تراث

دير المدينة قرية التقوى والفجور والإضراب العمالي

تقع قرية دير المدينة فى غرب مدينة الأقصر فى أعماق الوادى بمكان منعزل بالقرب من معبد مدينة هابو وإلى الجنوب من معبد حتشبسوت المعروف باسم الدير البحرى. وهى قرية فقيرة قطنها العمال الذين عملوا فى حفر مقابر وادى الملوك. وعلى الرغم من بساطتها؛ لكنها كانت أكثر القرى ثراء أدبيا، وفنيا، ودينيا...قرية غيرت مجرى التاريخ! (عزيزى القارئ فى هذا المقال سنتتبع حياة العامل الكادح فقط).
"دير المدينة" اسم حديث للقرية التى كانت تُسمى فى عصر الرعامسة "ست ماعت" أى مكان الحق، لأن المسيحيين استخدموا القرية كدير لكهنة طيبة فى القرن الخامس الميلادي، وكان شفيعه القديس "إيزيدور". مجتمع عمالى مغلق، مدنا بالكثير على مدار ثلاثة قرون عن تخطيط المدينة، العادات الدينية والجنائزية، وملامح الحياة اليومية من تعاملات تجارية، قضائية، زواج، طلاق، الآداب، والمعاملات التجارية.



أسس تحتمس الأول القرية بعد أن اختار موقع وادى الملوك الحالى لإقامة مقبرته. ولا نعلم عن القرية الكثير فى تلك الفترة؛ ولكن فى فترة الرعامسة بلغت القرية أوج مجدها وازدهارها، حيث بلغ عدد العمال مائة وعشرين عاملا، وعدد السكان قرابة الألف ومائتين. 
تكونت القرية فى أول عهدها من ستين منزلا، يحيط بها سور وله بابان يُغلقان ليلا ولكل باب حارس، لا تتعدى مساحة القرية مائة وواحد وثلاثين مترا وعرضها خمسون مترا، تضم سبعين منزلا إلى جانب خمسين منزلا خارج أسوار القرية، يشبه تخطيطها إلى حد ما شكل السفينة، يخترقها محور من الشمال إلى الجنوب يرسم حدود الحيين الشرقى والغربي، ويسكن فى كل حى فريق من العمال، الفريق الأيمن والفريق الأيسر اللذان يعملان فى المقابر بالتناوب.

يخرج العمال فى حركة مكوكية يوميا للعمل فى وادى الملوك، سالكين طرق فى الجبل للوصول إلى الوادى ليواصلوا العمل فى المقابر. ويذهب فريق أخر إلى مدينة هابو أو الرامسيوم القريبين من القرية للحصول على المياه اللازمة تحت أنظار رجال الشرطة النوبيين. يلتقطون أنفاسهم فى استراحات مخصصة فى الطريق، وعندما يصلون إلى مقر عملهم ينقسم العمال داخل المقبرة إلى نصفين يعملون فيشقى المقبرة، وغالبا كل فئة تسكن فى القرية فى نفس جهة عملهم، أى من يعمل فى الجهة اليمنى فى المقبرة يسكن فى الجهة اليمنى، والعكس أيضا.



لكل مجموعة من القسمين مشرف ولكل العمال رئيس، يرافقهم كاتب يسجل بشكل يومى مقدار تقدم العمل، ويرفع تقريره إلى الوزير الذى بدوره يرفع التقرير إلى الملك. ينحت العمال المقبرة بالكامل باستخدام ازميل ودقماق ثم يصقلون الجدران بالصنفرة لتنعيمها.وبعد قرابة السبع ساعات من العمل يتخللها استراحة لتناول الطعام. ويستمر هذا الوضع لعشرة أيام ثم يعودون إلى منازلهم فى القرية، والتى عادة تكون باللون الأبيض ولها باب أحمر اللون يحمل اسم صاحبها، يدخل من غرفة الاستقبال مارا بزوجته التى تُعد الطعام بينما يلهو ابناؤه فى الخارج، وبعد تناول الطعام يتسامر مع زوجته وأطفاله ليلا على سطح المنزل خاصة فى فصل الصيف، فى حين يذهب فريق آخر يكمل المهمة.
 
لا نعلم ماذا أصاب القرية فى فترة اخناتون وثورته الدينية، ولكن الشاهد أنه بعد هذه الفترة تبدلت الأمور الدينية فى مصر عامة وفى دير المدينة خاصة ولم تعد كما كانت، نتج من القرية نصوص كثيرة أظهرتما يسمى "بالدين الشعبي"، حيث فقدت طبقات العامة الثقة فى ذلك المعبود الذى لا يسمع الفقراء مثل "آتون"، فظهرت نغمة جديدة وصفات أخرى للمعبودات مثل "أمون الذى يسمع المصلين" و"أمون الذى ينقذ الفقراء"، وآمال الطبقة الكادحة فى التقرب من المعبودات، بل وتجرأ بعضهم فى أن يذكر ذنوبهم التى ارتكبوها ورحمة المعبود بهم".
 


فيذكر أحد العمال ويدعى "نب رع" أن ابنه سرق بقرة من أبقار أمون فأصابه العمى، وعندما تاب من ذنبه وتضرع بين يدى أمون عاد بصره إليه. أما الخادم "نفر آبت" فأغضب سيدة الجبل (مرت سجر أو حتحور" فأصابه العمى حيث رأى الليل فى النهار وأصابته بمرض جعله ينام كالمرأة الحامل. وأخر يدعى "نفر آبت" لا نعلم هل نفس الشخص أم آخر يحمل نفس الاسم أقسم زورا باسم بتاح الذى أصابه بالعمى حيث جعله يرى الظلام فى النهار، وجعله يعيش مثل الكلب فى الشارع. وأما الخادم "حُوى" أقسم باطلا بالقمر جحوتي؛ لكنه لم يذكر بما عاقبه جحوتى سوى أنه جعله يرى قوته.
 
وانتشرت صيغ للدعاء والابتهالات مثل "فلتجس بين يدى المعبود"، "لتكن فى معية المعبود"، و"ليكون المعبود فى قلبك"، وهذا له تشابه كبير بما يستخدمه العوام من الناس من عبارات مثل "لتكن مع الله"، "قف بين يدى الله"، و"ضع الله فى قلبك"، حتى ذهب البعض بأن هذه العبارات بداية التصوف فى مصر، وقس على هذا الكثير. صحيح أن ذكر الذنوب لم ينتشر كثيرا، إلا أن شعور العمال بقربهم من المعبود كان يصبرهم على الكثير من المشقة أملا فى الخلاص منها فى العالم الآخر، ونحن فى وقتنا الراهن نصبر على المشقة أملا فى جزاء الآخرة.
 


وفى عصر الأسرة التاسعة عشر خاضت القرية مشاكل اقتصادية كبيرة.ونتيجة للتكدس السكانى وتعدد الزيجات نشأ مجتمع قَبَلى يقوم على العصبية الأهلية، كما انتشرت حوادث السرقة والزنا كأى مجتمع منطوى ومغلق على ذاته. فها هو العامل "يا نب" كان يُسلى نفسه فى أوقات فراغه برجم الناس بالحجارة، وسرق بعض من مقتنيات مقبرة سيتى الأول ولم تثبت عليه التهمة، ثم قتل رئيسه فى العمل بل وبرأته المحكمة، وعند تبرئته تولى منصب رئيسه السابق! وقد عثر علماء الآثار على المقتنيات المسروقة فى مقبرته. كما أنه اتهم بالزنا مع زوجة أحد البحارة وابنتها فى نفس الوقت، وعندما فرغ من ابنة البحار غازلها ابنه؛ ولم يُعاقبا!
 
ثم هدأت فى الأمور وعادت الأمور إلى نصابها فى الأسرة عشرين، لتضربها المشاكل الاقتصادية من جديد، ويخرج منها أول إضراب عمالى فى التاريخ القديم. نتيجة عدم صرف مستحقات العمال وأجورهم فخرجوا حاملين مشاعلهم فى اتجاه معبد مدينة هابو حيث قصر رمسيس الثالث، وتدخل قائد الشرطة واستطاع أن يصرف جزء من مستحقات العمال من محتويات مخازن المعبد، ولم تستطع الحكومة وصرف مستحقاتهم وتدبير احتياجاتهم من المؤن ليضربوا عن العمل مرة أخرى، وأخذ يخبوا نجم المدينة الذى سطع على مدار ثلاثة قرون حتى أفل. وفى العصر اليونانى الرومانى عاد النشاط إلى القرية مرة أخرى؛ ولكن لم تستمر هذه المرة إلا قليلا لتنتهى حياة قرية كادحة غيرت فى مجرى التاريخ.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع