تراث

تطور الكهوف فى العصر الحجرى

صورة-رقم-(1)-رسم لثور فى كهف إل كاستيلو

-الإنسان الموستيرى:
ترجع معرفتنا للإنسان الموستيرى فى أوروبا أكثر من معرفتنا لإنسان العصر الذى سبقه إلى عوامل طبيعية غيّرت معيشته تغيرا عظيما وذلك أن درجة الحرارة التى كانت مرتفعة فى العصر الشيلى قد أخذت فى الانخفاض فى العصر الذى أعقبه كما تبرهن على ذلك كثرة الرواسب الأشيلية من بقايا فيل عظيم ذى شعر كثيف وهو المعروف بالماموث الذى لا يعيش الآن فى الجو البارد. وبانتهاء العصر الحجرى القديم السفلى ينتهى كذلك عصر تقهقر الجليد؛ ويتفق العصر الحجرى القديم المتوسط مع عصر جليد طويل امتد حتى العصر الحجرى القديم الأعلى. وفى ذلك العصر، أخذت الحيوانات ذوات الجلد السميك تتقهقر نحو الجنوب متخلية عن أماكنها تدريجا إلى الحيوانات الأخرى ذوات الثدى التى هاجرت من البلاد الشمالية ولم يبق فى مكانه إلا الماموث ووحيد القرن صاحب الخرطوم المقسم بنتوء. وفى خلال هذا العصر أخذ الإنسان يتخلى عن عيشة الهواء الطلق واتخذ مأواه تحت الصخور أو فى الكهوف.
 
ـ الإنسان الأول ودوره فى صناعة التاريخ..
مما لا شك فيه أن الإنسان الأول قدم للبشرية الكثير لتطور الحياة التى وصلنا إليها الآن منذ أن كان على وجه الأرض من حوالى ما يقرب من مليونى سنة. وهذا ما سجله المؤرخون وعلماء الجيولوجيا والإنثربولوجيا وغيرهم بعد الاكتشافات التى وجدت فى الكهوف، وأطلقت على تلك العصور "عصر ما قبل التاريخ".
وعلى سبيل المثال، عندما بدأ الإنسان الأول فى صناعة لبوس له، استخدم أوراق الشجر ثم جلود الحيوانات وفرائها ليحتمى من البرد فى محاكاة لها، واستخدم ما يناسبه من البيئة الحجرية وقتها أدواته البسيطة ليصطاد الحيوانات ويشعل النيران ليضمن بقاءه على وجه الحياة، ولهذا سمى عصره بالعصر الحجرى.
 
ومع مرور الوقت، تطورت استخداماته للأدوات وسبل المعيشة المختلفة بتطور فكره وقدرته على استغلال عناصر بيئته بشكل أفضل.. ومن هنا تطور عصوره وقسمها العلماء إلى حقبات مختلفة وفقا لهذا التطور. 
وتعتبر مرحلة العصر الحجرى هى أقدم العصور للإنسان، حيث كان اعتماده على الحجر بصفة رئيسية فى صنع أدواته المحدودة لتلبية احتياجاته، كما استخدم بجانبه خامات أخرى مثل الأصداف البحرية والعاج والخشب والعظم وفقا للطبيعة حوله.
 
-عصور ما قبل التاريخ..
يعتبر مصطلح "ما قبل التاريخ" هو المصطلح الخاص بتلك العصور التى كانت قبل اختراع الكتابة السومرية فى العراق فى الألف الرابعة قبل الميلاد تقريبا.
حيث تم اكتشاف عدد من الكهوف التى كان يسكنها الإنسان الأول يعود زمانها إلى ما يقرب من 35000 سنة، وقد وجد على جدرانها رسومات للتواصل مع الآخرين من خلال النقش التصويري الذى يحاكى بها نفسه، كما كان يحاكى البيئة حوله فرسم الحيوانات التى كان يقوم بصيدها مثل الأبقار والغزال، وسجل على نفس الجدران أدوات الصيد البسيطة التى كان يستخدمها وطريقته فى الصيد على سبيل المثال.
 
قسم العلماء عصور ما قبل التاريخ إلى أربعة عصور أساسية ثم قسموا كل عصر إلى عصور ثانوية وفقا لأساليب صناعة الأدوات المستخدمة وكذلك طريقة العيش التى كان الإنسان الأول يسلكها فى حياته.
ويمكن تقسيمها على النحو التالى:
العصر الحجري، والعصر البرونزى، وعصر الحديد.
 
بينما قسم العصر الحجرى إلى:
العصر الحجرى القديم، والعصر الحجرى الوسيط، والعصر الحجرى الحديث.
 
-العصر الحجري القديم:
كان الإنسان يشترك مع الماموث ودب الكهف ووحيد القرن ذى الشعر الصوفى، وسمى بـ "نياندرتال" وكان لا يتسم بالعقلانية إلى حد ما.
 
وقد عاش الإنسان في الكهوف على شكل أسر داخل المستوطنة الواحدة وعملوا بصيد الحيوانات، نظرا لقسوة المناخ الذى كان يعرف بالعصر الجليدى، فكان الإنسان يختبئ فى الكهوف حماية لنفسه من شدة الرياح والأعاصير وبرودة الطقس.
 
"أما موقده فكان يقيمه على الفضاء الذى يتقدم مدخل كهفه أو عند باب الكهف نفسه. وهناك وجدت مخلفاته وجبانته مختلطة مع بقايا آلاته وقد تكوّن من هذه البقايا فيما بعد أكوام من الرواسب متماسكة بفعل الترشيح المختلط بالمواد الجيرية. وفى هذه الأكوام تجمعت عظام الحيوانات التى كان يصطادها الإنسان مع آلات الظران. وهذه الأكوام كانت فى الواقع بمثابة سجلات غير مكتوبة وبها يمكن المؤرخ أن يعرف مقدار الرقى أو الانحطاط فى الصناعة من مستوى لآخر من الطبقات التى كان بعضها موضوعا فوق بعض وضعا تاريخيا".
 
وكانت أدواته المستخدمة مصنوعة من الحجر (صورة 4) غير مصقولة ولا فن فيها، وكان الصيد هو ما عرفه هذا الإنسان لسد حاجته من الجوع والتدفئة بفراء الحيوانات وجلودها بغية التزود بأردية تقيه من البرد القارس الذى كانت تعرف به بيئته آنذاك.
 
وأهم انجاز لهذا العصر هو اكتشاف النار واستخدمت فى الطهى وتخويف الحيوانات والتدفئة والإنارة، وعرف الفخار ولكن فى نطاق ضيق.
ويمتد هذا العصر الحجرى القديم من 200 مليون سنة تقريبا حتى الى 15000 عام قبل الميلاد، ولذلك يعتبر أطول عصر مر بالإنسان.
 
وأول أداة عرفت فى عصر التاريخ كانت فى أفريقية صنعت من الحجر، وكذلك الفؤوس وأدوات الصيد أو القتال من عظام الحيوانات والعاج والقرون.كما ظهرت أولى المظاهر الفنية فى الكهوف التى استوطنها واستخدم الألوان فى رسوماته.
 
أول ما اكتشفت الكهوف التى عاش بها إنسان عصور ما قبل التاريخ كانت فى فرنسا وإسبانيا، كما توضح الرسومات على جدرانها، ويعتبر رسومات كهف إل كاستيلو –شمال إسبانيا- أقدم رسومات معروفة للكهوف.
 
وأكثر الرسومات فى الكهوف هى لحيوانات مثل الغزلان والثيران (صورة1)، وبعضها كانت لكفوف وكأن الإنسان يكتشف نفسه وقدرته على المحاكاة. 
بينما وجد فى كهفى "لاسكو" و"شوفيه" فى فرنسا (على سبيل المثال) تطور الإنسان من تطوره فى الرسم، ويعد هذا الكهف أهم الكهوف التى احتوى على أكبر قدر من رسومات الإنسان فى العصر الحجرى مما أغنى تاريخ علم عصر ما قبل التاريخ، صورة رقم (2)و (3).
 
  
   
 
 صورة رقم (2) لمجموعة من الثيران والخيول والغزلان – كهف لاسكو/ فرنسا.
 
  
 صورة (3) أدوات حجرية للتقطيع.
 
  
 صورة رقم (4) لعملية صيد الحيوانات والأدوات المستخدمة.
 
-العصر الحجري الوسيط:
بعد ذوبان الجليد حيث عصر مميز بالدفئ نسبيا، بدأ هذا العصر فى سنة 15000 ق.م تقريبا وحتى 7500 ق.م، وانقرض الإنسان "نياندرتال" ليبدأ الإنسان العاقل، وحمل الإنسان متعلقاته خارج الكهوف وبدأ يستشعر الشمس وعدم تعرضه للرياح وبدأ مرحلة جديدة من الاختراع والإبداع ليستعشر جمال الطبيعة حوله.
 
وانتهت مرحلة التقاط الثمار والبذور، وصيد الحيوانات إلى مرحلة الزراعة والرعى مع استئناس الحيوان، حيث اختفت الحيوانات الضخمة مثل الماموث وظهرت الحيوانات الموجودة حاليا بحجمها الصغير.
وبدأ بالتميز بالأدوات المصنوعة من الحجر والمصقولة والدقيقة وصارت الشظايا أعلى وأرفع وأكثر حدة ونعومة على عكس العصر الحجرى القديم، وعمل على صناعة قوارب للصيد بجانب تطوير أدواته.
كما استطاع أن يقيم المساكن الخشبية التى استخدم فيها الخشب من الأشجار بدلا من الكهوف، وأيضا المساكن الطينية والأدوات الفخارية حيث تطورت صناعة الفخار بشكل كبير ومتنوع وأخذت أشكالا جديدة.
 
وعرفت الحضارات الأولى على ضفاف الأنهار، قبل عصر الأسرات في مصر و العراق و الهند و الصين. ابتكار أدوات لزراعة الأرض، وصناعة النسيج، واختراع الكتابة حيث كانت بدايتها فى سومر فى العراق وعند المصريين القدماء.
 
وهذه الفترة الزمنية عرف فيها الإنسان الاستقرار والتطور الحضارى والإبداع، وبدلا من أن يكون مستهلكا لما حوله من الطبيعة تحول إلى منتج مثل حصد وطحن الحبوب للنباتات حيث ظهرت بعض أدوات الزراعة مثل المنجل ورحى الطحن.
كما عرف صناعة الإبرة والتى بدأت بالعاج قبل أن تتطور وتصبح من النحاس فى العصر البرونزى، فتطور فى حياكة ملابسه بعدما كانت من جلود الحيوانات وفرائها.
 
-العصر الحجري الحديث:
يبدأ من سنة 7500 ق.م حتى سنة 3000 ق.م تقريبا، وقد عرف الإنسان فى ذاك العصر الحجرى الجديد التطور الأكثر وميذ بتربيته للحيوان من أجل الإنتاج بعدما كان راعيا فقط، أخذ الشرق يدجن أنواع الحيوان، أما الغرب فكان يزرع الحبوب ويرويها، ويستعمل الحجارة والطوب المجفف في الشمس في البناء، بينما كان هنود شرقي المسيسيبي لا يزالون في مرحلة البربرية السفلى زارعين مساحات صغيرة من القمح والبطيخ ونبات الحدائق، مقيمين في دور خشبية وحقول مسورة.
 
وهكذا، عرف ملكية الأرض ومن ثم زراعة الحبوب المتنوعة مثل الشعير والحنطة ومن ثم صناعة الخبز، كما صنع أوانيه الفخارية التى تساعده فى عملية الزراعة، ومن هنا عرف التقويم الشمسى وحساب الوقت لمعرفة موسم البذر والحصاد.
 
كما تطور فى بناء مسكنه مما كان له عميق الأثر فى تطور العلاقات الإنسانية وبناء مجتمع متكامل ذى طبقات متفاوتة.
وفى هذا العصر تطور الإنسان فى استخدامه للمعادن وكانت البداية مع معدن البرونز (وهو خليط بين النحاس والقصدير) لصناعة أدواته، ومنها عرف السكين والحربة.
وقام بصنع الإبرة النحاسية وهي أول أداة صناعية معدنية استخدمها الإنسان. كذلك استخدم المصريون منذ بداية هذا العصر الذهب في صناعة الحلي. 
 
كما تقدمت صناعة نسيج الأقمشة والجلود والعاج، وتطورت صناعة الخزف. وبدأ الفن المصري القديم في الظهور مع نقش الأواني. كما تطورت مساكن القدماء وأصبحت تبني من الطوب اللبن و بدأ استخدام الأثاث والوسائد من جلود الحيوانات.
 
ويعتقد اكتشاف هذا العصر فى الفترة من سنة 3000 ق.م بدءا من آسيا ثم انتقل إلى سورية وتركيات وبلاد ما بين النهرين حتى سنة 1500 ق.م، ثم ظهر فى أوروبا وأمريكا مع تحرك الناس بين القارات.
ثم تطور فى صناعته فى صهر الحديد وتنسب بدايته فى آسيا الصغرى، وتطور فى استخدام خام الحديد حتى صنع السيوف والأسلحة أكثر تطورا.
ويعتبر الإنسان الذى عاش فى هذه الفترة هو الإنسان العاقل فهو إنسان هذا العصر فصاعدا إلى يومنا هذا.
 
 
قائمة المراجع:
 أور، فرانسيس: حضارات العصر الحجرى القديم، ترجمة: د/ سلطان محيسن، مكتبة الإسكندرية، دمشق، 1995م.
بون، فرانسوا: عصر ما قبل التاريخ، ترجمة: سونيا محمود نجا، المركز القومى للترجمة، القاهرة، 2013م.
حسن، سليم: موسوعة مصر الفرعونية فى عصر ما قبل التاريخ إلى نهاية العهد الأهناسى، الجزء الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2000
حسين، عبدالله: تاريخ ما قبل التاريخ، مؤسسة هنداوى للتعليم والثقافة، القاهرة، 2014م.
سليم: أحمد أمين: العصور الحجرية وما قبل الأسرات "فى مصر والشرق الأدنى القديم"، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية.
 

(18 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع