعلا فى حق هذا الأثر العظيم.
 
الحق أن الرسالتين أضافتا لى الكثير من المعلومات الثمينة المتعلقة بأهمية تاريخية وجغرافية هذا المكان، ومازلت انتظر أن تلقى مبادرة بوابة الحضارات «بالأهرام» التى تشرفت بإطلاقها بحكم أنى أتولى مسئولية رئاسة تحريرها وهى لماذا لانقوم نحن مؤسسة الأهرام والكنيسة سويا ومعنا السياحة والآثار ومحافظة الوادى الجديد بتنظيم رحلات لعدد من طلاب وطالبات فروع الجامعات الأجنبية بمصر، لقضاء أيام فى هذا المكان أثناء الاحتفال بأعياد الميلاد فى يناير القادم لإحياء تراث هذه المدينة المسيحية المهمة التى تسجل أهم فترات اضطهاد الرومان للمسيحيين فى مصر ويضم 263 كنيسة خاصة لو علمنا أن بينهم كنيسة تسمى بكنيسة الخروج تسجل خروج اليهود من مصر، لكن للأسف الشديد ومع استمرار الإهمال صار المكان أشبه مايكون بالخرابة المعزولة ولا يليق أن يترك هكذا وحده يواجه قسوة الطبيعة وغدر عوامل التعرية حتى نستيقظ يوما لنجدها مجرد بقايا طوب لبن متناثر هنا وهناك.. أعتقد أننا لو نفذنا فكرتنا وأفلحنا فى تنظيم هذه الرحلة، التجربة لربحنا سفراء للبجوات يدعون بين جامعاتهم الأم فى ألمانيا وبريطانيا وفرنسا لزيارة وتنشيط سياحتنا الدينية المقدسة ونحن ننتظر الشركاء لتنفيذ المبادرة إذا كنا جادين فى حماية آثارنا المقدسة.
 

(50 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع