تراث

جهاز قطر الندى كان الأغلى..

حكايات جهاز العروس بمصر الإسلامية

يُقصد بجهاز العروس أو "الشِّوَارُ" كل ما تحتاج إليه العروس فى حياتها الجديدة من متاع للبيت، وكانت الأسرة تقوم بتجهيز العروس بعد قبضهم المهر، وإذا كان الأب من الموسرين اشترى لابنته جهازها من ماله، وجلب لها النفيس والغالى حتى تذهب إلى منزل زوجها بأجمل جهاز للتباهى والتفاخر بين الناس.
واهتم المصريون بجهاز العروس اهتماما بالغا، حتى امتلأت الأسواق بالثياب والستور والفرش والقناديل والأواني، وهى من مكونات الأثاث التى لا يكاد يخلو أى جهاز عروس منها، ويؤكد ذلك ما ذكره المقريزى عن وجود أسواق مخصصة تقع بالقرب من باب زويلة كان "يباع فيها جهاز النساء وشوارهنّ".




وقد اعتادت أغلب الأسر المصرية على بذل الكثير مما لديهم للتنافس والمغالاة فى إعداد جهاز بناتهن، ويروى فى هذا الصدد أن أحد الفقهاء المشهورين بمصر فى القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، أراد تجهيز ابنته وفقًا لمقدرته المالية، إلا أن أمها رفضت قائلةً له: "لنا حساد نخاف شماتتهم، ولابد من أن تعيننى على التجمل"، وألحت عليه فى أخذ وديعة كانت عنده قيمتها ألف دينار لرجل قد طال مقامه بالمغرب، فأجابها وجهزت ابنتها بجميع المال، ويدل هذا على حب معظم النساء للتباهى والمبالغة فى جهاز بناتهن مهما تكن السبل فى الوصول لتلك الغاية. وهو ما يفهم من الشاهد السابق الذى رأينا فيه اضطرار هذا الفقيه إلى خيانة الأمانة نتيجة لإلحاح زوجته فى استخدام ما أؤتمن عليه فى تجهيز ابنته.


 
ومن مظاهر حرص الأسر المصرية على التباهى بجهاز العروس، أن الجهاز كان يعرض فى بيت والد الزوجة، ويُدعى أهل الزوج والأقارب والأصدقاء لمشاهدته والاحتفال بنقله من بيت العروس إلى بيت الزوج، وكانت توضع ملابس العروس فى صناديق مزخرفة وتحمل على الدواب، أما الأمتعة الأخرى من فرش و وسادات وأغطية فكانت تحمل على الأكتاف، وتشهده الأحياء التى يمر فيها، ويعرض على الناس فى احتفال علنى للشهرة، حتى يصل جهاز العروس إلى بيت الزوج. 
وكان رجال الدولة يساعدون أحيانًا بعض الآباء فى تحمل بعض أعباء الجهاز، ويروى فى ذلك قيام أحمد بن طولون بتحمل تكلفة مقدارها ألف دينار فى تزويج ثلاث بنات لرجل فقير، وكذلك كافور الإخشيدى (355هـ/965م ـ357هـ/967م) الذى قام بإكرام ابنة أحد المنجمين ودفع لها مائتى دينار لتتجهز بها، مما يدل على الاهتمام البالغ الذى لاقاه جهاز العروس بالمجتمع المصري، لدرجة أن من أراد أن يكرم الفتيات الأبكار يقوم بإعطائهن تكلفة الجهاز للمشاركة فى إعداد بيت الزوجية.


 
وبالنسبة لبنات كبار رجال الدولة فإن جهازهن كان يختلف كمًا وكيفًا، ويمثل ذلك جهاز قطر الندى (ت287هـ/900م) ابنة الوالى الطولونى خمارويه بن أحمد بن طولون (270هـ/883م ـ 282هـ/895م)؛ إذ بذل هذا الوالى فى زواج ابنته بالخليفة العباسى المعتضد (279هـ/892م ـ 288هـ/900م) الأموال الطائلة، فأحضر لها جهّازًا عظيمًا يتجاوز الوصف، ويبالغ بعض المؤرخين فى وصفه ويقولون إنه كان معها من الجهاز "ما لا يكاد أن يوجد مثله فى خزائن ملوك الأرض"، وأنه حمل معها "ما لا يُرى مثله ولا سمع به"، ويروى لنا المقريزى تفاصيل مدهشة عما اشتمل عليه هذا الجهاز، فقد كان من جملته "دَكّة أربع قطع من ذهب، عليها قبة من ذهب مُشبَّك، فى كل عين من التشبيك قرط معلق فيه حبة من جوهر لا يعرف لها قيمة، ومائة هون من ذهب" لدق الطيب، كما شمل الجهاز أيضًا "ألف تِكَّة من أثمان عشرة دنانير" بتكلفة مقدارها عشرة آلاف دينار، هذا بالإضافة إلى الحلى والجواهر الكثيرة التى حملتها قطر الندى معها ضمن جهازها، بجانب مبلغًا كبيرًا من المال قدره البعض بمائة ألف دينار تستخدمه فى شراء ما تحتاج إليه من العراق و"لا يتهيأ مثله بالديار المصرية".



 ويستدل مما سبق على حجم الأموال الطائلة التى أنفقها خمارويه فى تجهيز ابنته، حتى قيل إنه أنفق جميع ما كان فى خزائنه، وعندما اكتمل الجهاز سأل خمارويه ابن الجصاص (ت315هـ/927م) ـ المشرف على إعداد الجهاز ـ عما بقى، فأجابه: إنه ما بقى من مال النفقة إلا النذر اليسير، وقيمته أربعمائة ألف دينار، فإذا كان هذا هو النذر اليسير الذى تبقى من الجهاز فما بالنا بثمن الجهاز كله. ومن نافلة القول إن الخليفة المعتضد أراد من وراء تلك المصاهرة إفقار الدولة الطولونية، لأنه كان يعلم شغف خمارويه بالبذخ والترف والإسراف البالغ. 
 
ونشاهد مغالاة كبار رجال الدولة فى إعداد جهاز العروس أيضًا فى العصر الفاطمي، كنوع من المباهاة وإظهار النفوذ، فنرى الوزير يعقوب بن كلس (ت380هـ/990م) الذى جَهَّز ابنته بحوالى مائتى ألف دينار، ولكنه توفى قبل أن تتزوج، فأمر الخليفة الفاطمى العزيز بالله (365هـ/975م ـ 386/996م) بحفظ جهاز ابنته إلى أن تزوجت بياروخ التركى وهو أحد مماليك العزيز بالله. وكذلك أخت كاتب السيدة العزيزية التى زُفَّت إلى بُلْتِكين التركى سنة 381هـ/991م وكان معها جهاز تقدر قيمته بمائة ألف دينار، بالإضافة إلى صناديق الملابس والحلى والتحف الثمينة التى حملت على ظهور ثلاثين بغلاً.
 


وعند زواج الخليفة الفاطمى العاضد لدين الله (555هـ/1160م ـ 567هـ/1171م) من أخت الوزير أبو شجاع العادل رزيك سنة 556هـ/1161م "نقل معها من الجهاز ما لا يسمع بمثله" على حد قول ابن الأثير، فكان من الكثرة والثراء والفخامة بما يليق بمكانة الخليفة.
 وربما ترجع هذه المبالغ الضخمة فى جهاز العروس إلى حرص الطبقات العليا على شراء الجواهر الثمينة وترصيع بعض قطع الأثاث بها، بالإضافة إلى تصميم منازلهم وقصورهم التى تكونت من عدة طوابق وكل طابق يشمل عدد كبير من الحجرات الواسعة بشكل يسمح باستيعاب جهاز كثير ومتنوع.
 وكانت قيمة الجهاز تتضاعف مع مضى الزمن، وباختلاف الطبقات ففى الوقت الذى بلغت فيه قيمة الجهاز آلاف الدنانير لدى الطبقات العليا والمتوسطة، وصل متوسط قيمة الجهاز عند العامة فى مصر خلال العصر الفاطمى خمسين دينارًا، وكان نصف عرائس الفسطاط يحضرن جهازا تصل قيمته فى الغالب إلى مائة دينار. وتظهر المبالغة فى قوائم الجهاز بوضع المبالغ بقيم مضاعفة للقيم الفعلية لثمن الجهاز وذلك بغرض المباهاة.
 
وهكذا نرى أن المغالاة فى جهاز العروس التى نراها كثيرًا فى أيامنا هذه لها جذورها القديمة، والتى تعكس حب المصريين للفخر والمباهاة، وهى ظاهرة ممتدة ولم يستطع المصريون التخلص منها، وإن كانت تشير إلى حب الآباء للأبناء إلا أنها تحمل بعض الجوانب السلبية التى ترهق ميزانيات الكثير من الأسر المصرية.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع