تراث

حين تبوح العمارة بأسرارها.. متحف «بيت المعمار المصرى»

العمارة هى كتاب التاريخ القائم ومرآته.. والحجر - مفردة العمران ومادة المعمار- أصدق من نطق بأحداث ووقائع الدهور، فى فترات الازدهار ولحظات الانكسار. فالمعمار كاشفًا لمختلف المرجعيات الثقافية والحضارية المتوالية عبر الأزمنة، لكونه يعكس فلسفة فن البناء التى تكونت على أساس اجتماعي، للوفاء باحتياجات الإنسان ومتطلباته المختلفة. 



وتعد العمارة خير شاهد على التنوع الحضارى فى مصر، سواءً تجسدت فى هيئة معابد مصرية، أو نُصب تذكارية رومانية، أو كنائس قبطية، أو مساجد ومساكن عربية أو عمائر معاصرة.. وكأنها كيانًا تجسدت خلاله عصارة الفنون والحْرف المصرية فى مراحل تاريخها الممتد، فتمت لك مصر تراثًا معماريًا هائلاً، تراكم على أرضها عبر عصور مرت على بلاد النيل، مما ميّز الطابع المعمارى المصري، وأكسبه شخصية استثنائية، لا تضاهيها بقعة أخرى فى التنوع والشمول والندرة. 
 
ولما كانت العمارة السكنية العربية أبرز المنشآت التى تفى باحتياجات المجتمع الشرقي؛ فقد أُنشئ أول متحف لصون الذاكرة المعمارية المصرية، ببيت أثرى عربى عمره يفوق 300 عام، مطلاً على قباب ومآذن قاهرة العصور الوسطى.. ليبوح بأسرار العمارة فى مصر، ويعرض موجزًا لتراثها، ويحتضن مقتنيات أبرز المعماريين الرواد فى القرن العشرين فى «بيت المعمار المصري».
 
 
فى البدء كان منزل "على لبيب"..
فى منطقة ميدان القلعة؛ صرة القاهرة التاريخية يقع منزل «على لبيب»، على مقربة من قلعة صلاح الدين الأيوبي، مقر حُكم مصر على مدار عدة قرون، وبمواجهة مسجد السلطان حسن، أجّل عمائر سلاطين المماليك فى مصر، وأمام مسجد الرفاعي؛ آخر المساجد الكبرى فى القرن العشرين. أنشئ البيت، المسجل فى عداد آثار القاهرة الإسلامية برقم أثر 496، الأخوين«عمر وإبراهيم الملاطيلي»، من كبار تجار القاهرة فى العصر العثماني، كمقر لسكنهما فى أواخر القرن الثانى عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، وعُرف لاحقًا باسم حارس المنزل «على أفندى لبيب». يتبع المنزل الطراز العثمانى المتأثر بالعمارة المملوكية فى تخطيطه، ويتألف من مبنيين متصلين عبر فناء مكشوف فسيح، وكل منزل مكون من طابقين. يفضى مدخل المنزل إلى فناء يؤدى إلى المبنى الأول، ويطل عليه المقعد المخصص لجلوس الرجال، ويحيطه مجموعة من القاعات. ويلتف حول فناء المبنى الثانى معظم قاعات المنزل المتعددة. ويعتبر منزل «على لبيب» من المنازل الأثرية المعدودة فى القاهرة بمعماره المتكامل، وعناصره العربية كالمشربيات والأسقف الخشبية، والمدخل المنكسر بزاوية 90 درجة لمنع رؤية أهل البيت من الطريق.
 
أصبح المنزل منذ النصف الأول من القرين العشرين قبلة رواد الفن التشكيلى والمعمار، مثل الرسام والمستشرق الفرنسى «بيبى مارتان»، والفنان التشكيلى «راغب عياد» صاحب المدرسة الواقعية فى الرسم والتصوير، والمخرج ومصمم الديكور «شادى عبد السلام»الذى قدم عدة أفلام تاريخية هامة للسينما المصرية، وكذلك المعمارى «حسن فتحي» الذى اتخذ من البيت مقرًا لسكنه حتى وفاته المنية فى عام 1989.بوفاة حسن فتحى أُسدل الستار على المنزل الأثرى إلى أن قام المجلس الأعلى للآثار (وزارة الآثار حاليًا) بتجديد المنزل وترميمه بحلول عام 2000، ثم تحول عام 2010 إلى متحفًا يعرض تاريخ العمارة المصرية ومراحل تطورها، وافتتح رسميًا فى عام 2016 وعُرف باسم«بيت المعمار المصري».


 
 
رحلة فى متحف «بيت المعمار المصري»..
يعد تأهيل واستخدام المبانى الأثرية أهم سبل المحافظة على الطابع الحضارى لتلك المنشآت، وتعزيز اتصالها بالواقع المعاصر عبر توظيف ملائم للمبني، يتناغم مع خصائصه المعمارية والفنية. لذا، جاء اختيار منزل «على لبيب» كمتحف لتوثيق رحلة المعمار المصري، نظرًا لأصالته واكتمال عناصره وموقعه الفريد من جانب، وملائمًا لاستثمار هذا الأثر العربى بهدف الحفاظ عليه من جانب آخر. 
يهدف «بيت المعمار المصري» لتسجيل تاريخ الإنسان المصرى مسجلاً بفن البناء، بأنماطه الجغرافية المتنوعة، وعبر عصور العمارة التاريخية حتى زمانها المعاصر، وإلقاء الضوء على تجارب المعماريين المعاصرين الرواد التى استهدفت إبراز الشخصية المعمارية المصرية. ويهتم كذلك بنشر الثقافة المعمارية، وتنمية الذائقة الجمالية للمجتمع، عبر إقامة فعاليات ثقافية ترمى لنمو الوعى بأهمية الحفاظ على الهوية المصرية فى فنون العمارة. 
 
تماشى توظيف «منزل على لبيب» مع أهداف «بيت المعمار المصري»؛ فقد تم تحويل المبنى الأول لمكتبة متخصصة فى المجال البحثى المعماري، تضم إصدارات ورقية ورقمية بمحتواها المتنوع، فضلاً عن عدة قاعات مخصصة للتدريب والأنشطة الثقافية المختلفة. بينما استخدم المبنى الخلفى من المنزل وقاعاته العلوية كمتحف لعرض ملامح تاريخ العمارة فى مصر.
 
عكف المعمارى المصرى "عصام صفى الدين"، صاحب فكرة إنشاء المتحف، على وضع مادة علمية وتصميم مسار لزيارة المنزل، يشتمل على لوحات ومخططات معمارية ونماذج مجسمة للمعمار والآثار، ووثائق عن تاريخ العمارة والمعماريين فى مصر.وتتضمن جولة الزائر عبر قاعات المنزل زيارة معرض ملحمة تراث العمارة، ثم بيت الفنانين الذين قطنوا بالمنزل، والمرور بقاعات عمارة مصر الشعبية بأنماطها البيئية؛الريفية والنوبية والصحراوية. ويضم المتحف عرضًا موجزًا للطراز المعمارى المصرى خلال العصور القديمة والمسيحية والإسلامية، وفى عهد مؤسسا مصر الحديثة؛ محمد على باشا والخديو إسماعيل، وكذلك خلال الحقبة المعاصرة.ويتميز المنزل بعرضه للأثاث التقليدى المستوحى من المعمار المصري، وينهى الزائر رحلته أعلى سطح المنزل؛ بمشهد بانورامى للقاهرة الإسلامية.



 
متحفا حسن فتحى ورمسيس ويصا واصف..
منذ بداية القرن العشرين برز جيل جديد من المعماريين المصريين، شرعوا فى إنشاء مدارس معمارية تتفق والتراث المعمارى المحلى فى مصر، وتتجه نحو تأصيل المعمار التقليدي، كشكل من أشكال مقاومة تيار الحداثة الذى كان سائدًا فى تلك الفترة. وقد تعمق هذا الاتجاه على يدى قطبى العمارة التقليدية المصرية؛«حسن فتحي» و«رمسيس ويصا واصف».



يعد المعمارى المصرى «حسن فتحي» (1900-1989) رائد العمارة البديلة أو ما يُعرف بعمارة الفقراء الهادفة لاستعمال مواد بناء محلية فى بناء المساكن تتوافر فى البيئة المصرية، وتتوافق مع عمارة البسطاء وإمكاناتهم، فحاز بتلك التجربة شهرة عالمية. كما درس المعمارى المصري«رمسيس ويصا واصف»(1911-1974)، العمارة التقليدية وأنماطها المختلفة، ورأى أنها الأقرب لروح الحضارة المصرية عن العمارة الحداثية، واتفقت اتجاهاته فى العمارة البديلة مع المعمارى «حسن فتحي».
 
لذا، اشتمل «بيت المعمار المصري» على متحفى لعرض مقتنيات المعماريين «رمسيس واصف» و«حسن فتحي»، لدورهما الرائد فى تأصيل مدرسة العمارة المصرية التقليدية. ولما كان «حسن فتحي» آخر مقيم بمنزل على لبيب؛ فقد احتفظ المتحف بمجموعة من أدواته المعمارية، ومخططاته الهندسية، مثل مساقط تصميم منازل بمدينتى جدة والأقصر، فضلاً عن مقتنياته الشخصية مثل آلة الكمان التى كان دائم العزف عليها، وآلة التصوير الفتوغرافية، وهاتفه الأرضي. ويضم متحف «رمسيس واصف» مخطوطات لأعماله المعمارية التى تعود لستينيات القرن العشرين، ومجموعة من مقتنياته وكتبه.
وهكذا، ارتبط المعمار المصرى بشكل وثيق بتاريخ مصر، ووقفت الأبنية شاهدة على تعاقب الأزمان، وتقاطعت مع طبوغرافية الأرض وثقافة الشعب والنخبة.. ففى البدء نُشّكل الأبنية، ثم تُشكّلنا المبانى وتضفى طابعها على تراثنا وتقاليدنا. ومن هنا اكتسب «بيت المعمار المصري» ضرورة وجوده وهويته، باعتباره مزارًا أثريًا مميزًا بموقعه فى قلب العاصمة، وبيتًا يُجسد فن العمارة العربية فى بناء المنازل، ومتحفًا يؤرخ لإبداع المعمارى المصرى عبر العصور. 

ــــــــــــــــــــــــــ
بالرجوع إلى: 
غزوان مصطفى ياغي، منازل القاهرة ومقاعدها فى العصرين المملوكى والعثماني: دراسة أثرية حضارية، (القاهرة، 2004)، ص 208.
عبد الرحمن زكي، موسوعة مدينة القاهرة فى ألف عام (القاهرة، 1969)، ص 106.
مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية ومركز إحياء تراث العمارة الإسلامية، أسس التصميم المعمارى والتخطيط الحضرى فى العصور الإسلامية المختلفة بالعاصمة القاهرة، (جدة، 1990)، ص 369-370.
عبد الباقى إبراهيم، المعماريون العرب: حسن فتحى (القاهرة، 1987) ص 24.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع