تراث

المصريون والألمان يد واحدة ضد سرقة الآثار

رأس أخرى لـ"نفرتيتي"

 

تمثال نفرتيتي النصفي الذي تعتبره مدينة برلين الألمانية أحد معالمها السياحية الأبرز، ودرة تاج متاحفها بل ورمزللمدينة لم يسلم يومًا من التشكيك في صحة نسبه للملكة المصرية الأشهر التي يعني اسمها "الجميلة" زوجة الملك أخناتون فرعون الأسرة الثامنة عشر. 
 
فالتمثال الكائن حاليًا في متحف برلين الجديد بعد جولة مر بها على متاحف مختلفة من بينها  متحف داهليم في برلين الغربية، والمتحف المصري في شارلوتنبورغ والمتحف القديم في برلين، ليستقر في متحفها الجديد منذ افتتاحه عام 2009 بقيمة تأمين تبلغ 390 مليون دولار أمريكي، يعد من أكثر القطع الأثرية المصرية إثارة للجدل الذي بعضه حول صحة التمثال، وبعضه الآخر حول الموقع الذي ينبغي أن يستقر فيه، هل في ألمانيا التي ينتمي إليها عالم الآثار الألماني لودفيج بورشاردت الذي نسب إليه الكشف عن التمثال في ديسمبر 1912 بورشة عمل النحات المصري "تحتمس" بتل العمارنة، أم في مصر مسقط رأس الملكة الفرعونية. 
 


على أن قصة التمثال بكل ما يدور حولها من جدل، تحولت إلى رمز لقضية تتعدى حدود قطعة أثرية، وهي كيف تنظر الدول الكبرى ذات الماضي الاستعماري لثقافة وحضارة شعوب الدول التي كانت تحت سيطرتها، وكيف تتعامل تلك الدول نفسها مع آثارها. ومن له الحق في الانتفاع بالأثر الثقافي والحضاري. 
 
رأس جديدة لنفرتيتي: 

القضية المتجددة فجرتها مجددًا الحملة المجتمعية للرقابة على التراث والآثار، بقيادة الدكتورة مونيكا حنا أستاذة الآثار المصرية. من بين أهداف الحملة دق ناقوس الخطر حول مصير الآثار المصرية التي تتعرض حاليًا حسب الدكتورة حنا إلى حملة منظمة من الحفر غير الشرعي الذي لا يعلم أحد مصيره. وتضرب الدكتورة مونيكا حنا مثلًا لذلك بمقطع فيديو نشر على موقع "يوتيوب" تم تصويره في منطقة مجهولة وعلى أيدي مجهولين يبين العثور على تمثال نصفي شبيه برأس نفرتيتي الموجود حاليًا في برلين."ماذا لو كانت هذه الرأس حقيقية؟ ما مصيرها؟ هل ستتسرب خلسة إلى خارج البلاد بنفس الطريقة التي سرق بها تمثال نفرتيتي في برلين؟" تقول الدكتورة مونيكا حنا، مشيرة إلى أنه لا يمكن الجزم بصحة هذه الرأس، لكنها بلا شك دلالة واضحة على ما تتعرض له آثارنا حاليًا من عمليات نهب مستمرة في غياب المسئولين عن حمايتها. وتضيف "لقد خسرنا معركة استرجاع رأس نفرتيتي التي تعتبر في الوقت الحالي رمزًا لبرلين، وربما يقول البعض إن عودة تمثال بحجم نفرتيتي إلى مصر في ظل الظروف التي تمر بها البلاد من إهمال للآثار سيقلل من حظوظ التمثال في الحماية والرعاية، لكن هل سنقف مكتوفي الأيدي أمام استمرار سرقة الآثار؟ ثم ماذا لو كانت تلك الرأس حقيقية بالفعل، هل نكون خسرنا الأصل والتقليد؟ وماذا عن مئات الآثار التي يتم الكشف عنها خلسة وتهريبها بشكل مستمر من مصر؟" 
 
شكوك في صحة التمثال: 

شكوك الدكتورة مونيكا حنا حول إمكانية العثور على رأس أخرى لنفرتيتي تجد ما يعضدها على مر التاريخ المعاصر. ففي مقال نشرته صحيفة الجارديان البريطانية مايو 2009 قبيل نقل التمثال إلى مستقره الحالي في متحف برلين الجديد، وتحت عنوان "هل هذه نفرتيتي أم تمثال مزور عمره 100 عام؟" نقلت الصحيفة عن المؤرخ الفني السويسري هنري ستيرلين صاحب كتاب "تمثال نفرتيتي، هل هو حيلة علم المصريات؟" وهو من أكبر المشككين في صحة التمثال النصفي للملكة الفرعونية، قوله، إن التمثال بلا شك مزور. وساق  ستيرلين حججًا عدة لتأكيد نظريته، من بينها أن تمثال نفرتيتي الكائن حاليًا في برلين عمره لا يتجاوز المائة عام، وأنه لم يكن سوى منحوتة فنية صممها فنان بإيعاز من عالم الآثار الألماني لودفيج بورشاردت الذي نسب إليه الكشف عن التمثال عام 1912، وكان الهدف من تصميمه تجريب مجموعة من الأصباغ المصرية القديمة، إلا أن الأمير البروسي يوهان جورج حين وقع نظره على التمثال هام به وبصاحبته المزعومة "حسب ستيرلين" عشقًا، فلم يرغب عالم الآثار في أن يجعل من ضيفه غبيًا فادعى أنه أثر مصري قديم لرأس الملكة نفرتيتي عمره أكثر من 3000 عام. 

وهي النظرية نفسها التي أكدها الكاتب والمؤرخ الألماني " إدروجان إرشيفان" في كتابه "الحلقة المفقودة في علم الآثار"  جاء فيه أن التمثال مصنوع على هيئة زوجة عالم الآثار الألماني لودفيج بورشاردت نفسه، وأنه لا يمت بصلة للملكة نفرتيتي. ودليلهم على ذلك أن عالم الآثار الألماني لودفيج بورشاردت ظل محتفظًا برأس نفرتيتي رافضًا عرضه على الجمهور 11 عامًا قبل أن يقرر إطلاق سراحه. 



وفي حين أكدت الأبحاث بالأشعة المقطعية التي أجرتها مستشفى شاريت ببرلين على التمثال أن عمره الحقيقي هو أكثر من 3000 عام، وليس مائة عام كما يقول المؤرخ السويسري ستيرلين، إلا أنه عاد ليشكك في صحة هذه المعلومة أيضًا حسب الجارديان، قائلًا إنه في حين يمكن التوصل إلى عمر الأصباغ التي تغطي التمثال والتي تنتمي إلى مصر الفرعونية، إلا أنه من المستحيل الكشف عن العمر الحقيقي الدقيق لتمثال مصنوع من الحجر المغطى بالجص. مضيفًا أن العين المفقودة في رأس نفرتيتي هي دلالة على عدم الاحترام في مصر الفرعونية، وهو أمر من غير الجائز أن يتم على تمثال ملكة أحبها المصريون. خاصة أن الوثيقة الوحيدة التي تشير إلى  شكل التمثال عند العثور عليه ليست سوى ما ورد في مذكرات عالم الآثار لودفيج بورشاردت التي جاء فيها بإبهام "فجأة وقع في يدينا أكثر الأعمال الفنية المصرية حيوية. لا يمكنك وصف التمثال بالكلمات.عليك أن تراه".وهناك نظرية ثالثة تشير إلى أن النسخة الحالية لتمثال نفرتيتي صنعت في الثلاثينيات بناء على أوامر أدولف هتلر، وأن النسخة الأصلية فقدت خلال الحرب العالمية الثانية. 
 
التمثال حقيقي بالدليل القاطع: 



لكن كل تلك المزاعم وجدت على الجهة الأخرى من ينفيها بقوة، من بينهم ديتريش فيلدونج مدير المتحف المصري في برلين الذي قال للجارديان إن محاولات التشكيك في صحة التمثال ما هي إلا محاولات لاستغلال شعبية التمثال من أجل الشهرة، لأن حقيقة التمثال ثابتة بالتحاليل والأبحاث والأشعة المقطعية التي تم تحليلها رقميًا والتي جرت على التمثال عام 2006.  كما علق الدكتور زاهي حواس  الوزير السابق لشؤون الآثار في حينه على ادعائات المشككين بأنها مجرد "هزي يأتي من أشخاص لا يمتون للتأريخ بصلة". 

 فشل الدبلوماسية المصرية في استعادة التمثال: 

وأيًا ما كان حول صحة نسب التمثال من عدمه فإن الثابت أن الحكومات الألمانية المتعاقبة حرصت أشد الحرص على التمسك بالتمثال، وأنها رفضت المحاولات المصرية لاستعادته على الرغم من التشكيك في قانونية وصوله إلى يد الألمان. فعالم الآثار الألماني بورشاردت متهم بأنه لجأ للتحايل لخروج التمثال من مصر، وفق وثيقة تعود للعام 1924 عثر عليها في أرشيف الشركة المصرية الألمانية التي تولت أعمال التنقيب حول اجتماع دار في 20 يناير 1913 بين لودفيج بورشاردت وبين مسئول مصري رفيع لمناقشة تقسيم الاكتشافات الأثرية التي عُثر عليها في عام 1912 بين ألمانيا ومصر. حيث يشتبه أن بورشاردت قد أخفى قيمة التمثال الحقيقية، حيث عرض على المسئول المصري صورة ذات إضاءة سيئة للتمثال، كما أخفاه في صندوق عند زيارة مفتش عام الآثار المصرية "غوستاف لوفبفري" للتفتيش، كما أوهمه بورشاردت أن التمثال مصنوع من الجبس لتضليله. لكن السلطات الألمانية برأت نفسها من التضليل وأكدت مرارًا أن الاتفاق بين الطرفين كان نزيها وأنها غير مسئولة عن إهمال مفتش الآثار. 



وعلى مر هذا التاريخ فشلت كل المحاولات الدبلوماسية المصرية في استعادة التمثال، بداية من العام 1925 عندما هددت مصر بحظر التنقيب الألماني عن الآثار في مصر، ثم عندما عرضت مبادلته بأعمال فنية أخرى عام 1929، وفي الثلاثينيات عندما رفض هتلر بإصرار إعادة التمثال لمصر قائلًا إنه سيبني متحفًا خاصًا للتمثال، وفي الخمسينيات عندما حاولت مصر استئناف المفاوضات حول التمثال دون جدوى. حتى العام 1989 عندما حسم الرئيس الأسبق حسني مبارك الجدل حول التمثال خلال زيارة لألمانيا حين وصف التمثال بأنه "خير سفير لمصر في برلين" تلى ذلك عام 2005 مطالبات من زاهي حواس لألمانيا بإثبات صحة حيازة التمثال قانونيًا بالاستعانة باليونسكو، ومهددًا عام 2012 بحملة مقاطعة عالمية لإقراض المتاحف الألمانية القطع الاثرية ردًا على رفض السلطات الألمانية إعارة "رأس نفرتيتي" لمصر عند افتتاح المتحف المصري الجديد. لكن كل تلك المحاولات وغيرها لم تجد نفعًا مع السلطات الألمانية التي بذلت كل الجهود لإثبات أنها تملك التمثال بشكل قانوني. 
 
ألمان يطالبون بعودة "نفرتيتي"



لكن على الجهة الأخرى لم تتوقف الحملات داخل ألمانيا نفسها بضرورة إعادة "نفرتيتي" أو على الأقل إعارتها للمصريين أبرزها حملة "رحلات نفرتيتي" عام 2012 التي انطلقت من هامبورغ الألمانية لتطالب وزير الثقافة الألماني بإعارة التمثال لمصر، وما زالت تلك الحملات قائمة حتى يومنا هذا، حسب نورا البدري،  وجان نيكولاي، وهما تشكيليان ألمانيان ضمن حملة تطالب الحكومة الألمانية بالتخلي عما يصفانه بالإرث الاستعماري في السطو على ثقافة وحضارة الشعوب بحجة أن دول الجنوب ليست آمنة بما يكفي لحماية رموز حضارتها. نورا وجان المتواجدان حاليًا بالقاهرة يعكفان على تنظيم ندوة الأحد المقبل في معهد جوته بعنوان "حقيقة الآثار" تضم مجموعة من خبراء الآثار المصريين والألمان لمناقشة أحقية ملكية الآثار، ومن بينها رأس نفرتيتي. 



وتقول جان البدري الألمانية ذات الأصول العراقية "هناك عدد لا يحصى من أعمال الحفر غير الشرعية التي تجري  في مصر والعراق وسوريا التي ينتج عنها تهريب الآثار إلى متاحف الغرب والمجموعات الخاصة في بلادنا دون أي عواقب قانونية" مشيرة إلى أن الإتجار في الآثار حسب منظمة اليونسكو يعد أكبر ثالث سوق غير شرعية في العالم بعد السلاح والمخدرات حيث تتجاوز أرباح تلك التجارة 6 مليارات يورو. ويضيف جان نيكولاي "آن الأوان لنفتح هذا الملف.. لأن سطوة الغرب على آثار دول العالم الثالث ليس سوى أحد صور الاستعمار الجديد". 

 

 

(36 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع