تراث

الله حي.. عباس كان جاي

حين فكر الإنجليز في إعادة الخديو عباس للعرش

 محمود أنور

في الذاكرة الشعبية المصرية شغلت عبارة "الله حي.. عباس جاي" حيزا كبيرا كونها ترددت بكثرة على الألسنة في الفترة من 1914 حتى مطلع الثلاثينيات؛ ونادى من خلالها الشعب المصري بعودة الخديوي عباس حلمي الثاني إلى العرش.
عباس حلمي الثاني بن محمد توفيق بن إسماعيل خديوي مصر من 1892 إلى 1914 هو سابع من حكم مصر من أسرة محمد علي، وآخر خديوي لمصر والسودان.
حاول عباس حلمي الثاني أن يتبنى سياسة إصلاحية ويتقرب إلى المصريين ويقاوم الاحتلال البريطاني، وتعاون مع زعماء الحركة الوطنية، وقد شهد عهده عدة إنجازات أهمها إنشاء الجامعة المصرية ووضع حجر أساس خزان أسوان، ووقعت في عهده حادثة دنشواي التى اضطر على أثرها اللورد كرومر للاستقالة ومغادرة البلاد، وقد انتهز الإنجليز فرصة بوادر نشوب الحرب العالمية الأولى وكان وقتها خارج مصر، فخلعوه من الحكم ونصبوا عمه حسين كامل سلطانًا على مصر بدلًا من أن يكون خديوي وفرضوا على البلاد الحماية رسميًّا.
أمران جعلا عودة الخديوي عباس للحكم حلما بعيد المنال، بخلاف الإنجليز، أولهما تنازل الخديوي نفسه عن العرش بعد مفاوضات أجراها معه إسماعيل صدقي باشا مقابل مبلغ من المال دفعته الحكومة المصرية، وثانيهما الأمر الملكي الذي أصدره الملك فؤاد سنة 1923 الخاص بتنظيم وراثة العرش في أسرة محمد على وجاء في المادة الثالثة منه نص خاص يقضى باستثناء الخديوي عباس حلمى الثاني من تولى العرش حتى لو استحقه طبقا لقاعدة الأكبر من الذكور.
ورغم ذلك فإن الخديوي رُشح بقوة للعودة إلى العرش بعد 28 عاما من خلعه! وممن؟! من الإنجليز أنفسهم! 


الخديوى عباس حلمى الثانى فى مكتبه بقصر عابدين

الرجل الذي كتب مذكراته وعنونها بـ"عهدي" فيما يمثل طيا لصفحة من حياته، حيث يذكر في مطلعها:
"ليس من المستغرب أن أشعر، وبعد مضي ربع قرن على تنحيتي عن المسرح الدولي، وكخديو لمصر خلال ثلاثة وعشرين عاما من 1892 إلى 1914، بأنني مضطر إلى أن أرسم بيدي لوحة عملي كحاكم.
وقد دفعني لهذا العمل عدة عوامل: منها الإحساس بالوحدة، وتأملات طويلة في جدوى تأكيد عظمة الإنسان، وكذا الرغبة في أن أقدم مشاركة، مدعمة بالوثائق، عن إحدى الفترات المزدحمة بالأحداث في تاريخ وطني الحبيب، والذي قمت من أجله، في بداية هذا القرن، بأعنف الصراعات. وتلك العشرات من السنوات، التي تلت ذهابي، قد أنارتني في كثير من الأحداث والأشياء. ولقد أخذ الموقف منعطفا حرجا وجدت من واجبي أمامه أن أسجل هذه السطور".


احمد حسين باشا

فكيف تم هذا بعد مرور كل هذه السنوات؟!
الحكاية يذكرها أمير الصحافة محمد التابعي في كتابه "من أسرار الساسة والسياسة.. أحمد حسنين باشا.. حياته الخاصة والعامة" في تناوله لحادث 4 فبراير 1942 الذي أجبرت فيه بريطانيا الملك فاروق على إسناد الوزارة لحكومة الوفد برئاسة النحاس باشا بعد أن حاصرت قصر عابدين بالدبابات كي يسند الوزارة للحكومة التي سبق ووقعت معها معاهدة 1936 بعدما تيقنت من ميل الملك والحكومة إلى دول المحور في الحرب العالمية الثانية والسخرية من الإنجليز وهزائمهم المتتالية.
يقول التابعي: حدثني سعادة فؤاد حمزة بك الوزير المفوض للمملكة العربية السعودية فقال إنه لما كان في زيوريخ "سويسرا" في عام 1942 بعد وقوع حادث 4 فبراير قابله اللورد الذي كان يدير في الخفاء قلم المخابرات البريطانية في سويسرا وقال له إن الحكومة البريطانية قد هالها ما يجري ويقع في مصر فقررت خلع الملك فاروق وأن الصعوبة كانت في اختيار الذي يخلفه على العرش.. ولقد فكرت الحكومة البريطانية في أول الأمر في حفيد الخديوي عباس حلمي – أي نجل الأمير السابق محمد عبد المنعم وكان لا يزال يومئذ في سن الرضاعة – على أن يكون هناك وصي كما هو الحال في العراق، ثم انتهى الرأي إلى مفاوضة الخديوي عباس حلمي فاتصلوا به في سويسرا وسافر سموه، رحمه الله، إلى إستانبول لكي يكون على مقربة من مجرى الحوادث! وفي إستانبول قابله مستر مرتون وسلمه رسالة من الحكومة البريطانية.
مستر مرتون هذا عاش معظم سنين حياته في مصر وكان يعرف البلاد ويعرف أعيانها وساستها حق المعرفة كما كان يجيد الحديث بالعربية.. وكان في أول أمره موظفا بوزارة الزراعة المصرية ثم استقال وعمل مندوبًا لجريدة المورننج بوست ثم مندوبا لجريدة الديلي تليغراف.
وكان بحكم عمله الصحفي أثناء الحرب كثير التجول والتنقل بين ميادين الحرب في الشرقين الأدنى والأوسط، وقد قتل في حادث انقلاب سيارة في الصحراء الغربية وقتل معه في نفس الحادث قائد إنجليزي مشهور اسمه جوك كامبل.
ويضيف التابعي: قلت إن الخديوي عباس حلمي غادر سويسرا إلى إستانبول حيث قابله مستر مرتون وتحدث معه وسلمه رسالة من حكومة لندن.
وأقام الخديوي السابق ينتظر "الإشارة" أو الخطوة الثانية.. لكن قلم المخابرات الألمانية أحس أن هناك شيئا مريبا يجري.
وكذلك أحس الخديوي أن الألمان يشكون فيه.. وأن عيونهم في إستانبول يرقبون حركته.. ويشكون في سبب قدومه إلى إستانبول واتصاله بإعدائهم الإنجليز، فخشي الخطر على نفسه، وأسرع بمغادرة إستانبول عائدا إلى مقره الأمين في سويسرا.


عباس حلمي الثاني مع الملك جورج الخامس ملك بريطانيا في بورسعيد 1912

ويكمل التابعي: وقلت لفؤاد حمزة بك:
- ولماذا لم يرشح الإنجليز لعرش مصر ولي العهد الأمير محمد على توفيق وهو صديقهم الحميم؟
قال: في الواقع أن ترشيح البرنس محمد علي للعرش لم يكن محل تفكير في أي وقت لأن الإنجليز كانوا يعرفون أنه غير محبوب وليست له أقل شعبية في مصر، ولقد فكروا في الخديوي عباس حلمي لأنه كان محبوبا إلى حد ما وكانت له شعبية ثم هو الرجل الذي كان الإنجليز اغتصبوا منه العرش وأعطوه لحسين كامل ثم لأحمد فؤاد ومن هنا رأوا أن يعيدوه أو يعيدوا إليه عرشه ترضية لشعب مصر.
إلى هنا انتهى كلام التابعي، وقد مثل إذعان الملك فاروق للإنجليز في 4 فبراير 1942 نهاية حلم عباس بالعودة.
ولعل من المفارقات الدالة على تبدل لعبة السياسة بين الحين والآخر وفقا لمصالح الدول، أن نعلم أن الخديوي عباس حلمي الثاني خلعه الإنجليز أثناء تواجده خارج البلاد في 1914 بداعي تعاطفه مع الدولة العثمانية وحلفائها رغم نفيه ذلك وأنه فوجيء بتنحيته عن السلطة في الوقت الذي لم تكن فيه الدولة العثمانية قد انحازت إلى جانب المعكسر المعادي للحلفاء، وأثناء الحرب العالمية الثانية تواصل معه الإنجليز لإعادته للعرش قبل أن توافيه المنية بعد هذه الأحداث بعامين فقط في منفاه بسويسرا في 19 ديسمبر 1944 وهو نفس تاريخ خلعه قبل ثلاثين عاما!

(837 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع