تراث

استفاد منه الباحثون فى التراث العربى الأوروبى وتذكرته الهيئة المصرية العامة للكتاب بعد ربع قرن من وفاته..

من هو محمد سليم سالم ؟

محمد سليم سالم(1904-1993م)...علم كبير وعالم جليل، معروف اسمه في عالم تحقيق التراث كأحد العلماء الأفذاذ المدققين في تحقيق ونشر التراث العربي الأوروبي. ورغم المكانة العلمية الكبيرة لتحقيقاته التي فاقت من حيث الدقة تحقيقات الدكتور الشهير عبد الرحمن بدوي (1917-2002م)، إلا أنه للأسف الشديد عندما مر ربع قرن على ذكراه هذا العام لم تلتفت لهذه الذكرى أي مؤسسة علمية وثقافية مما تعامل معها سليم سالم في حياته سواء في جامعة عين شمس التي عمل بها أستاذًا، أو دار الكتب المصرية التي أصدرت معظم تحقيقاته أو غيرها.
وربما تكون الجهة الوحيدة التي التفتت إلى ذلك هي الهيئة المصرية العامة للكتاب التي جعلت طريقة احتفائها بهذه الذكرى هي إعادة طباعة أحد كتب التراث العربي الأوروبي التي حققها سليم سالم منذ ما يقرب من خمسين عامًا وعنوانه (رسالة ثامسطيوس إلى يوليان الملك في السياسة وتدبير المملكة). 


     
والمقصود بالتراث العربي الأوروبي مؤلفات العلماء والفلاسفة الأوروبيين القدماء، التي ترجمها علماء العرب والمسلمين إلى اللغة العربية في العصور الوسطى وقاموا بتقديم التعليقات والشروح عليها، وصارت جزءًا لا يتجزأ من التراث العربي، والجدير بالذكر أن معظم ما تُرجم إلى اللغة العربية في ظل حركة الترجمة النشطة في العصر العباسي «ضاع ولم يبق منه إلا شتات متفرق في دور الكتب، وقد بعد بيننا وبينه الزمن فتعذر علينا فهمه واستحال علينا حل طلاسم أكثره، وما زالت الأمة العربية في حاجة ماسة إلى إعادة نشر هذا التراث الخالد» على حد قول الدكتور محمد سليم سالم. وهو العالم الذي تعددت جهوده في تحقيق هذا النوع من التراث، وقام بتحقيق تسعة عشر نصًا تراثيًا خمسة منها لابن رشد، هي تلخيصاته لكتب أرسطو: «الخطابة»، و«الشعر»، و«العبارة»، و«الجدل»، و«السفسطة»، وخمسة أخرى عبارة عن ترجمات وشروح حنين بن إسحق لكتب جالينوس في «فرق الطب للمتعلمين» و«التأتي لشفاء الأمراض»، و«النبض للمتعلمين»، و«الاسطقسات على رأي أبقراط»، و«الصناعة الصغيرة»، بالإضافة إلى ثلاثة نصوص للفارابي، وثلاثة أخرى لابن سينا، ورسالتين لابن باجة، وأخيرًا رسالة واحدة لثامسطيوس، وهذه الرسالة الأخيرة هي ما نعرضها الآن لصدور طبعة جديدة منها منذ أيام محدودة.
   


ويُعد ثامسطيوس واحدًا من كبار البلغاء في القرن الرابع الميلادي، ودارت معظم خطبه حول حب الخير والرأفة والرحمة ونشر التسامح الديني، وقد بلغ عدد خطبه التي وصلت إلينا أربعًا وثلاثين خطبة، تأثر فيها بأسلوب أفلاطون في كتاب الجمهورية؛ إذ كان ثامسطيوس فيلسوفًا حكيمًا انتقى من الأرسطية والأفلاطونية ما يلائم عصره، وتوفي ثامسطيوس حوالي سنة(388م)، وليس قبل الميلاد كما ورد سهوًا في الطبعة الصادرة مؤخرًا من الكتاب.
   
تحدث ثامسطيوس في رسالته المهمة عن موضوعات عديدة تتصل بالسياسة والحكم، ومنها:
أهمية السياسة ونظم الحكم: قال ثامسطيوس: "لأن الإنسان الواحد لا يمكنه أن يعمل الصنائع كلها، احتاج بعض الناس إلى بعض. ولحاجة بعضهم إلى بعض، اجتمع الكثير منهم في موضع واحد، وعاون بعضهم بعضًا في المعاملات والأخذ والعطاء، واتخذوا المدن لينال بعضهم من بعض المنافع من قرب، لأن الله خلق الإنسان بالطبع يميل إلى الاجتماع والأنس... ولما اجتمع الناس في المدن، وتعاملوا، وكانت مذاهبهم في التناصف والتظالم مختلفة، وضع الله سننًا وفرائض يرجعون إليها ويقفون عندها، ونصب لهم حكامًا ليحفظوا تلك السنن ويأخذوها باستعمالها لتنتظم أمورهم، ويجتمع شملهم، ويزول عنهم التظالم والتعدي اللذان يؤديان إلى ما يبدد شملهم، ويفسد أحوالهم".

الصفات الخلقية للسياسيين: ومما قاله في هذا الصدد: "إن الناس مضطرون إلى تدبير وسياسة، وأمر ونهي، وأن المتولين لذلك منهم ينبغي أن يكونوا أفاضلهم؛ فإن من نهى عن شيء وأمر بشيء، فالواجب أن يظهر استعمال ذلك في نفسه أولًا ثم في غيره". "ولأن كثرة الرؤساء تفسد السياسة...احتاجت المدينة... إلى أن يكون رئيسها واحدًا... وأن يكون سائر من ينصب لتمام التدبير والسياسة والحفظ أعوانًا له سامعين مطيعين منفذين لما يصدر عن أمره...". 
الشروط أو المقاييس التي يجب توافرها في الملك: ومما قاله ثامسطيوس في ذلك: "لا يكمل لسياسة أهل مدينته إلا من كمل لسياسة أهل بيته وسياسة نفسه... وأن يكون لمن يرأسه ويسوسه بمنزلة الوالد الشفيق، متفقدًا لما صغر وما كبر من أمور رعيته، غير متشاغل بشيء عن ما حصنها وجمع شملها، وبث العدل والإنصاف فيها ودفع الضر عنها بكل ما يجد إليه السبيل". "حتى يقصد كل واحد من [رعيته] للصناعة التي انتحلها لمصلحة نفسه وغيره ممن يحتاج إليها، فلا يعوقه عنها عائق. فيتم بذلك تعامرهم وترازقهم، وتعاضدهم وتعاونهم على مصلحة عيشتهم واستقامة أمورهم". 
ومن شروطه أيضًا: "أن يكون غير محب لجمع المال إلا من الوجوه التي تعود بالنفع على الرعية... غير مفرط ولا مقتر...وأن يتقدم سائر الناس في السماحة والسخاء".



وعليه كذلك "أن يكون خبيرًا بأخلاق الناس، كثير التفتيش عن مذاهبهم، ليختار كل واحد لما يصلح له، فيجعل الشجاع النجد مقاتلًا ومحاربًا، والثقة الأمين خازنًا وحافظًا، والعالم السديد قاضيًا وحاكمًا، والمحنك المجرب الصحيح الرأي مستشارًا". 
أهمية حركة البناء والتعمير: اهتم ثامسطيوس بالإشارة إلى أهمية اهتمام الحاكم بحركة البنيان والعمارة وأكد على وجوب أن يصرف الملك أكبر عنايته في "ابتناء المدن والمعابر، وشق الأنهار، وعقد الجسور، وإصلاح السبل وتنظيفها من الذعار... ليخلف المملكة لمن يأتي بعده وهي أعمر مما تسلمها ممن كان قبله، فإن الله يجزل ثوابه على حسن قيامه بما نصبه له، واجتهد فيه دون غيره، والذكر الجميل يبقى له على غابر الدهر".
وتؤكد هذه الإشارات الأهمية الكبيرة لهذه الرسالة كإحدى نصوص التراث السياسي بالغة القيمة. وبالرغم من ذلك لم يفكر أحد في إعادة طباعتها بعد طبعتها الأولى الصادرة سنة 1970م إلا في عامنا هذا (2018م)، وهو الأمر الذي يُحمد لسلسلة (التراث الحضاري) بالهيئة المصرية العامة للكتاب، والتي طُبع الكتاب ضمن أعدادها، ومما يُعطي أهمية إضافية للطبعة الجديدة ما أُضيف إليها من دراسة موسعة ورصينة قام بها الدكتور حسام عبد الظاهر.

وعلى الرغم من صغر حجم نص رسالة ثامسطيوس إلا أن جهد المحقق الكبير في تحقيقها يستحق الإعجاب. وقد قسم الحواشي إلى قسمين، القسم الأول منها لفروق النسختين الخطيتين، والثاني للتعليقات، وقدم أكثر من أربعين تعليقًا مهمًا، شملت شروحًا لمتن الرسالة أو توضيحًا لبعض الكلمات، كما أنه أورد نصوص مختلفة سواء من التراث العربي أو الأوروبي القديم للمقارنة والموازنة بين نص ثامسطيوس وغيره من النصوص والكتابات. وأكثر كتابين رجع إليهما في التحقيق هما: مخطوطة كتاب تهذيب الأخلاق، ليحيى بن عدي وهي المخطوطة المحفوظة في دار الكتب المصرية، وكتاب الهوامل والشوامل لأبي حيان التوحيدي ومسكويه، في نشرته التي حققها أحمد أمين والسيد أحمد صقر. كما وضع المحقق دليلًا للكتاب يضم أسماء الأعلام والأماكن والمصطلحات الواردة به.

وأخيرًا فإن هذا الكتاب يستحق التنويه... ويستحق القراءة... ورحم الله عالمنا الجليل الدكتور محمد سليم سالم، وإن جاز لي في نهاية هذه المقالة تقديم توصية ما فستكون لفت انتباه دور النشر الجادة إلى إعادة طبع تحقيقات سليم سالم التراثية المهمة، التي نفدت من سوق النشر منذ سنوات طويلة.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع