تراث

ناس وأماكن..

"جبل المقطم" ملجأ المسلمين والمسيحيين فى مصر

مصر أرض العلامات والمعجزات ويعتبر جبل المقطم من أهم معالم قاهرة المعز ومن أكثر المعالم الأثرية الطبيعية متعة، فمن خلال الوقوف عليه يمكن رؤية أحياء وشوارع القاهرة بأكملها، نشأ جبل المقطم في العصور الجيولوجية القديمة نتيجة التواء طبقات الأرض شرقي نهر النيل في شبه قوس متوسط الارتفاع تضرب قمته من القلعة حيث يبلغ ارتفاعه نحو 240 مترا ويصل ارتفاع بعض أجزائه عند المعادي 375 مترا، وينتهي طرف القوس شمالا عند منطقة مصر الجديدة وجنوبا عند المعادي ويبدو جبل المقطم وهو يطل على مدافن الإمام الشافعي ومدافن الخضير وكأنه شاطئ بحر قديم تركت مياهه آثار انسحابها التدريجي خطوطا واضحة في ثنايا الجبل.
 
وقد ذكر المقريزي عن تسميته بـ"المقطم" أن أحد ملوك مصر أراد أن يستخرج معدن الذهب والفيروز وغير ذلك من المعادن الموجودة بطريقة كيميائية فعهد بأمر ذلك إلى رجل يقال له "مقيطام الحكيم" وكان يعمل بالكيمياء واختصر الاسم بعد ذلك ليطلق عليه جبل المقطم.
وللجبل مكانة خاصة لدى المسلمين والمسيحيين حيث تروى عنه قصص كثيرة أهمها أن المقوقس أراد أن يشتريه من عمرو بن العاص بـ 70 ألف دينار ولما سأله عمرو لماذا قال "لأنه غرس من غراس الجنة"، فسأل عمرو عمر بن الخطاب فى الأمر فقال عمر "أننا أولى منهم ومن يموت من المسلمين يدفن بسفح هذا الجبل"، كما يقال إنه عندما مرت عليه السيدة مريم والسيد المسيح عليهما السلام، تساءلت السيدة العذراء حينها عن سبب النور الذى يشع من ذلك الجبل رغم أنهم مروا على جبال كثيرة، فأجابها المسيح بأنه "المكان الذى سيدفن فيه أمة أخى أحمد". 
لذا فقد كان لتقديس الديانات السماوية وتكريم المسلمين له دافعاً أولياً للمتصوفين لاتخاذ أوديته ملاذاً لهم لعبادة الله تعالى وعن أقدم مساجد الجبل نجد مسجد "التنور" الذى يقال إن سبب التسمية يرجع لبنائه على مكان تنور فرعون حيث كانت توقد له فيه النار فإذا رآها أهل مصر عرفوا بركوبه فيجتمعون له، وقيل أيضا أن هذا المكان كانت توقد به النار من مواد معينة ليرتفع الوباء عن أهل مصر في بعض الحقب التاريخية، ومن المساجد المهمة أيضاً مسجد "دكة القضاة" حيث كان يشغل موضعه دكة مرتفعة عن المساجد في الجبل كان قضاة بمصر يخرجون إليها لرؤية الأهلة وخصوصا هلال رمضان وفي مشرق الخندق الذي يعترض جبل المقطم يوجد مسجد "الكنز" ومسجد صغير يُعرف بـ "الزمام".


أما على سفح الجبل فيقع مسجد سلطان العاشقين "عمر بن الفارض" أحد كبار الشعراء الصوفيين ويصف بعضهم ديوانه بأنه أرق الدواوين شعراً الذى توفى سنة 632 ه - 1235م ودفن بالمقطم، وبعد أكثر من قرنين من الزمان فى سنة 865 هـ - 1460م أقام الأمير برقوق الناصرى الظاهرى قبة على قبره من الحجر سطحها محلى بالنقوش وتتميز بالمقرنصات التى فى الأركان الأربعة، ومعها كان المسجد الذى جدده بعد ذلك بثلاثة قرون تقريبا فى سنة 1173 هـ - 1759م أمير اللواء السلطانى على بك قازدغلى أمير الحج، وعلى جزء من أرض هذا المسجد القديم أنشأت المسجد الحالى الأميرة "جميلة فاضيلة" هانم ابنة الخديوى إسماعيل عمة الملك فاروق فى سنة 1307 هـ - 1889م وجعلته مسجدا مستطيلا تحمل أسقفه أربعة أعمدة حجرية، وله محراب ومنبر يتميزان بالبساطة وألحقت به حديقة صغيرة.
 
مسجد عمر بن الفارض
 
إلى الجنوب من قبة عمر بن الفارض نجد مسجد سيدى "شاهين الخلوتي" أحد أهم الآثار الإسلامية المهملة بالقاهرة، تحفة معمارية مصرية على مر العصور، حيث تم نحته وتصميمه وبناؤه على الجبل على طريقة معبد حتشبسوت، حيث نجد على باب القبة لوحة من الرخام كُتب عليها (بسم الله الرحمن الرحيم أنشأ هذا الجامع وأوقفه العبد الفقير إلى الله تعالى جمال الدين عبدالله نجل العارف بالله شاهين الشيخ الخلوتى افتتح عام 945 ه) وكتابة أخرى منقوشة فى داخل القبة ذكرت تاريخ تجديدها سنة سبع بعد الألف.
ويُذكر أن الشيخ الصالح العارف بالله شاهين الخلوتي وُلد بمدينة "تبريز" ببلاد فارس في القرن التاسع الهجري، وقضى هناك طفولته ومعظم شبابه وانتقل بعدها إلى مصر، حيث اشتراه السلطان الأشرف قايتباي وجعله واحدًا من مماليكه، ثم زهد حياة الجندية والمماليك وانزوى على نفسه في جبل المقطم في خلوة مع الله في نفس مكان المسجد والضريح، وقد‏ تم تسجيل الجامع فى سجلات الآثار باعتباره واحدا من أهم معالم مدينة القاهرة القديمة،‏ حيث وصفه على باشا مبارك‏ فى كتابه "الخطط التوفيقية‏" بأنه يقع بسفح المقطم ويصعد إليه بمزلقان وبه أربعة أعمدة من الحجر وقبلته مشغولة بقطع من الرخام الملون والصدف، يكتنفها عمودان من الرخام ومنبر خشبى ودكة قائمة على عمود من الرخام وتتمثل ملحقات المسجد فى مساكن وخلوات للصوفية ومقابر منحوتة بعضها مبنى، وصهريج للماء وبيت خلاء، بالإضافة لمجموعة من المغارات المنحوتة فى الصخر على مستوى واحد أو على مستويات مختلفة من الجبل، وكان يتصل بعضها ببعض بأنفاق ويتم الوصول إليها بدرجات منحوتة فى الجبل.
وهناك أيضاً قبة الأسباط وتشير المصادر التاريخية أن إخوة يوسف مدفونون تحتها، ويجاور هذه القبة مقعد من دورين، عبارة عن عدة حجرات مغطاة بقبوات متقاطعة، وبها محراب مزين بزخارف نباتية يشهد على عظمة الفنان الذى قام بإعداده، وهى فى مجملها غاية فى الروعة والفن المعماري المتميز.
 
 
 
كما يضم سفح المقطم مقبرتين: الصغرى وتمتد من شارع صلاح سالم حتى مشارف جامع بن طولون والكبرى تقع في منطقة الدراسة وتصل حتى مشارف مدينة نصر شمالا وجنوبا تدخل فيها قلعة الجبل وما يجاورها من مقابر وأضرحة وبصفة عامة تتسم تلك المقابر بالبساطة ومن أهم القبور الموجودة هناك قبور عمرو بن العاص وعبدالله بن الحارث وعبيد بن حذافة وأبو بصرة الغفاري وعقبة بن عامر ومسلمة بن مخلد الأنصاري وقبر السيدة نفيسة والشريفة فاطمة والشريف الهاشمي والأشراف من آل طباطبا والإمام الشافعي وذو النون المصري وابن الحسن الديبوري والإمام ورش المدني، وهو ما دفع العلماء والكتاب والمؤرخين وعلماء الآثار للاهتمام بجبل المقطم وذكروا فضل جبانته والمدفون فيها والمساجد المشيدة عليه وأوديته ولعل أهمها المخطوط الذي وضعه الإمام موفق الدين بن عثمان في القرن السادس عشر للهجرة بعنوان (مرشد الزوار إلى قبور الأبرار) والذي بقيت منه مخطوطتان إحداهما في المتحف البريطاني بلندن والأخرى بمكتبة أياصوفيا في تركيا وقد ذكر المخطوط أكثر من 200 قبر وحدد موقعها ووصف ما بها من نقوش وسجل ما كتب على الشاهد ووصف الخط الذي كتب به وقدم ترجمة لصاحب القبر.
 
كما تضم القرافة الصغرى بقايا مسجد وضريح الإمام الليث بن سعد فقيه مصر وأحد أعلامها والذي كان الإمام الشافعي يتأسف على فوات لقائه حتى أنه قال عند قبره (الله درك إمام، لقد حزت أربع خصال، لم يكملهن غيرك، العلم والعمل والزهد والكرم) وقد ولد الإمام بقرية قلقشندة إحدى قرى القليوبية 94 هـ وتوفي 175 هـ، أما مسجد الإمام الشافعي فقد بني في عهد خديوي مصر محمد باشا توفيق 1309هـ - 1891م على يد علي باشا رضا مدير الأوقاف وقد ظلت مقبرة الإمام الشافعي موضع عناية وتبرك حتى أمر صلاح الدين بإعادة ترميم المقبرة ووضع عليه تابوت خشبي وبني بجواره المدرسة الصالحية 572م لتدريس فقه السنة وذكر المقريزي ان الملك الكامل بن العادل بن أيوب بنى قبة فوق تربة الإمام الشافعي 608هـ بلغت نفقتها 50000 ديناراً، ثم توالت التجديدات على يد السلطان قايتباي ثم السلطان الغوري وكذلك الأمير عبدالرحمن كتخدا الذي انشأ سبيلا على يسار القبة وجدد مسجدا مكان المدرسة الصالحية وداخل القبة توجد عدة مقابر رئيسية تخص الإمام والثانية للسلطان الكامل والثالثة لوالدته. 


أيضاً من الأضرحة والمزارات الهامة التي يقبل الناس على زيارتها ضريح العز بن عبدالسلام الذي يقع في منطقة البساتين بالقرب من جبانة التونسي وضريح ابن عطاء الله السكندري بالقرافة الكبرى وكان ملازما طوال حياته لسيدي أبي العباس المرسي وأخذ عيشته الصوفية، بينما تعد جبانة السيدة نفيسة بنت زيد من أشهر المزارات والآثار العربية الموجودة بالقرافة وبها مشهد السيدة نفيسة والسادة المالكية والشيخ حسن حسن الشعار. 
وإلى الشمال الغربي من جامع الإمام الشافعي الأثري تقع مدافن العائلة المالكة بشارع الإمام الليثي التي تختلف عن سابقتها الموجودة في سفح المقطم في انها تتسم بالفخامة وتذهيب خطوطها وبنائها على أحدث الطرز ويعود تاريخ تلك المدافن إلى فترة حكم محمد علي باشا الذي قام بشراء هذا الحوش الذي كان موجودا في الأصل منذ العصر المملوكي ليبني عليه مدفنا عام 1805هـ وبناه في أول الأمر بسيطا وأخذ يدفن فيه حضرته المبنية من زوجاته وبناته وعندما مات ابنه طوسون باشا قام بعمل تركيبة فخمة ووضعها على قبره وأحاطها بمقصورة من البرونز ما زالت قائمة حتى الآن وعندما قتل ابنه إسماعيل في السودان نقله إلى مصر ودفنه في هذا المدفن ثم قام بعمل مجرى لتوصيل المياه للخدمة والذي يعرف باسم (مجرى مياه محمد علي باشا) ويحتوي مدفن العائلة المالكة على 46 تركيبة رخامية وقد تكون التركيبة لشخص واحد أو اثنين أو ثلاثة وهناك لأربعة أشخاص وقد استخدمت القبة كعنصر أساسي في تغطية المدفن حيث يعلو الجزء الرئيسي منه سبعة قباب تأثرت في الشكل والزخارف بالنمط الأوروبي حيث تنتشر الزخارف المتأثرة بأشكال الباروك والركوكو الأوروبي أما آخر القباب بالمدفن فكانت التي أنشأها الخديوي توفيق لوالدته (شفق. نوري) وفي عهد الملك فاروق آخر حكام الأسرة المالكة تم بناء المدخل الرئيسي وقبة المدخل والدهليز المؤدي للمدفن والسور الحجري الخارجي ومن أجمل وأهم التركيبات الرخامية بالمدفن تلك الخاصة بإبراهيم باشا أكبر أبناء محمد علي وصممها صانع خرساني الأصل ما زال اسمه محفورا عليها وبها الكثير من الزخارف هذا بالإضافة إلى تركيبة أحمد طوسون باشا بن محمد علي وعباس باشا الأول وأولاده أمينة هانم زوجة محمد علي وأحمد باشا يكن وأحمد رفعت باشا.
 


وبالاتجاه إلى منطقة منشية ناصر نجد دير"سمعان الخراز" التحفة الفنية المعمارية الرائعة المنحوتة داخل جبل المقطم شاهد على أن القاهرة زاخرة بالمعجزات، وأن مصر عامرة بالحضارة والتاريخ.
تحكي الأسطورة أنه في عصر المعز لدين الله الفاطمي كان له وزير يهودي يدعى يعقوب بن كلس وكان هذا الوزير يعادي المسيحيين بشدة وفي إحدى الجلسات الأدبية التي كان يعقدها الخليفة كان يحضرها بطريرك الأقباط يتباحث فيها مع اليهود في أمور الدين وفي خلال الجلسة اتهم احدهم وهو الأسقف ساويرس بن المقفع اليهود بالجهل فأثار هذا غضب الوزير اليهودي وقرر الرد على المسيحيين واتفق مع احد أصحابه بالانتقام، حيث بحث اليهودي حتى وجد آية في العهد الجديد يتحدث فيها المسيح إلى تلاميذه ويقول لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم وذهب اليهودي وعرض هذا الكلام على الخليفة وحتى يكمل النكاية بسمعان طلب من الخليفة أن يجبر سمعان على إثبات ذلك، وكان الخليفة المعز يريد التخلص من الجبل الموجود شرق القاهرة فأرسل للبطريرك واعلمه بالقصة، وأخبره أن يختار إمَّا تنفيذ تلك الآية ونقل الجبل الذى كان يعوق مشروعه إنشاء مدينة جديدة فى القاهرة، وإما اعتناق الإسلام وترك المسيحية لبطلان كلامها أو ترك مصر والهجرة إلى أى بلد آخر مع كل المسيحيين، أو الإبادة بحد السيف، فقبل البابا التحدى وأرسل منشورًا إلى جميع كنائس مصر يطالب فيها المسيحيين بالصوم والصلاة لمدة 3 أيام وتتحدث الرواية الدينية عن ظهور مريم العذراء للبطريرك في صباح اليوم الثالث، وأخبرته أن يخرج ليجد رجلاً بعين واحدة يحمل جرة ماء، هذا الرجل ستتم على يديه المعجزة وينتقل الجبل من موضعه.


هذا الرجل الذى أرشدت العذراء عليه، كان اسمه سمعان الخراز يعمل فى دباغة الجلود وتصنيع الأحذية، عاش فى القرن العاشر وعاصر المجاعة التى طالت مصر فى أيام حكم الدولة الإخشيدية، أى فى الفترة بين عام 934م و968م، قبيل حكم الدولة الفاطمية، وكان له قصة عظيمة فى تاريخ الكنيسة الأرثوذوكسية، إذ إنه فى يوم من الأيام أتت إليه امرأة جميلة جدا لتصلح حذاءها، وبينما هى تخلع الحذاء انكشفت ساقها فرآها سمعان واشتهاها، وبسرعة مسك بالمخراز وأدخله فى عينه فأفرغها، تنفيذا للآية التى تقول (إن كانت عينك اليُمنى تعثرك، فاقلعها وألقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك، ولا يُلقى جسدك كله فى جهنم) وإن كان هذا التصرف لا تُوافق عليه الكنيسة، ولكنه كان تصرفا عفويا لشخص بسيط نفذ تعاليم الإنجيل بحذافيرها، أما جرة الماء التى كان يحملها الخراز طيلة الوقت فكانت جزءا من حياته، إذ كان يقوم بتوصيل المياه إلى الشيوخ والمرضى فى منطقة سكنه بمصر القديمة، وبالتالى كان الشخص المناسب لتلك المهمة المستحيلة، لذلك حينما ذهب إليه الأنبا إبرآم بن زرعة وأخبره أن الله اختاره ليقوم بهذا العمل العظيم، وبعد فترة من المناقشة طلب الخراز من البابا أن يصعد إلى الجبل ويصطحب معه جميع رجال الدين والشمامسة وبعضا من شعب الكنيسة ويطلب من الملك الحضور هو وحاشيته بحيث يقف البابا وصحبته ناحية الجبل، ويقف الملك وحاشيته فى الناحية المقابلة لهذا الجبل، وأن يقوم البابا وصحبته بحمل الأناجيل والصلبان عاليا وأن يحملوا معهم شموعا طويلة موقدة، ويرددوا جميعهم كلمة كيرياليسون (يارب ارحم) أربعمائة مرة، بينما يقف هو وسط المسيحيين كى لا يعرفه أحد، وبعدما انتهى البابا ورعيته من كل تلك الأمور، انتقل بالفعل الجبل من موضعه إلى المكان الذى اختاره الخليفة، وحدث زلزال كبير فى مصر، ويقال أنه تم هذا سبب تسمية الجبل بالمقطم، لأنه تم تقطيعه إلى ثلاث قطع كل واحدة خلف الأخرى.


كما يقال أن كوكب الشرق أم كلثوم كانت أحد أهم الأسباب التي مهدت لبناء دير سمعان بطريقة غير مباشرة، حيث كانت تقطن في حى الزمالك المطل على نهر النيل، وفى الجانب الآخر من النهر كان يعيش جامعي القمامة في حي إمبابة، وهو الأمر الذي كان يصيبها بالانزعاج وخلال أحدى الحفلات في منزلها اشتكت أم كلثوم لمحافظ القاهرة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر وهو "سعد زايد" الذي استجاب لها على الفور ونقل 5000 أسرة أغلبها كانت مسيحية إلى جبل المقطم فى منطقة كانت تُربى فيها الخنازير والحيوانات؛ لذلك كانت تسمى (الزرايب) وأطلق على تلك المنطقة بعد ذلك منشية ناصر، وعاش جامعو القمامة هناك واستقروا بالمنطقة، وفى أحد الأيام كان أحد سكان المنطقة ويُدعى قديس عجيب، يجمع القمامة من منطقة شبرا، والتقى أحد خُدَّام الكنيسة هناك، وطلب منه الذهاب إلى المنطقة لتعليم المسيحيين هناك تعاليم الإنجيل، وبعد عامين من تلك الدعوة فى عام 1974 ذهب الخادم مع هذا الرجل إلى المنطقة، ورأى مغارة فى جبل المقطم جذبت أنظاره فظل يُصلى بها لمدة ثلاثة أسابيع دون أن يتعامل بشكل قوى مع سكان المنطقة، وفى الأسبوع الثالث ثارت عاصفة جعلت الزبالة والأوراق تتطاير حتى استقرت ورقة تحت قدم أحد المُصلين مع هذا الخادم فالتقطها وأعطاها للخادم، الذى وجد فيها آيةً من الإنجيل كُتب فيها (لا تخف، بل تكلم ولا تسكت، لأنى أنا معك، ولا يقع بكَ أحد ليؤذيك، لأن لى شعبًا كثيرًا فى هذه المدينة)، فشعر الخادم أن هذا أمر إلهىّ له بالبقاء فى تلك المنطقة أو كما قال البابا الأنبا شنودة الثالث: "إنها ليست ورقة، بل هي فرمان سماوي".


هذا الخادم تم ترسيمه كاهنًا فى تلك المنطقة، وهو الآن القمص سمعان إبراهيم، كاهن الدير ومؤسسه بالشكل الذى عليه حاليًا، والذى بدأ ببناء أول كنيسة فى المنطقة، وكانت من الصاج، وسقفها من البوص، إلى أن أرسل البابا شنودة الثالث أموالاً لإعادة بناء الكنيسة، فوقع الاختيار على مغارة تم اكتشافها عام 1974 وجرى تكليف مهندس معماري وضع تصميم لها، وتم بناء الدير بشكل تدريجي بسواعد أبناء "حي الزبالين" الذين نقلوا أكثر من مليونين ونصف المليون حجر واستمر العمل حتى وصل الدير لشكله الحالي "جوهرة معمارية" في قلب الجبل على مساحة 1000 متر تقريباً، ليزورها قداسة البابا الراحل شنودة الثالث فى يونيو عام 1976م.


ثم شهدت المنطقة توسعات عديدة فى عهد القمص سمعان إبراهيم على مدار أكثر من 40 عاما، حيث تم إنشاء العديد من الكنائس فى محيط جبل المقطم لتشكل دير القديس سمعان الخراز، أشهرها كنيسة الأنبا إبرآم بن زرعة، البطريرك الـ62 فى تاريخ الكنيسة الأرثوذوكسية، واكتشف موضع الكنيسة حينما كان خدام الكنيسة ينظفون إحدى المغارات من الطوب والحشرات، وقرروا بناء كنيسة فى تلك المغارة تخليدًا لذكرى نقل الجبل التى كانت فى عهد البابا إبرآم، وهى أصغر كنيسة فى الدير، أيضًا بالدير كاتدرائية السيدة العذراء والقديس سمعان الخراز التى بُنيت على مرحلتين، الأولى حينما تم اكتشاف مغارة لا يزيد ارتفاع سقفها على أرضيتها إلا بمتر واحد، تم تنظيفها واستعمالها لصلاة عدد صغير من خُدام الدير ليقام أول قداس بها عام 1986 وهى أول كنيسة بالدير، بينما شهدت المرحلة الثانية عام 1991 تطوير الكنيسة وتزويدها بمدرجات ربع دائرية بها مقاعد مثبتة، كما يوجد بالكنيسة رُفات للقديس سمعان الخراز، وأخرى ليوحنا المعمدان وهى حاليًا أكبر كنيسة بالدير.


يُذكر أن جميع الصور والتماثيل المنحوتة على الجبل داخل الدير وخارجه، هي من أعمال رجل بولندي يدعى "ماريو" وبالرغم من انه لا يعمل فناناً في الأصل، لكن اكتشف موهبته احد القساوسة عندما كان يخدم فى ملجأ "مازار تريز" أثناء رسمه للقديس سمعان على لوح خشبي وطلب منه أن ينحت تماثيل تحكي سيرة القديسين داخل الصخور، لتكون بمثابة معرض مفتوح فقام بنحت 76 نحتاً في الجدران بخلاف التماثيل، ثم تعلم العربية وأقام في مصر وتزوج امرأة من الصعيد.

 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع