تراث

"ن" والقلم..

ساراماجو يتخيل انفصال إسبانيا عن أوروبا

ذكرنى استفتاء انفصال كاتالونيا عن إسبانيا برواية (الطوف الحجرى) للمُـبدع البرتغالى الكبير جوزيه ساراماجو- ترجمة طلعت شاهين- هيئة الكتاب المصرية- عام2007. 
وساراماجو- كما فى معظم أعماله فإنه يبدأ بفرضية مُـتخيـلة- فتخيل أنّ تغيرًا مُـفاجئــا أصاب القارة الأوروبية، ففصل البرتغال وإسبانيا عن القارة الأم. وكعادته الساخرة ذكر أنّ تصدعـا أصاب جبال البرانس. وأنّ الانفصال حدث رغم أنّ أوروبا ((هى المكان الذى فقد فيه المسيح عباءته)) ومن عناصر السخرية أنّ التغير الجيولوجى حدث لمجرّد أنّ سيدة رسمتْ خطــا على الأرض بعصا من شجرة الدردار، وفى نفس اللحظة فإنّ رجلا قذف البحر بحجر. 



وتمتد السخرية لتنتقل إلى المسئولين فى الحكومتيْن البرتغالية والإسبانية، فيتم استدعاء السيدة والرجل للجهات المُـتخصصة لأخذ أقوالهما، عما حدث وماذا شاهدا لحظة انفلات الطبيعة، التى تسببتْ فى ابتعاد البرتغال وإسبانيا عن أوروبا. 
 وتستمر السخرية حيث رأى بعض المسئولين أنّ انفصال شبه الجزيرة الأيبيرية عن أوروبا جعل جبال البرانس تنشطر كالبطيخة، وهو ما أعلنه التليفزيون الرسمى، فكيف حدث ذلك بينما الجزيرة ثابتة من قديم الزمن، وأنّ جبال البرانس ((تمنعها من القيام بأية حركة صعلكة))؟ وأنّ هذه الصعلكة الجيولوجية جعلتْ إسبانيا والبرتغال يبتعدان عن أوروبا ويتجهان نحو الجنوب. 
 


وانتقل ساراماجو من السخرية من ممثلى النظام إلى السخرية من أجهزة الإعلام التى ربطتْ بين تكاثر الطيور على حدود البرتغال وإسبانيا بالانفصال عن أوروبا فكان تعليق أحد شخصيات الرواية: كإننا إزاء فيلم عن غزو الطيور كما فيلم هيتشكوك. 
 ومن مظاهر السخرية أنّ السياح غادروا البرتغال وإسبانيا، بعد إعلان الانفصال عن أوروبا، وقال مذيع إسبانى فى التليفزيون: انظروا إننا نبتعد عن الرصيف الأوروبى (والخوف أنْ يكون الاتجاه نحو أفريقيا) وفى سرية تامة (لتجنب الفزع بين مواطنى البرتغال وإسبانيا) أعـدّتْ الحكومتان ومؤسساتهما العلمية تحقيقــا حول التغير الجيولوجى الذى ((يجر الجزيرة إلى عمق البحر)) وبالرغم من كل ذلك قال مذيع إسبانى فى التليفزيون ((نحن الإسبان- تقريبـا- بعيدون عن الخطر)) ثم استدرك فأضاف أنه لامكان للتفاؤل، ويجب التخوف دائمًـا من نتائج الانفصال. وقد ترتب على ذلك انتشار الرعب بين المواطنين، وهجرة منازلهم. ونظرًا لهذه التطورات، شكــل النظام البرتغالى (حكومة إنقاذ وطنى) فذهب رئيس الوزاء إلى التليفزيون، وقال كلامًـا سخيفــا وهو ينصح المواطنين بدفن الأموات والحفاظ على الأحياء. وشـدّد على ((ضرورة تمجيد الوطن)) لأنّ الوطن ينظر إليكم وأنْ تضحية الشهداء ((ستزرع حصاد المستقبل)) واختتم حديثه قائلا ((أيها البرتغاليون السلامة فى الانسحاب)) ولكنه لم يفصح عن دلالة وتفاصيل هذا الانسحاب المطلوب: الانسحاب من ماذا وإلى أين؟ 
 


أما فى إسبانيا فقد انتقلتْ الحكومة للإقامة فى مكان آمن بعيدًا عن الخطر، وبدأتْ فى إذاعة بيانات رئيس الجمهورية، وأنه كان يتمنى أنْ يزور- ومعه السيدة زوجته- الجماهير((التى فقدتْ صوابها)) ويستقبلهم ((بأذرع مفتوحة)) وأنْ يـقـدّما حياتهما فداءً. وعندما ظهر المسئولون الحكوميون فى التليفزيون وأدلوا بتصريحاتهم، اتصل بعض المشاهدين وقالوا: إننا نعرف أنها تصريحات كاذبة، ولكن المسئولين عن إدارة التليفزيون استضافوا من منحوهم (صفة الخبراء) فى كافة التخصصات، حتى فى (علم النفس الديناميكى) وقال أحدهم: إنه فى لحظات الأزمات يظهر الدجالون الذين يروون حكايات فارغة، ويستغلون سذاجة الجماهير((ويكون هدفهم إثارة البلبلة السياسية، أو يعملون فى خدمة مشروعات تهدف إلى السيطرة على السلطة)) وهكذا كان ساراماجو يسخر من الأدعياء الذين وظــفوا أنفسهم لخدمة النظام الحاكم (بالحق أو بالباطل) لمجرد أنهم يستفيدون (ماديـا ومعنويـا) من النظام وأنّ التليفزيون ساهم فى التضليل الإعلامى عندما أطلق عليهم (صفة خبراء).
 


 وتتصاعد سخرية ساراماجو لدرجة أنّ السلطات فى الحكومتيْن، سارعتا بإصداربيان جاء فيه أنه ((تحت رعاية الأمم المتحدة بدأ إجراء اختبارات حول التأثيرات السلبية لحركة شبه الجزيرة على الأحياء المائية)) ليس لأنّ الجبل ((تمخض عن فأر، ولكن لأنّ المحيط أنجب سمكة صغيرة)) ثم ربط ذلك بسخرية أخرى عن تراجع الجيولوجيا فى (كلامها) حيث أنّ الجزيرة ((عادتْ من جديد إلى الإبحار نحو الغرب، باتجاه موازٍ لمسارها الأول)) 
 وأعتقد أنّ أهم محور فى الرواية هو تجسيد ساراماجو لموقف أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، من البرتغال وإسبانيا، وأنّ هذا الموقف يتــسم بالاستعلاء وأحيانــا يصل الاستعلاء لدرجة الاحتقار، والنظرة الدونية المُـتمثلة فى اعتبار البرتغال (بصفة خاصة) ريف أوروبا، فى إسقاط واضح على أنّ البرتغاليين (فلاحون) وكأنّ الفلاحين ليسوا من البشر. وعندما تـمّ استطلاع رأى بعض الأوروبيين فيما حدث من انفصال البرتغال وإسبانيا عن أوروبا كانوا ((يهزون أكتافهم ويقول بعضهم للبعض: ماذا نفعل لهم..هؤلاء الناس هكذا..وهذه هى طبائعهم. ولايمكن الهروب من الطبع)) والاستثناء الوحيد جاء فى صحيفة صغيرة، حيث خصصتْ تحقيقــا حول ((حل أزمة السكن فى البرتغال وإسبانيا)) وقال رئيس الوزراء البرتغالى فى حديث صحفى أنه منذ حدوث التغير الجيولوجى، صدرتْ تصريحات ضدنا من كل الحكومات الأوروبية..وهى تصريحات غير مقبولة.. خاصة التى ركــزتْ على تصوير المظاهرات والخلل الأمنى، وأنّ البرتغاليين والإسبان أصابهم الفقر، والأثرياء سحبوا ودائعهم وهربوا إلى أوروبا. 
 


وكان أغرب تصرفات الحكومات الأوروبية أنها- كما قال رئيس الوزراء البرتغالى- ((أرسلتْ إلينا إنذارًا غريبـا، تطالبنا فيه بوقف انجراف الجزيرة)) وكأننا مسئولون عن (جنون الجيولوجيا) وأضاف: هل كان بمزاجنا الابتعاد عن سواحل أوروبا؟ ونظرًا لحالة العجزعن مواجهة الطبيعة ونقص الموارد قال: وهناك كلمة شكر نــوجهها لأمريكا التى مكنتنا من المحافظة على مستوى معقول من التزود بالوقود والمواد الغذائية، التى كانت توفرها أوروبا من قبل، فى إطار علاقات الوحدة الأوروبية، واختتم خطابه موجهـا حديثه لجماهير البرتغاليين والإسبان فقال: ولكن لا أحد يعرف من سيـساعدنا المساعدة الحقيقة للخروج من (هذه الورطة الجيولوجية): الأمريكان أم السوفييت؟ (ساراماجو كتب هذه الرواية سنة1979، أى قبل انهيار الاتحاد السوفييتى) 
 وبالرغم من هذا السؤال فإنّ ساراماجو كان شديد الوعى بخطورة الولايات المتحدة الأمريكية خاصة فى سياستها الخارجية، فوضع على لسان أحد المعلقين السياسيين: أنّ البيت الأبيض عادة ما ينتهز الفرصة للتدخل فى شئون العالم، عندما يرى له مصلحة فى ذلك، وكما يؤكد البعض فإنّ الإدارة الأمريكية ليست مستعدة للتورط قبل أنْ تعرف إلى أين سينتهى كل هذا، ومع هذا نحن نشكرهم على وصول الوقود، بالرغم من أنّ الكميات قليلة وغير منتظمة الوصول. وبذكاء شديد أضاف ساراماجو أنّ رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أعلن أنه ((سيتم الترحيب بالجزيرة التى انفصلتْ عن أوروبا، فى حالة وصولها إلى شواطئ أمريكا)) بينما أعلن المسئولون الكنديون أنّ ((كندا تتحفظ على تصريحات الرئيس الأمريكى)) وبناءً على ذلك أسرع المتحدث الرسمى للبيت الأبيض فأوضح أنّ تصريحات الرئيس كانت ((بدوافع إنسانية وليس لها أية دوافع سياسية)) ونظرًا لخطورة الوضع الدولى سيتم دعوة البرتعال وإسبانيا لحضور المؤتمر العاجل لدراسة الوضع الجديد. وأنّ حضور البرتغال وإسبانيا سيكون بصفة (مراقبين فقط) بينما رأت كندا أنّ فى ذلك إساءة للشعور القومى للشعبيْن البرتغالى والإسبانى، وفى نفس الوقت احتجتْ حكومتا البرتغال وإسبانيا على ما اعتبرتاه اعتداءً على استقلالهما (من جانب القوى الكبرى) وبفضل مبادرة من الحكومة الإسبانية، بدأتْ المشاورات مع الحكومة البرتغالية لتنسيق سياستهما للخروج من المأزق الحالى، ونظرًا للاعتزاز القومى لدى أبناء الجزيرة فإنّ الشعبيْن البرتغالى والإسبانى أعلنوا ((كلنا أيبيريون)) وانتشر هذا الشعار الذى ظهر على واجهات المبانى الكبرى. وإذا كان ساراماجو قد توفى سنة 2010 وتخيل (سنة1997) انفصال إسبانيا عن أوروبا، فماذا كان سيكتب عن رغبة أبناء كاتالونيا، ورغبتهم فى الانفصال عن إسبانيا؟ 

(24 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع