تراث

حماية التراث الإنسانى فى أوقات المحن والحروب

من أكثر العوامل التى أدت إلى تدمير التراث الإنسانى عبر العصور وحتى الآن تأتى فى مقدمتها الثورات والحروب، فعلى سبيل المثال فقد أدت الأزمة الاجتماعية والاقتصادية إلى حدوث الثورة الفرنسية 1789، وفى العام 1790 حدث تدمير كبير للتراث الثقافى، وتركز التدمير على أبراج الكنائس والقصور بسبب الاعتقاد أنها ترمز إلى اللامساواة وأنها مراكز السلطة الكنسية والدينية.
وفى أثناء الحربين العالميتين (الأولى 1914-1919 والثانية 1939-1945) دمرت آلاف المواقع والمعالم.
وكان أثر الحروب السلبية فى التراث الثقافى فى عالمنا العربى كبيرا جدا، ولقد رأينا ذلك فى حروب الخليج الثلاث، وما يحدث الآن فى العراق واليمن وسوريا وليبيا وفلسطين وما تتعرض له المواقع الأثرية والتاريخية من تدمير مباشر لها بالقصف أو من خلال النهب والسلب والاتجار بها.
ففى العراق اختفت أكثر من (13864) قطعة أثرية من المتحف العراقى إبان الغزو الأمريكى للعراق، لتسجل بذلك أكبر سرقة لمتحف فى التاريخ الإنسانى قديما وحديثا.
هذا بالإضافة إلى التدمير الذى لحق المواقع الأثرية فى "بابل" حيث تم استخدامها كقاعدة عسكرية لقوات الاحتلال من عام 2003 وحتى عام 2004، مما جعل منه مكانا لتجوال الدبابات والمدرعات وهدفا للقصف والتدمير . 
 
 
 
وفى اليمن هناك معالم أثرية كثيرة تم تدميرها تزيد على 4000 معلم أثرى، من أهمها سد «مأرب» الذى يعود تاريخه إلى القرن الثامن قبل الميلاد فى مملكة سبأ، تم سرقة متحف مدينة «عدن» بالكامل حيث بلغ ما تم تهريبه وسرقته وتدميره من الآثار نحو 4000 قطعة، بحسب إدارة المتاحف اليمنية.
 وهناك عشرات المتاحف تم تدميرها بالكامل أثناء الحرب المستعرة هناك حتى الآن، فهناك مدن ومتاحف دمرت فى مدينة "صعدة" الذى ضُرب سورها أكثر من 10 مرات والمتحف الإقليمى فى "ذمار" ومحراب جامع ذمار الذى يعتبر أقدم محراب بعد محراب جامع القيروان والمتحف العسكرى فى "عدن" ومدينة "براقش" ومتحف القاهرة فى "تعز"، كذلك وتعرضت بعض المواقع الأثرية إلى الدمار جراء تمركز الحوثيين بها وهو ما عرضها لضربات جوية من قِبل طائرات التحالف العربى المؤيد للرئيس اليمنى عبدربه منصور هادى، ويُعد من أبرز المواقع التى تم تدميرها منازل فى مدينة صنعاء القديمة، بالإضافة إلى البوابة الرئيسية للمدينة، التى تعد نموذجاً للعمارة الإسلامية القديمة المُدرجة ضمن التراث العالمى منذ عام 1986.


 
وعلى الرغم من إن المنظمات الدولية المنوطة بالحفاظ على التراث الإنسانى أعطت قائمة لقوات التحالف بأكثر من 50 معلما أثريا وإنسانيا لعدم استهدافها، إلا أنه تم استهداف هذه الآثار أكثر من مرة!
وفى سوريا الحبيبة منذ اندلاع الثورة فى مارس 2011 والمواقع الأثرية السورية تتعرض لكل أنواع الاعتداء بين التدمير والنهب بنطاق واسع، وقد جاء فى تقرير أصدرته الأمم المتحدة نهاية عام 2014 عن حالة الآثار السورية أن نحو 300 موقع أثرى سورى دمرت، وفى مقدمتها الآثار الإسلامية فى كل المناطق السورية، ومدينة "تدمر" الأثرية، والتى تُعد من أهم المواقع الأثرية العالمية، والآثار اليونانية والرومانية بمدينة إفاميا.
كما دمر تنظيم داعش معبد «بعل شمين» الشهير الذى يقع على مقربة من المدرج الرومانى بمدينة «تدمر»، بزرع كميات كبيرة من المتفجرات أدت إلى تناثر أجزائه، وفى أغسطس من العام نفسه دمر التنظيم «معبد بعل» الواقع فى مدينة «تدمر»، وبعدها قام بتدمير «أقواس النصر» الأثرية بالمدينة ليقضى بذلك على أبرز المدن الأثرية فى سوريا.
فى 12 مارس 2014 دعت الأمم المتحدة كل أطراف النزاع السورى إلى وضع حد فورى لتدمير التراث، وأدانت استخدام المواقع المُدرجة على لائحة التراث العالمى لتحقيق أهداف عسكرية مثل قلعة «الحصن» ومدينة «تدمر» ومدينة «حلب» وقلعتها.
 
 
 
وفى ليبيا بعد قيام ثورة 17 فبراير 2011 سادت حالة من الفوضى وكان لها تأثير سلبى على المواقع الأثرية أيضا، وتُعد أكبر الكوارث التى تعرضت لها الآثار الليبية بعد الثورة جريمة سرقة وديعة عُرفت باسم "كنز بنغازى" وهذا الكنز احتوى على قرابة 6 آلاف قطعة من رؤوس تماثيل وقطع نقدية من معادن مختلفة وحلى ومجوهرات.
ووصل الأمر فى ليبيا إلى هدم مبان تاريخية تُعد معالم مثل هدم فندق "برنيتش قصر الجزيرة" فى بنغازى بحجة إعادة البناء، وتدمير مساجد ومقابر وأضرحة تاريخية مثل تدمير مقابر"زويلة" التاريخية السبعة، والتى تُعد من معالم المدينة. وتعرضت العشرات من المواقع الأثرية الليبية للتدمير والنهب فى مختلف جهات البلاد، إذ أكد عالِم الآثار الليبى فضل الحاسي، فى تصريحات صحافية أن "أكثر من 15 موقعاً أثرياً تعرَّضت للتجريف منذ 2011 وتحوَّلت إلى مساكن، بينها مواقع داخل مدينة شحات، شرقى البلاد". وقال إن "نقوشاً صخرية فى جبال "أكاكوس" فى قلب الصحراء تعرَّضت أيضاً إلى أعمال تخريب بالطلاء، بينما طالت عمليات القصف العشوائى قصراً عثمانياً فى بنغازي".
 
 
 
كما قام الكيان الإسرائيلى الغاصب باستهداف التراث العربى فى فلسطين، حيث دمرت إسرائيل "حى المغاربة"بمدينة القدس القديمة الملاصق لحائط البراق، بالإضافة إلى تحويل المتحف الفلسطينى بالمدينة إلى مقر لدائرة الآثار الإسرائيلية ونهب ما بها من آثار، ومحاولات حرق المسجد الأقصى، وحفر الأنفاق أسفل الجدار الجنوبى للمسجد الأقصى وتعريض جزء كبير منه لخطر التصدع والانهيار على مرأى ومسمع من الجميع!
 


كذلك إحراق الكتاب المقدس على جبل الزيتون، وإحراق أربعة مراكز مسيحية أثرية بالقدس، كما تم سرقة تاج السيدة العذراء من كنيسة القيامة.
 
إن ملكية التراث الثقافى للإنسانية جمعاء، ولأن الدولة أو المجتمع هو صاحب ذلك التراث الثقافى وحارس عليه، فمن واجبه حمايته والمحافظة عليه قبل الآخرين والدفاع عنه إذا لزم الأمر، فعلى مر العصور كان الاعتداء على التراث الثقافى وسيبقى مادام الإنسان يحارب أخاه الإنسانى الذى صنع ذلك التراث ! 
وعلى مر العصور تعمد الغازى والمستعمر تدمير التراث الثقافى للبلد المحتل او المهزوم، لعزل الشعوب المستعمرة عن ماضيها وعن ارتباطها بالأرض وعن انتمائها وهويتها الوطنية، وحتى يحدث الاستقلال وينتصر المهزوم كان لابد للشعوب المستعمرة من استمداد قوتها من تراثها الثقافى والتمسك به بل والدفاع عنه حتى بالدم والروح.
وتظهر أهمية المجتمع المحلى وفاعليته فى الحفاظ على تراثه إبان الملمات والمحن والحروب، حيث يغيب فى تلك الظروف عمل معظم المؤسسات (العالمية والوطنية الرسمية) التى تعنى بالحفاظ على ذلك التراث وتظهر آثار التربية وحب الوطن والانتماء الحقيقى له، وكأنها طبيعة لحفظ الاتزان الثقافى وصراع بقاء الهوية بين الغازى الذى يكون هدفه طمس الهوية الثقافية للمغزو، والمهزوم الذى يريد دائما أن يحافظ عليها بكل ما أوتى من قوة. 
حدث هذا فى الماضى البعيد والقريب، فها هى جموع المواطنين فى روما يدافعون ويقفون فى وجه المستعمر الفرنسى فى أثناء سيطرته على مدينتهم فى نهاية القرن التاسع عشر إبان حكم نابليون كى ينقذوا المسلات (أصولها مصرية فرعونية) الأربع الموجودة هناك، ويبذلون فى سبيل ذلك حياتهم حتى نجحوا فى ذلك ولا تزال تلك المسلات ماثلة فى أجمل ساحات روما، وإحداهما موجودة فى ساحة الفاتيكان أشهر الساحات على المستوى العالمى.
وكذلك فإن الفرنسيين بدورهم فى فترة الحرب العالمية الأولى والثانية حافظوا على تراثهم الثقافى، فعند انتهاء الحرب العالمية الأولى مباشرة شُكلت لجان متخصصة من مهندسين وأثريين قاموا بعملية التوثيق للمبانى التاريخية والأثرية، وبدأوا بعمليات الترميم، وقد استفادوا من تجربتهم فى الحرب العالمية الأولى، فأدى ذلك إلى القيام بأعمال الحماية والمحافظة قبل وفى أثناء المعارك كما يحدث الآن تماما من قبل المسئولين الأثريين فى اليمن، والعراق، بعد ان تم تدمير معظم المواقع الأثرية هناك، وهى خسارة فادحة ليس لشعب البلدين فقط بل للإنسانية كلها.
فمن الإجراءات الوقائية وقتئذ خُزنت 45 ألف قطعة أثرية من القائمة المسجلة للتراث الفرنسى فى مكان آمن فى بداية الحرب، أما إبان الحرب فكان هناك جهاز يعمل على الحماية والمحافظة لذلك التراث، فقاموا بتوثيق المبانى هندسيا حتى إذا ما دُمرت تلك المبانى كان بالإمكان ترميمها بشكل صحيح.
وكذلك الشعب البريطانى بذل جهودا كبيرة إبان الحرب لحماية تراثه، فلقد نقل المتطوعون المقتنيات الأثرية والتراثية التى يمكن نقلها إلى مناطق بعيدة عن المدن فى الكهوف، فقد نقلوا شبابيك الكنائس وأثاثها والمبانى التقليدية كما نقلوا التماثيل والتحف الفنية من تاريخية وأثرية من المتاحف ومن غيرها من المبانى التاريخية ومن المواقع الأثرية، أما التماثيل الكبيرة والمعالم المهمة الثابتة (التى لا يمكن نقلها) فقد غطوها بالتراب والطوب حتى لا يدمرها القصف، بينما اضطلع المتخصصون من مهندسين معماريين وإداريين محليين برفع وتوثيق المعالم المهمة الموجودة فى المدن الإنجليزية، حتى تكون مرجعا لحالات الترميم بعد انتهاء الحرب إذا ما قصفت.
وجاءت اتفاقية لاهاى لحماية الممتلكات الثقافية فى حالة نزاع مسلح فى 14 مايو 1954 اعترافا بما منيت به الممتلكات الثقافية وعلى رأسها المواقع الأثرية والمبانى التاريخية من أضرار جسيمة خلال النزاعات المسلحة الأخيرة، وأن الأخطار التى تتعرض لها تلك الممتلكات فى ازدياد مطرد نتيجة لتقدم تقنية الحروب، وعلى هدى المبادئ الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية فى حالة نزاع مسلح المقررة فى اتفاقيتى لاهاى 1899 وعام 1907 وميثاق واشنطن المؤرخ 15 أبريل 1935 جاءت المادة(4) بتعهد الدول الموقعة باحترام الممتلكات الثقافية الكائنة فى أراضيها أو أراضى الأطراف الأخرى، وذلك بامتناعها عن استعمال هذه الممتلكات أو الأماكن المجاورة لها مباشرة لأغراض قد تعرضها للتدمير أو التلف فى حالة نزاع مسلح، وبامتناعها عن أى عمل عدائى إزائها.
كما تتعهد أيضا بتحريم أى سرقة أو نهب أو تبديد للممتلكات الثقافية ووقايتها من هذه الأعمال.
وأضافت المادة (5) أن على الأطراف المتعاقدة التى تحتل كلا أو جزءا من أراضى أحد الأطراف الأخرى تعضيد جهود السلطات الوطنية المختصة فى المناطق الواقعة تحت الاحتلال بقدر استطاعتها فى سبيل وقاية ممتلكاتها الثقافية والمحافظة عليها.
وجاءت المادة(6) بجواز وضع شعار مميز على الممتلكات الثقافية لتسهيل التعرف عليها.
 
 
 
ونحن هنا لسنا بصدد عرض مواد الاتفاقية بموادها البالغ عددها السبعة والأربعون التى تم تحديث بروتوكولها فى يناير 2000، إذ ما سبق عرضه من انتهاكات لتراثنا العربى على يد الدول المحتلة أو نتيجة للنزاعات المحلية والتحالفات العسكرية قد دمرت أول ما دمرت كل القوانين والاتفاقيات الدولية وما أكثرها، ولا يتوقف الأمر عند اتفاقية لاهاى فقط ! 
وتنص قوانين «اليونيسكو» على أن فى حالة الحروب ووقت الخطر يجب أن يتدخل جيش الدول وينتشر لحماية المواقع والمدن الأثرية، لكن فى حالة أن الجيش هو الآخر أصبح طرفاً فى النزاع المسلح القائم، فوقتها يجب أن تتدخل قوات التحالف التابعة لـ«اليونيسكو» لأن هذه المواقع والمدن الأثرية تكون مُسجلة على قائمة التراث العالمى، فهى ليست ملك الدولة الموجودة بها فقط، فأى موقع أثرى يتم تسجيله فى القائمة فهو بمثابة إعلان واضح على مشاركة كل دول العالم للدولة الموجود بها هذا الموقع فى إدارته، وإذا تم الاعتداء عليه فإما أن يتم إخراجه من قائمة التراث العالمى وهذا أقل الأضرار، لكن إذا كان موقعاً مهماً فوقتها تتدخل قوات عسكرية دولية لحمايته، وحتى هذا لم يحدث!
لذا يجب الاعتماد الكلى على وعى الشعوب العربية بثروتها الحقيقية من تاريخ وحضارة، ويجب أن تقوم النخب فى تلك الشعوب بدورها فى حث جموع فئات الشعب على التكاتف والالتفاف حول مواقعها الأثرية واتخاذ كافة التدابير الممكنة للزود عن تراثهم إيمانا منهم بأن التراث جزء من تاريخ الأمم ومن واقعها الذى يجب أن يُعاش، وأن يصبح جزءا من نسيجها المعاصر والمستقبلى. 
وهناك مؤسساتنا العربية الإسلامية التى تعمل فى مجال الحفاظ على التراث الثقافى نشأت فى الوطن العربى مثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ألكسو(ALECSO) وتقوم بالنشاطات نفسها التى تقوم بها منظمة اليونيسكو، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ISESCO) ومنظمة المدن العربية، ومنظمة العواصم والمدن الإسلامية بالإضافة مؤسسات إسلامية وعربية ثقافية غير حكومية نذكر منها منظمة الأغاخان، وجمعية الحفاظ على التراث فى مصر.
ومؤسسات التراث الأثرى والمعمارى والحضرى فى بعض الدول العربية، ومؤسسات التراث الدينى والوقف الإسلامى.
يجب التعاون بين هذه الكيانات العربية الثقافية للقيام بدور فعال وعاجل فى تسجيل وحفظ التراث العربى، فليس هناك إلى الآن قوانين محلية أو دولية كافية تحمى ذلك التراث.
 
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ منشد مطلق المنشداوى، سرقة وتدمير الآثار العراقية، رسالة ماجستير http://www.iraker.dk/maqalat24/maqalat111/25.htm
 
2ـ سامية حسن الساعاتى، الثقافة والشخصية حوار لا ينتهى، الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة 2009، ص 242
 
3ـ  د.م.جمال عليان، الحفاظ على التراث الثقافى، سلسلة عالم المعرفة، العدد 322، ديسمبر 2005م، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، ص177،178
 
4ـ  حسن سعد سند، معمر رتيب عبد الحافظ، حماية واسترداد الآثار المصرية فى ضوء المعاهدات الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة 2012،ص113-162
 
5ـ محمد مندور، سيمفونية البشر والحجر، مؤسسة بتانة، القاهرة 2017،ص 7-17.
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع