تراث

ثمانمائة عام فاصلة بين سرقة قناديل السيدة نفيسة ومشكاوات مسجد الرفاعي

السرقة داء وبيل تصاب به بعض النفوس الضعيفة التى تستمرئ الكسب السريع والسهل دون اعتبار لأى قيم دينية وأخلاقية، فجميع الأديان تحذر من السرقة وتأمر أتباعها بألا يسرقوا وبعضها وضع عقوبات رادعة لمن يسرق، وعلى الرغم من ذلك فإن المجتمع الإنسانى لم يستطع تخليص ثوبه من هذه الآفة، الذى يؤلم حقًا أن تحدث مثل هذه السرقات فى مؤسسات دينية كالمساجد وأن تنتهك حرمتها من خلال سرقة بعض المتعلقات الخاصة بها. 
 
ولفت نظرى أثناء قراءتى فى كتاب "السلوك لمعرفة دول الملوك" للمؤرخ المصرى الكبير تقى الدين المقريزى وبالتحديد فى أحداث سنة 638هـ/1240م وقوع حادثة سرقة لستة عشر قنديلًا فضة من قناديل مشهد السيدة نفيسة رضى الله عنها وأرضها، وهى الحادثة التى تتشابه مع حادثة سرقة ست مشكاوات من مسجد الرفاعى سنة 1438هـ/2017م أى بعد نحو ثمانمائة عام من وقوع الحادثة الأولى. وكأن هؤلاء اللصوص قد طمست أعينهم وبصائرهم حتى يقوموا بسرقة أدوات الإنارة المادية من أماكن الإنارة المعنوية والدينية؛ فلم ينفذ هذا النور إلى بصيرتهم ليمنعهم من المساس بهيبة وجلال تلك الأماكن وتجلياتها الروحية الكبيرة لدى أغلب المصريين. 
 



وأدوات الإنارة المادية السابق ذكرها، كانت من المشكاوات الزجاجية أو القناديل وهما من أدوات الإنارة المستخدمة قديمًا فى المساجد والمنازل والقصور، إذ كان المصباح يثبت داخل المشكاة أو القنديل، لحفظ نار المصباح من هبات الرياح وتوزيع ضوئه فى أرجاء المكان، وكانت القناديل والمشكاوات تُعلق فى داخل أسقف المساجد وغيرها بسلاسل من الفضة أو النحاس الأصفر المشبك بالمقابض التى تلف حول بدن المشكاة. وكانت هذه القناديل تُصنع قديمًا من الفخار، ثم تطورت بعد ذلك وأصبحت صناعتها من النحاس والفضة والذهب، وغلبت القناديل النحاسية على القناديل المستخدمة فى إنارة المؤسسات الدينية فى مصر الإسلامية من مساجد ومدارس وربط وخانقاوات، وكانت تُنار من خلال وضع إناء من الزيت بها وفتيل للإضاءة.
حادثة سرقة مشكاوات الرفاعى ( 3 ربيع الآخر 1438هـ الموافق 1 يناير 2017 م)
 


طالعتنا الصحف من فترة قصيرة بقصة هذه السرقة، وقام فيها ثلاثة لصوص بسرقة ست من المشكاوات الموجودة بمقبرتى الملك فؤاد ووالدته واللتين تقعان فى حجرتين على يمين الداخل من المدخل الملكى فى الركن الغربى القبلى لمسجد الرفاعي، وحدثت السرقة أثناء تصوير بعض المشاهد من فيلم (الكنز) بمسجد الرفاعي، إذ قام المسئول عن توريد الإكسسوارت الخاصة بالفيلم بطلب صناديق إضافية من أحد العاملين معه ليضع فيها المشكاوات بعد إزالتها باستخدام سلالم عالية حيث أن ارتفاع المشكاوات يزيد عن الأرض بمقدار أربعة أمتار، وركَّب مشكاوات مقلدة بدلًا من الأصلية التى أخفاها داخل سيارته الخاصة، ثم لاذ بالفرار والاختباء هو وشركاؤه فى مدينة الإسكندرية، وتمكن رجال شرطة السياحة والآثار من ضبط اللصوص وبحوزتهم المشكاوات قبل إتمام بيعها بمبلغ 900 ألف جنيه. 
 


ويعود تاريخ تلك المشكاوات الزجاجية لعام 1329هـ/ 1911م، وهى مصنوعة على مثال المشكاوات الأثرية بمساجد مصر فى القرنين الثامن والتاسع الهجري/ الرابع عشر والخامس عشر الميلادي، وهى مطلية بالمينا وعليها كتابات قرآنية وتاريخية، حيث يوجد عليها "رنك" باسم الخديوى عباس حلمى الثاني، كما تزين بكتابات بخط الثلث المملوكى لآية من سورة النور: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ». 
حادثة سرقة قناديل السيدة نفيسة ( 15 محرم 638هـ/ 8 أغسطس 1240م)
 وهى الحادثة التى ترجع إلى عصر سلاطين المماليك فى مصر وذكرها المقريزى فى كتابه السلوك قائلًا: "فى خامس عشر [من محرم] سنة 638هـ نزل نفر من فى الليل من الطاقات الزجاج إلى المشهد النفيسي، وأخذوا من فوق القبر ستة عشر قنديلًا من فضة، فقبض عليهم من الفيوم وأحضروا فى رابع صفر، فاعترف أحدهم بأنه هو الذى نزل من طاقات القبة الزجاج وأخذ القناديل، وبرأ بقية أصحابه فشنق تجاه المشهد فى عاشره، وترك مدة متطاولة على الخشب حتى صار عظامًا".
 


وقد تعددت أوجه الشبه بين الحادثتين فى عدة أمور منها: 
• وقوع الحادثتين فى بداية العام، إذ وقعت حادثة سرقة قناديل السيدة النفيسة فى شهر محرم أول أشهر السنة الهجرية 638، فى حين وقعت حادثة مشكاوات مسجد الرفاعى فى شهر يناير أول أشهر السنة الميلادية 2017.
• كما تشابهت الحادثتان فى نوعية المسروقات وهى أدوات الإضاءة سواء أكانت قناديل من مشهد السيدة نفيسة، أو مشكوات من مسجد الرفاعي. 
• كما أن السرقة فى الحادثتين وقعت فى أضرحة ملحقة بالمسجد لا تقام فيها شعائر الصلاة؛ الأمر الذى أعطى اللصوص متسع من الوقت للقيام بجريمتهم دون أن يراهم أحد، إذ تبين فى الحادثة الأولى وجود أثر أقدام على قبر الملك فؤاد وفى الثانية نزل اللصوص من الطاقات الزجاج وسرقوا القناديل من فوق قبر السيدة نفيسة رضى الله عنها وأرضاها.
• كما تشابهت الحادثتان فى هروب اللصوص بالمسروقات بعد الانتهاء من عملية السرقة، إذ هرب لصوص قناديل السيدة نفيسة إلى الفيوم وتم القبض عليهم هناك، وهرب لصوص مشكاوات مسجد الرفاعى إلى الإسكندرية وقبض عليهم هناك أيضًا.
• وفى الحادثتين تتضح يقظة رجال الشرطة وتتبعهم الجناة واكتشاف أماكن هروبهم سواء أكانت فى الإسكندرية أو الفيوم حتى القبض عليهم فى فترة وجيزة جدًا لا تتعدى الشهر، الأمر الذى مكن رجال الشرطة من ضبط المسروقات وإعادتها قبل التصرف فيها وبيعها من قبل اللصوص. 
أما بالنسبة للعقوبة التى نالها اللصوص فى الحادثتين فلم تطالعنا الصحف بماهية العقوبة الواقعة على مرتكبى حادثة سرقة مشكاوات الرفاعي، وبخصوص حادثة سرقة قناديل السيدة نفيسة فقد عوقب المعترف بارتكاب الواقعة بالشنق وإبقائه مصلوبًا أمام المشهد مدة طويلة حتى صار عظاما، لتكون تلك العقوبة رادعًا لمن تسول له نفسه القيام بذلك الفعل المشين، وبالرغم من المبالغة الواضحة فى العقوبة وعدم تناسبها مع حجم الجرم المرتكب، إلا أنها تدل على هيبة ومكانة مشاهد آل البيت فى نفوس المصريين.
وهاتان الحادثتان -القديمة والحديثة- يدفعان إلى القول إنه يجب النظر إلى آثارنا وتراثنا فى ضوء منظومة جديدة تحقق وسائل أكثر أمنًا وحفاظًا على تراثنا وحضارتنا المصرية العريقة. كما أن تشابهما يجعلنا نردد المثل العربى القديم: "ما أشبه الليلة بالبارحة".
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع